«الانقلاب العظيم»: عن المسألة الزراعية في الصّين (2)

عامر محسن

«عشر مئة مليون مواطنٍ يعيشون في أمتنا البهيّة..تسع مئة مليون غارقون في المضاربة، ومئة مليون يتأهّبون للانخراط في اللعبة» قصيدة سجعية من بيجينغ (في كتاب هنتون «الانقلاب العظيم»)

«كلّ جانبٍ من جوانب العلاقات الاجتماعية في الصّين طبعته موجة النكوص من اشتراكية الدولة الى الرأسمالية. شهد كلّ شيءٍ انقلاباً عظيماً. الأحمر يضحي أسود، النبيل يضحي قبيحاً ــــ والثوري يتحوّل الى رجعيّ» 
جوون تشو («من الكومونة الى الرأسمالية»)

يكتب وليام هِنتون بنبرةٍ عاطفية عن «لوتشينغ»، البلدة الصينيّة الأثيرة عليه. هو تابعها وعمل مع اهلها وكتب عنها منذ أيّام الثورة الصينيّة وتوزيع الأراضي في الخمسينيات، ثمّ شهد مرحلة «القفزة الكبيرة الى الأمام» وانهيار الانتاج، الذي لم يتعافَ منه الريف الصيني حتى عام 1962، ثمّ الثورة الثقافية، وصولاً الى مرحلة تفكيك الملكيات الجماعيّة و«الانفتاح» في الثمانينيات.
قبيل «الانقلاب العظيم» مباشرة، في أواخر السبعينيات، كان هِنتون يقدّم المشورة لمشروعٍ طموحٍ لمكننة الزراعة في «لوتشينغ» («لونغ بو» بالانكليزية، أي «القوس الطويل») يقوم بها لواء الانتاج المحلّي. كانت المنطقة تعاني تاريخياً من مشكلة في ملوحة التربة تمنع الفلاحين من الاستفادة من الرّيّ وزيادة الانتاج. أحد القادة في لواء الانتاج (وهو يملك خبرة تقنية لأنّه كان قد تدرّب في صيانة الماكينات وعمل في بناء مصانع الكهرباء في الخمسينيات في مختلف مناطق الصين، فتعلّم كل ما له علاقة بالكهرباء والميكانيك واصلاح الآلات. هو قاد أثناء «الثورة الثقافية» مجموعةً من الشباب الماويّين «احتلّوا» مقرّ لواء الانتاج، ثمّ انقضّت عليه القيادة القديمة في لوتشينغ، واتهمته ورجاله بـ«معاداة الثورة»، وحوكم واضطر الى الهرب من البلدة، قبل أن يعود بعد فترة ويتمّ «إعادة تأهيله» وينضم مجددا الى فريق العمل) اكتشف أنّ نشر الرّماد بكميات كبيرة فوق الأرض الزراعية يخفض من درجة الملوحة ويغيّر طبيعة التربة ما يسمح باستخدام الريّ بكثافة. جنّدت البلدة آلاف العمّال وطلّاب المدارس لنقل عشرات آلاف الأطنان من الرّماد الذي تولّده معامل الكهرباء القريبة من احراق الفحم، وهو كان يتكدّس في الأراضي حول المداخن، وتغطية أراضي لوتشينغ بطبقةٍ سميكةٍ منها.
بعد استخدام الري وارتفاع الانتاج بشكلٍ كبير، كانت المرحلة التالية هي المكننة حتّى تستفيد من أنظمة ريٍّ كبيرة واقتصاديّة، وتحرث الحقول من دون المحراث اليدوي التقليدي، فتحرّر آلاف العمّال وتوجههم الى نشاطاتٍ أخرى منتجة. أجرت البلدة مشروع المككنة عبر مزيجٍ من شراء الآلات عبر القروض والاستنباط، فقام الفنيون المحليون ببناء مصعدٍ آلي لنقل الحبوب وتخزينها، وصمّموا نظام ريّ دائريّ باستخدام أنابيب ومحرّك جرّارٍ صغير، وأجروا على الآليات التي تملّكوها العديد من التعديلات لتخدم أكثر من مهمّة (من الحراثة الى النقل الى تحطيم الصخور). حين بدأ الفوسفات، السّماد الجديد الفعّال، بالظهور في الصين كان في وسع البلدة الحصول على الفوسفات الخام، ولكن ليس على السّماد الذي ظلّ انتاجه قليلاً في البداية؛ فأسسوا مطحنة لسحق الفوسفات، ثمّ حوّلوها الى معملٍ للاسمنت، سمح انتاجه ببناء قنوات الريّ وتجديد البنية التحتيّة، وأسسوا شركة نقلٍ لبيع الاسمنت وغيره من المنتجات، الخ. وكانت هذه «النشاطات الاضافية» من الربحيّة بحيث أنّ أحد المسؤولين أخبر هِنتون أنّ المشاغل والشركات الصناعية في البلدة لا تستهلك أكثر من عشرة في المئة من اليد العاملة، ولكنّها تؤمّن أكثر من 70% من الأرباح.
كانت لوتشينغ، بالنسبة الى هِنتون، مثالاً على نجاح الاشتراكية في الرّيف، وما يمكن للتنظيم الجماعي أن يكون. راقب الباحث البلدة وهي تتحوّل من تجمّعٍ بائس للأكواخ الطينية قبل الثّورة، يقطنها فلّاحون أشبه بالأقنان، الى قريةٍ مزدهرة، دورها مبنية حول ساحاتٍ داخلية، وشوارعها مميزة بلونها الأبيض (طليت الأبنية في الشارع الرئيسي بالأبيض أثناء زيارة وفدٍ أجنبي، فأعجب الأمر أهل البلدة وأبقوا عليه). وها هي البلدة تتقدّم صوب المرحلة الأخيرة من التنمية الزراعية: المكننة ورفع مستوى حياة النّاس بشكلٍ جذريّ، وانشاء المصانع والمصالح الجديدة، والتحرّر من العمل اليدوي القليل القيمة. بالمعنى نفسه، أصبحت لوتشينغ، بعد اصلاحات دِنغ وتفكيك الملكيات الجماعيّة، دليلاً على الامكانية التي تمّ طمسها، والطريق الذي لم يُسلك. كتب هِنتون ذلك وهو يراقب الآلات الزراعية في لوتشينغ، بعد سنواتٍ قليلة من بدء «الاصلاحات»، وهي تصدأ في التخزين، اذ لم يعد لها من مكانٍ بعد أن قُسّمت الملكية الجماعية الى حصصٍ فردية متناهية الصّغر، وقد لاقت مصيرها ايضاً المصانع المحلية والشركات التي تأسست في البلدة (قاومت لوتشينغ تفكيك الملكية الجماعية فيها للحدّ الأقصى، لأكثر من سنتين يقول هِنتون، ولكن الأوامر من فوق كانت صارمة، وقد حسمت الأمر وفودٌ من القيادة المركزية جاءت الى البلدة لتؤنّب كوادرها على عدم الانتقال الى «نظام المسؤولية العائلي» ــــ في بلدةٍ أخرى ناجحة، في الشمال النائي، أجّلت القرية مصيرها لسنوات إذ كان القادة المحليون يهربون الى التلال، ويختفون لأيّام، كلما عرفوا باقتراب وصول وفدٍ حزبيّ من المركز ينوي الاجتماع بهم).

«اجعل الحبوب الحلقة الرئيسية» 
في «المسألة الزراعية»، دائماً، تناقضٌ مركزيّ اشكاليّ، وبخاصة في المراحل الأولى للتنمية والتصنيع في بلدٍ ما، وتحديداً في مجتمعات زراعية كالصّين وبقية الجنوب العالمي: انت، من ناحية، تريد أن «تحدّث» الريف وتحرر طاقاته وتزيد انتاجه وتخلّصه من البنى القديمة الطفيليّة ولكنّ علاقة «الدولة» بالرّيف، في الوقت ذاته، فيها جوهر «استغلال» لا يمكن نفيه. حين تكون الزراعة هي القطاع الرئيسي ــــ أو الوحيد ــــ المنتج في البلد، وحين يعمل فيها أغلب الناس، فإنّ التراكم الذي تحتاجه من أجل بناء الصناعة وانشاء الجامعة والاستثمار ستستخرجه حكماً من القطاع الزراعي والفلاحين (سواء عبر أسعار «رسمية» منخفضة للمحاصيل، لاطعام العمال في المدن، أو كمدخلات رخيصة للصناعة، الخ). يعترف هِنتون بهذا الواقع ويضيف أنّ القطاع الصناعي عليه، بدوره، أن «يعيد الخدمة» الى الريف عبر تأمين ماكينات رخيصة وأسمدة وتقنيات حديثة، تؤمّن بدورها نهوض الريف وتحديثه، والّا لا يكون لـ«تحالف العمال والفلاحين»، والاشتراكية نفسها، من معنى. من هنا كانت قضيّة هِنتون التي دافع عنها بلا كلل ــــ مع الكوادر في القرى، أمام المسؤولين الصينيين، وفي المنظمات الدولية وكتاباته ــــ هي المكننة.
حتّى نبسّط ونختصر، المكننة مهمة في حالة الصين لسببين أساسيين: أوّلاً، يؤكّد هِنتون بأنّه، بعد مرحلة معينة من ترشيد الانتاج في الفلاحة، فأنت لن تتمكن من تحقيق قفزة نوعية في الانتاج الا عبر استخدام التقنيات والأسمدة والآليات الحديثة. ثانياً، ليس من المنطقي أن يكون الفلّاح الواحد في الصّين يحرث ويحصد ألفين ِأو ثلاثة آلاف متر مربّع على الأكثر فيما هِنتون، وهو مزارعٌ في اميركا، يزرع لوحده ما يقارب المئة هكتار من الذرة بمساعدة الجرارات وأنظمة الري الميكانيكية. المشكلة القديمة في الأرياف، يكتب هِنتون، هي في قوة العمل التي «تضيع»، امّا عبر استخدام تقنيات قديمة وبدائية، أو لأنّ الفلّاحين الذين تحتاجهم الأرض بكثافة خلال موسمي البذار والحصاد، يقضون قسماً كبيراً من السنة متبطّلين (من عايش مثلي الأرياف التقليدية يعرف أنّ الصورة النمطية عن «الفلاح النشيط» التي يتلقّاها أهل المدن في كتب القراءة ــــ يستيقظ مع الشمس، يحمل معوله باسماً، ويعمل طوال النهار ــــ ليست دقيقة، بل لعلّ صورة «الفلّاح الكسول» هي الأقرب الى الواقع، خاصّة حين يكون في بيت الفلّاح الكثير من الإناث والأولاد الذي يقومون بالأشغال الشاقّة اليوميّة، ويكتفي هو بأعمال معينة تحتاج الى قوة عضلية ولفترة قصيرة في السّنة، ويقضي الأشهر الباقية في اجازة الّا لو قرر تدعيم دخله عبر العمل في المدن. وقد عرفت مزارعين من الجيل القديم كانوا يفضّلون الفقر ألف مرّة على العمل بالأجرة وذلّ النزول الى المدينة ــــ ولست ألومهم).
كانت نصيحة ماو الى القطاع الزراعي تقول «اجعل الحبوب الحلقة الرئيسية» (التي تبني حولها الاقتصاد الانتاجي) ثمّ ضاعف الثروة عبر النشاطات «الجانبية»: تربية الحيوانات، الصناعات، الصيد، والغابات. المكننة، يقول هِنتون، هي السبيل لتحقيق هذا الشّعار وتحرير قوى الانتاج في الرّيف. حين كان المسؤولون في بيجينغ يعارضون المكننة بحجّة أنّه «لدينا أصلاً الكثير من الناس، ونحتاج الى تشغيلهم»، اقترح هِنتون أن تبدأ المكننة تدريجياً، في الأقاليم الزراعية القريبة من المدن، ليذهب فائض العمال الى نشاطات محليّة ولتدعيم القطاع الصناعي، ثمّ تنتشر صوب الداخل (بعد أن استمع هِنتون الى تلك الحجة مراراً في الستينيات والسبعينيات، راقب الثمانينيات بمرارة فيما المسؤولون الصينيون يحوّلون مئات ملايين الفلاحين، من دون رفّة جفنٍ، الى «فائض» لا مكان له سوى الهجرة الجماعية الى المدن للبحث عن عمل في المصانع الناشئة لقطاع التصدير). مع تفتيت الملكية الجماعية، حذّر هِنتون، انت سوف تحصل على اسوأ ما في العالمين: ستكون الملكية مجزّأة الى درجة لا تسمح بالمكننة والتطوير، والنهوض الجماعي بالريف الصيني؛ وفي الوقت ذاته انت لن تحصل على «فوائد الرأسمالية» عبر نشوء ملكيات ضخمة ومزارع حديثة تقفز بالانتاج، اذ أنّ قسماً كبيراً من الأرض الزراعية سيتمّ حجزه من قبل ملايين المزارعين الأفراد الذين وزّعت الحصص عليهم، ولن يكون أمام المزارعين «الناجحين» والأثرياء سوى مساحة محدودة للتوسّع فيها. في مرحلة الانفتاح، احتفظت أكثر الأسر الصينية بأرضها العائلية الصغيرة كـ«تأمين»، يزرعونها بوسائل بدائية للحصول على الحد الأدنى لمعيشتهم، ولو كان أكثر أفراد الأسرة يعملون في المدن لزيادة دخل العائلة.
لم تقتصر نتائج «التخصيص» على الزراعة والانتاج، حتّى الثقافة والعادات تغيّرت بعد الاصلاحات والانفتاح. بعد أن كانت بلدة لوتشينغ، مثلاً، قد اعتمدت أنماطاً «حديثة» من الفنون، مثل المسرح والسينما والاستعراضات الراقصة، وكان فيها نوادٍ ومؤدّون وحضورٌ جماعي لأفلام السينما، عادت أنماط التسلية التقليدية والشعبوية لتنتشر، كالمسرحيات والقصص التي تستلهم من تاريخ الصين وخلفها قيم كونفوشية محافظة. بعد أن كان أهل البلدة أصبحوا يدفنون موتاهم بشكلٍ عمليٍّ بسيط، عاد عرّاف البلدة (الذي كان قد همّش بعد الثورة ويتم النظر اليه كرجلٍ خرف) ليحتلّ مكاناً أساسياً في حياة النّاس، ورجعوا الى عادة التأجيل في دفن موتاهم لأيّام وأسابيع في انتظار تراصف النجوم بشكلٍ مناسب، بحسب الموعد الذي يعطيه العرّاف. وأصبحت الجنازات هذه، من جديد، تقليداً يؤشّر على تراتبية الثروة داخل البلدة، ومن يملك مالاً ويستطيع «تشريف» موتاه وتمييزهم عن الباقين (حتّى في الخطاب السياسي للقادة الصينيين، تجد انزياحاً واضحاً، منذ السبعينيات، بين خطابٍ اشتراكي «أممي» والخطاب الحالي الذي يستلهم عناوين من تاريخ الصين، تركّز على «خصوصيتها» الثقافية، وتستذكر تقاليدها الامبراطورية).

إعادة التقييم ــ بعد فوات الأوان
كتاب جوون تشو الجديد يقوم، فعلياً، بالانتصار لأغلب الحجج التي قدّمها هِنتون وأمثاله خلال فترة الانفتاح، وهم يحاججون بيأسٍ ضد الارادة السياسية والبروباغاندا الكاسحة عن «فشل التجميع» و«النجاح الصاعق» لـ«نظام المسؤولية العائلي». تشو يستعرض الأرقام بعد أكثر من ثلث قرن: نموّ انتاج الحبوب خلال مرحلة «الاشتراكية» كان بحدود 2.7 في المئة سنوياً، رغم التقلبات والأحداث السياسية وفقر الصين وعزلتها، فيما النمو في مرحلة «الانفتاح» لم يتجاوز الواحد في المئة سنوياً، رغم النموّ الكبير في الصين وازدياد الثروة والتقدم التقني. لم تحصل «قفزة» في انتاج الحبوب منذ الثمانينيات، والصين اليوم تستورد دورياً كمياتٍ كبيرةٍ من الحبوب من السوق العالمي، لأوّل مرةٍ في تاريخها. هذا يتناسب ببساطةٍ مع ما قاله هِنتون في بداية الثمانينيات: انت تقدر أن ترفع انتاجية أرضٍ ما بسرعة إن كانت تُدار قبل ذلك بشكلٍ رديء، ولكنّك (بعد أن تعوّض تخلّفك و«تلحق» بالمعدلات العالمية للانتاج) ستصل بسرعةٍ الى «سقف» لانتاجية هذه الأرض تحت الظروف التقليدية، ولن تتمكن من النمو ــــ أو من تحرير العمّال ــــ بعد ذلك الّا عبر المكننة والجهد الجماعي. هذا، تقريباً، هو ما حصل على مستوى الصين بأكملها وأدّى الى جمود النموّ منذ الثمانينيات.
في الوقت ذاته، يقوم تشو بتفكيك خرافة «طفرة الانتاج» التي رافقت تفكيك الملكيات الجماعية وشرّعت لها من دون نقاش ــــ الى اليوم. عبر الأرقام والاحصائيات، يثبت تشو بأنّ زيادة الانتاج التي شهدتها بداية الثمانينيات لا علاقة لها بتخصيص الزراعة، بل كانت نتيجة عوامل أخرى يمكن قياسها. الأساس هو أن الحكومة قد رفعت، بذكاء، أسعار شراء المحاصيل بالترافق مع موجة التخصيص، وقدمت أسعاراً تحفيزية عالية للانتاج الاضافي؛ ولكن عوامل أخرى تضافرت، بسبب الحظ والصدفة، لتدعّم سردية «الاصلاح المنقذ»: من الطّقس الذي عرف سنوات جيّدة بعد خمس سنينٍ من الكوارث، الى استدخال الأرز المهجّن («البذور السحرية» التي ضاعفت الانتاج وسمحت بزراعة الأرز في مناطق جديدة)، وصولاً الى انتشار الأسمدة والفوسفات ووصول «الثورة الزراعية» الى الريف الصيني ــــ لم يكن في الصين سوى معملين صغيرين للفوسفات بناهما الاتحاد السوفياتي، ثم حصلت القطيعة مع السوفيات وعُزلت الصين مجددا عن التكنولوجيا الزراعية. ثم بنى الألمان معملاً للأسمدة في الستينيات، ولم يصل الفوسفات الى المزارعين فعلياً حتى دشّنت الصين بجهودها في السبعينيات أكثر من دزينة معامل دفعةً واحدة جعلتها من أكبر منتجي السماد في العالم.
هذه الخلاصات كان يلمّح اليها هِنتون في كتاباته، حين قابل فلّاحاً في بلدةٍ أصابت نجاحاً بعد تفتيت الملكيّات الجماعية. أعطاه الفلاح السردية الرسمية عن أنّ التخصيص «جعلنا نهتمّ بالأرض ونعمل بجدّ»، فأجابه هِنتون بأنه يعرف، كمزارع، بأن لا قدر من العمل يمكن أن يرفع انتاجية أرضٍ ثلاث أو أربع مرات؛ فيضيف الفلاح «اه، صحيح، لقد استخدمنا الأسمدة»، في اشارة الى انتشار الفوسفات؛ فيعود هِنتون ليقول له إنّ السماد وحده، ايضاً، لا يصنع هذه العجائب، فيستذكر الفلاح مجدّداً «أجل، البذار الجديد كان أثره هائلاً».
حين بدأ تفكيك الملكيات الجماعية، قال المسؤولون الصينيون إن نحو ثلاثين في المئة من المزارع الجماعية كانت ناجحة ومزدهرة، كمثال لوتشينغ أعلاه، ومثلها في الأسفل ليس ناجحاً ويخسر المال ويبقي دخل الفلاحين منخفضاً، فيما أربعون في المئة من المزارع بين بين، لا هي تخسر ولا هي تنمو كما يجب. أسباب فشل الكثير من البلدات يناقشه تشو وهِنتون مطوّلاً. نظام التجميع ليس ميزةً في ذاته، لو أنّك ذهبت الى ريفٍ بدائي في افريقيا الغربية، مثلاً، وطلبت من ريفيين لا يملكون تنظيماً ومعرفةً وخبرةً أن يتجمّعوا في «كومونة» فأنت لن تخدمهم بشيء، بل ستضيف الى الجهل والتخلّف طبقةً بيروقراطية طفيليّة، بعنوان «مديرون وكوادر»، تستفيد من موقعها وتعيق تطور الفلاحين (لو أردنا أن نبالغ قليلاً، فهذه هي قصّة أغلب بلادنا في الجنوب ودولها ومؤسساتها). من المفترض بنظام التجميع أن يكون تدريجياً وطوعياً، بمعنى أن المزارع يرى بنفسه فوائد التعاون وارتفاع الانتاج، وأنه ينال أسمدة ومساعدة لن يتمكن من تأمينها وحده. من المفترض أن تكون المرحلة الأولى من اشتراكية الأرض تدريجية، يتولى فيها كلّ فلاحٍ قسماً من الأرض كما اعتاد، مع اضافة بعض أشكال التعاون الجماعي، وينال ما يحصده من أرضه. ولا نصل الى «المرحلة المتقدمة» من التجميع، أن يعمل الكلّ ضمن وحدات انتاج ويتمّ تعويضهم بحسب ساعات عملهم، الّا بعد وقتٍ معتبر من نجاح المرحلة الأولى، وبعد أن يكتسب الفلاحون قدراً كبيراً من التنظيم والخبرة والعمل الجماعي. تمّ انتهاك هذين المبدأين في الكثير من الأماكن، وفي بعض أرياف الصين الفقيرة (وبخاصة تلك التي كانت بعيدة عن الثورة ونشاطها ولم يعتد الفلاحون فيها التنظيم ولم يتحمسوا لقضية الحزب)، تمّ العبور من النظام الاقطاعي الى «المرحلة المتقدمة» من الاشتراكية خلال أشهر قليلة، فكان من المستحيل لهذا النظام أن يعمل.

خاتمة
هنا نقاشٌ يطول، حول المسألة الزراعية، ونتائجها اليوم، ومصير «التحالف بين العمال والفلاحين» (وهو، على قدم التعبير وكلاسيكيته، الوسيلة الوحيدة لبناء حركة شعبية حقيقية في بلاد الجنوب)، وامكانات المستقبل في سياقنا الحالي. النقاش يبدأ حقيقةً من فكرة «الطريق الرأسمالي» وهل هو متاحٌ أصلاً لدول الجنوب أم أنّه، كما قال ماو، ليس طريقاً سيئاً فحسب، بل مسدودٌ علينا (والرأسمالية الغربية، قبل أيّ عاملٍ آخر، هي من سيمنعنا من بناء رأسماليات حديثة تنافس وتأخذ مكانها في العالم، أضاف ماو. وهذا ما يكتشفه زعماء الصين اليوم فيما اميركا تطلق حربها الشاملة لـ«احتواء الصين» بعد عقودٍ من التعاون). هناك ايضاً نقاشٌ آخر، لا يقلّ أهمية، عن مصير مئات ملايين الصينيين، وهل كان شقاؤهم هو للمصلحة الجماعية ولبناء أجيالٍ مستقبلية، ثرية ومتعلّمة كما في الغرب، أم أنّه كان مجرّد عملية استغلال لمصلحة النخبة والشركات العالمية؟
الزمن سيرينا الإجابات على بعض هذه الأسئلة، ولكن هِنتون كان يكرّر على الدوام حجّةً جوهريّة، لا بدّ من ختم المقال بها. أن تنجح ثلاثون بالمئة من الملكيات الجماعية ليس دليلاً على فشل هذا النظام و«مخالفته الطبيعة البشرية» و«ضرورة» استبداله. على العكس تماماً، هذا يعني أن مئات الملايين من الفلاحين الصينيين كانوا قد تمكّنوا من اتقان الانتاج الجماعي، وفعلوا ما لا يمكن أن يتحقق على مستوى فردي، وكانوا ينتقلون ببلداتهم الى حالة ريفٍ حديثٍ مزدهر، قبل أن يتمّ تحطيم هذه التجارب على طريق التخصيص، وهذا كلّه قد أُنجز من دون تراتبية وطبقية، الجميع «يصعد سوية» ولا أحد يُطرد من أرضه أو يتحوّل خادماً للأثرياء. الدّرس الحقيقي هنا ووصية هِنتون هي أنّه، إن تمكّن مئات الملايين من النجاح ضمن هذا النظام التشاركي، فلا شيء يمنع جميع الفلّاحين من تقليدهم، إن هم حصلوا على تدريبٍ وتنظيمٍ وقيادةٍ كفؤة؛ أي أنّ هناك أفقاً مختلفاً ممكناً للبشريّة، والتدافع على «الطريق الرأسمالي» ليس قدراً.

الأخبار