بدلا عن اعادة تأهيل منشآت الدولة، المنهاج الوزاري يدعو لخصخصتها..!

حسان عاكف

تصدرت برنامج وزارة الصناعة في المنهاج الوزاري للحكومة الحالية، الذي صوت عليه البرلمان ومرره في جلسة اقرار التشكيلة الوزارية غير المكتملة في الرابع والعشرين من الشهر الماضي، دعوة واضحة لخصخصة المنشآت والمؤسسات الصناعية المملوكة للدولة، حيث اكد برنامج الوزارة في فقرته الأولى على (( تحويل الاصول الجامدة الى اصول متحركة من خلال عرض المنشآت المتوقفة او الخاسرة وطرحها للمشاركة والاستثمار او البيع للمواطنين العراقيين وتحويلها الى شركات مساهمة رابحة يملكها الشعب بشرط تشغيلها واستيعاب العاملين المنتجين فيها وتحقيق سعات انتاجية تحدد حسب حاجة السوق المحلية كمرحلة اولى والتصدير كمرحلة ثانية)).

لاحظوا محاولات التمويه والتورية في هذه الفقرة وحرص اصحابها على تجنب الاشارة الى مصطلح ”الخصخصة“ لمعرفتهم بحجم الغضب والرفض المليوني الواسع الذي سيستقبل به الفقراء والفئات الاجتماعية الاكثر تضررا هذا النهج الاقتصادي التخريبي.

ليس هناك ما يدعو للاستغراب في هذا التوجه اذا عرفنا ان النظرة السائدة في مراكز القرار الاقتصادي في الدولة منذ عام ٢٠٠٣ تنطلق، كما اكدت وثائق المؤتمر العاشر لحزبنا الشيوعي « من الفكر الليبرالي الداعي الى سوق حرة وشبه سائبة، في ظل دولة تقوم بدور الحارس المجرد وينحسر دورها في الاطاريين التنظيمي والتحفيزي»..

وبهذا الشان اكد التقرير السياسي للمؤتمر « أن الاقتصاد العراقي الريعي هو احوج ما يكون لدور اقتصادي فاعل للدولة، ليس على المستوى التنظيمي والتحفيزي وحسب، وانما على الصعيد الانتاجي ايضا» . وشدد التقرير على ان معالجة اوضاع المنشآت والشركات المتوقفة او الخاسرة المملوكة للدولة يكون من خلال اعادة تأهيلها وايجاد شراكات ناضجة وفاعلة مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وفق اسس سليمة واطر قانونية مناسبة وليس التوجه لبيعها بالمفرّق والتقسيط.

وبهذا الخصوص ايضا أكدت وثائق الحزب على الدوام على ضرورة دعم المنشآت والمؤسسات الانتاجية؛ الصناعية والزراعية والخدمية، وإعادة الحياة لها، وإصلاحها فنيا وإدارياً واقتصادياً، والنهوض بها كي تساهم بشكل فعال في تنمية الاقتصاد الوطني. لكن التعمد في اهمال هذه المؤسسات ظل هو السياسية السائدة تمهيدا لبيعها وخصخصتها باعتبارها مؤسسات خاسرة وفاشلة وتشكل عبئا ثقيلا على الاقتصاد الوطني..!!.

ليس من حاجة للتذكير ان ”المواطنين العراقيين“ القادرين على الاستجابة لدعوة الخصصة التي تضمنها البرنامج الحكومي وشراء منشآت الدولة سيكونون في غالبيتهم من محدثي النعمة، الذين كدس الغالب الاعم منهم ملايينه من النهب وصفقات الفساد بعد عام ٢٠٠٣، او من اسلافهم من بطانات النظام السابق ومحاسيبه، الذين يدير غالبيتهم اليوم مشاريعه الخاصة في دول الجوار، خصوصا في الاردن والامارات.

هؤلاء واولئك سرقوا أموال الدولة وثروات الشعب بالامس ويدعوهم المنهاج الحكومي اليوم لشراء منشآت الدولة وشركاتها بتلك الاموال المسروقة، كي يتحكموا برغيف خبزنا بعد ان تحكموا بمصائرنا وحياتنا.

ان الدعوة للخصصة بالطريقة التي يروج لها المنهاج الحكومي لن تكون في حقيقة الامر اكثر من عملية ترحيل لاملاك الدولة الى اللصوص من البيروقراطيين والطفيليين، تماما كما حصل حينما قام النظام الدكتاتوري السابق بالخصخصة في ثمانينات القرن الماضي، وفعلها السادات قبله في مصر عبر نهج الانفتاح سيء السمعة.

المعالجة الحقيقية لواقع الاقتصاد العراقي الريعي المشوه تتم بتنويع مصادر الدخل الوطني عبرالانتقال إلى اقتصاد يعتمد على الاستثمار المنتج في القطاعات الاقتصادية الواعدة؛ الصناعة والزراعة والخدمات والبناء، بالاستفادة من جميع أشكال الملكية (الدولة والخاص، المحلي والاجنبي، المختلط والتعاوني) وتشريعها في صيغ قانونية تنسجم مع المرحلة التي تمر بها بلادنا.

عن صفحة الكاتب على الفيسبوك