فرنسا تعترف بمجزرة سان ميشال

الجيلالي شقرون

بين اندلاع حرب التحرير الجزائرية ونيل الجزائر استقلالها عن فرنسا عام 1962، ثمة مجازر لا حصر لها نجمت عن مصرع أكثر من مليوني شهيد، جلهم من الأطفال والنساء والكهول في مئات المدن والبلدات والقرى.

بعد مرور 57 عاماً، عادت مجزرة سان ميشال في باريس التاريخية التي تُعَدّ حلقة من سلسلة المجازر هذه التي ارتكبتها الإدارة الفرنسية الاستعمارية في حق الشعب الجزائري. لقد خرج متظاهرون جزائريون مهاجرون في باريس في حيّ سان ميشال في يوم 17 أكتوبر/ تشرين الأول 1961 يطالبون الحكومة بالاستقلال وحقهم في الحياة والحرية كباقي الشعوب المستقلة في العالم. 
تعود أحداث ذلك العام إلى 5 أكتوبر/ تشرين الأول 1961 عندما أصدر الجنرال بابون أمراً بحظر تجوال الجزائريين من الساعة الثامنة مساءً وحتى الخامسة والنصف صباحاً. ورأى المهاجرون في فرنسا أنّ الحظر عنصري وتعسفي يطاول الشعب الجزائري ويستثني «الكولون» الفرنسيين في الجزائر.
وفي الثامنة من مساء 17 أكتوبر/ تشرين الأول 1961، خرج آلاف الجزائريين في باريس بتظاهرات سلمية وتجمّعوا في الساحات العامة للتنديد بالقرار وإبلاغ السلطات الفرنسية بمطالب عبّرت عنها شعاراتهم «فليسقط حظر التجوال... تفاوضوا مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية... الاستقلال للجزائر... تحيا جبهة التحرير».
عندها، هاجمت قوات الشرطة المتظاهرين وقتلت العشرات منهم عمداً في الشوارع ومحطات مترو الأنفاق، في عمليّات قمع للمسيرات، نتج منها سقوط ما يزيد على 300 قتيل، أُلقيَ بهم في نهر السين، وما يزيد على 1000 جريح، واعتقال نحو 14000 جزائري. 
الآن يطالب «تجمع 17 أكتوبر 1961» الرئيس إيمانويل ماكرون بأن يدين رسمياً جريمة الدولة الفرنسية في مجزرة سان ميشال. فقد تقدمت «الجمعية» برسالة إلى ماكرون برفع اللثام عن تلك المجزرة الرهيبة تنفيذاً لوعده بالاعتراف بها علناً. وهذا ما أفرزته الوقفة التي حضرتها السيدة آن هيدالغو، رئيسة بلدية باريس، وسفير الجزائر عبد القادر مسدوة، إلى جانب بعض الجزائريين الذين عاشوا المجزرة وعايشوها، فضلاً عن ذوي الضحايا ومؤرخين وناشطين في المجتمع المدني الفرنسي. وصرّحت هيدالغو قائلة: «إن تاريخنا، بما فيه من مآسٍ، يجب الاعتراف به وبحقائقه حتى يتسنّى لنا التقدم معاً». كذلك أعلنت وفاءها للتاريخ المشترك بين الجزائر وفرنسا، وللأحداث التي أدمت باريس، على حد تعبيرها. وأضافت أنّ «من المهم الاعتراف بالحقيقة التاريخية قصد التطلع إلى المستقبل». هذا التصريح الجريء من رئيسة البلدية هو تذكير لماكرون الذي صرّح به في فبراير/ شباط الماضي، ومن قلب الجزائر، بأنّ "الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي. وهو جريمة، جريمة ضد الإنسانية". وقد سبقه في ذلك الرئيس فرانسوا هولاند الذي أقرّ بالمجزرة في خطاب له في الجزائر في ديسمبر/ كانون الأول 2012، لكن دون أن يقدم الاعتذار. حينها قال: «إن فرنسا تعترف بكل وعي بالمأساة التي تمثلت في قمع دموي تعرّض له جزائريون كانوا يتظاهرون من أجل حقهم في الاستقلال»، وكان ذلك أول اعتراف رسمي بتلك المجزرة.
ويجب أن نطرح السؤال: لماذا تصدر الحكومات الفرنسية اعترافات وتصاريح من هنا وهناك من دون اعتراف رسمي منها؟ والأدهى والأمرّ أن بعض هذه التصريحات يصدرها مسؤولو الدولة أثناء وجودهم في الجزائر. 
لا يمكن فهم تلاعب المسؤولين في أعلى هرم السلطة من هذه التصريحات الإعلامية سوى أن المصلحة المادية هي التي تحرّكهم، فهم براغماتيون، لأن الجزائر غنية بثرواتها الطبيعية، ولا مانع لديهم من مراضاة الرأي العام. ومما يضحك في الأمر، ما جاء على لسان الرئيس فرانسوا ميتران في خطاب رسمي حيث قال: « إنها قصة حب كبير بين الجزائر وفرنسا»، بالرغم مما قام به الفرنسيون في الجزائر أثناء الاحتلال من قمع للشعب الجزائري، فعن أي قصة حب يتكلم يا ترى؟ فالذاكرة الوطنية الجزائرية لا تنسى أبدا ما جرى لشعبها المقاوم، وفرنسا لن تستطيع محو هذه الذاكرة من المخيال العام الجزائري، لأن الأجيال الجديدة تتساءل وتبحث عن الحقيقة.
لذلك، لا يمكن أن تبقى مجزرة سان ميشال وسواها حبيسة في الرفوف وفي ذاكرة من عايشوا الحدث، بل هي برسم الرأي العام الفرنسي إذا شاء المحافظة على مبادئ ثورته التي أدهشت العالم قبل 230 عاماً. 
* باحث جزائري

الأخبار