مذكرات منجمي عراقي : أوراق من الذاكرة(8)

مناجم الحسينات

في عام 1998انتقلت الى مقر القسم في بغداد، مع مواصلة مهامي في مواقع الصحراء الغربية وإضافة مناطق جديدة للدراسة والاستكشاف(النجف، كربلاء، كركوك) وقد اورثني هذا التوسع اعباء وجهود إضافية ،قبلتها على مضض، لحاجتي في متابعة اسرتي واولادي عن كثب. يوميات أعمالي كانت متابعة نشاط مواقع الصحراء ،والمساهمة في تحديد توسع الاستثمار في احتياطيات الخامات المطلوبة موقعيا. والتنفيذ كان معتمدا على إمكانياتنا وموجودنا من المعدات والاليات المنجمية الاختصاصية، وبالطبع هذا الامر يقلل من نفقات العمل، ويزيد من اقتصاديات المواقع. استمر إيقاع الاعمال ،كما هو لغاية يوم (20/3/2003)الذي يمثل بداية الحرب الإمبريالية على العراق، وتحولت الحدود العراقية-الاردنية الى جبهة تقدم لقوات التحالف، سبقها قصف جوي لقاعدةH3الجوية، والمواقع العسكرية، وتجمعات الجيش في الجوار، وشمل القصف الجوي والأرضي مواقعنا في العامج والرطبة، ما استدعى سحبنا للعاملين من جميع مواقعنا هناك، والتي اصبحت عرضة للنهب من بعض أهالي مناطق التواجد والجوار. وشملت مسروقاتهم جميع آلياتنا ومعداتنا  و كرفاناتنا. صدمة لم نتخلص من تأثيرها الابعد أشهر، لنتخذ قرار العودة الى مواقعنا بالموجود من ابناء الغربية، ونكون من أوائل الدوائر الحكومية المباشرة بأعمالها في الرطبة. اختزلنا مواقعنا(6)الى(2)واحد في الرطبة والثاني في الكعرة، اما البقية فكانت محطمة ولا يمكننا حمايتها. اولوياتنا في الاعمال تلبية طلبات الاحتياج الحرج للمواد الأولية لمعامل السمنت العراقية. وشيئا فشيئا بدأت العافية تعود لأعمالنا، ومن لم يلتحق مبكرا التحق بعد حين. وكان استمرارنا بالعمل لا يخلو من عمليات سطو مسلح والاستيلاء على مولداتنا وتناكرنا،،،الخ وجميع هذه السرقات تتم من بعض المحليين، لأننا ببساطة كنا نشاهد معداتنا تعمل في منطقة الرطبة، القائم وغيرها. ولتعويض عن فقدانها، قمنا بأشراك المقاولين المحليين، ازداد معه تواجدي مع كل نشاط منجمي يتطلب إعداد عقد عمل وملاحظة الإنجاز ووقت التنفيذ. و أثناءها حصلت لي واقعة في عودتي لبغداد/2005،وتحديدا قرب الفلوجة، وبسبب إغلاق الطريق الدولي، ما اضطرنا السير في طريق الكرمة، وعند دخولنا المدينة رأينا مسلحين منتشرين في الطرقات والبيوت والشوارع. استوقفنا احدهم مرابط على الطريق، ويضع غطاء على راْسه ووجهه، لا نشاهد منه سوى عينيه، أبتدأناب السؤال عن هواياتنا وماهية عملنا، ومن اين والى اين ذاهبين؟؟ وكان يراقب ملامحي بدقة، اثناء إجابتي، لم ارتبك، وأجبته بالصحيح، بعدها فتش السيارة، وسألنا عن الصخور، والتقارير المكتوبة بالإنكليزي، هل تشتغلون مع الامريكان؟ كلا نحن قطاع حكومي، نقوم بتجهيز معامل السمنت، والحراريات بالمواد الأولية لصناعتها. قصفنا الامريكان في ال1991,2003 وشجع عل نهب مواقعنا. ومن دون تعقيب، أشار لنا بالحركة، مع مواكبته لنا، لاجتياز سيطرات أمامنا، حتى وصولنا الى نقطة قريبة من مغادرة الكرمة، وانشغل بالحديث، مع شخص ظهر فجأة ،رجع إلينا وطلب تريثنا بالمغادرة بسبب انفضاض مواجهة مع الامريكان، قبل فترة قصيرة. بادرته بالسؤال عن مستقبل الحرب مع الامريكان؟؟اجاب بأن ليس لديه طموحات واحلام في المواجهة معها. امريكا ام الاحتكارات والهيمنة الدولية ، ولا تتردد في سبيل مصالحها من حرق امّم بكاملها، ولا تغير من امرها الا بمعجزة، انها إلهة العبودية المعاصرة. وقبل ان نقرر المواجهة سألنا انفسنا هل نريد الموت باختيارنا ام الموت بذلة؟ فاخترنا المواجهة. وانا اقلب نقاط القوة والحكمة في إجابته، أشار لنا بالمغادرة. استلمنا الشارع وغادرنا المدينة مع ملاحظة سيارة امريكية كبيرة تشتعل، وقذائف مرمية بالشارع، قطعنا مسافة حتى بلوغنا سجن أبوغريب، تذكرت زيارات أقاربي المسجونين فيه، وكيف تبدل مشهده الان ليصبح سماءنا الممتدة على ارضنا. يتبع.