الشخصية العراقية والعنف.... وعيٌ ملتبس ! ( 1 )

العنف في العراق

يتناول البعضُ موضوعاتٍ مهمة ، بل وفي غاية الاهمية ، بقدر من الاستخفاف والعجالة لا تتناسب وخطورة ما يتناولون . ومن هذه الموضوعات ، مثلا ، التصدي لتوصيف الشخصية الوطنية او تحديد سماتها ، بكتاباتٍ سطحيةٍ يلقى فيها القول على عواهنه وتتأسس على مصادرات واحكام شخصية مسبّقة او انطباعات عن وقائع آنية او تجارب فردية ، ولا تراعي مقتضى ما يتطلبه مثل هذا الموضوع من دراية ودربة وتخصص وبحث واستبيان واحصاء ومقارنة للوصول لا الى نتائج حاسمة ونهائية بل الى محض خطوط عامة وحدوس ممكنة ومقاربات مفتوحة وقابلة للإغناء والتعديل والتطوير والحذف والاضافة . 
لقد تحفظ البعض من اساطين علم النفس ومدارسه على موضوعة تحديد سمات شخصية شعب من الشعوب او مجتمع من المجتمعات وقدروا ان ذلك يمكن فقط بالنسبة للأفراد لا المجتمعات التي يحكمها وضع آخر مختلف وهي منظومات مفتوحة ومتفاعلة باستمرار ، ناهيك عن ان مستويات الصراع والفعل او التأثير، فيها ، ابعد غورا ولا يمكن اخضاعها للتقنيات الممكنة بالنسبة للأفراد، وان جل ما يمكن الحديث عنه في هذا المقام هو اطار او تكوين ثقافي عام قد يميز هذا المجتمع عن مجتمعات اخرى يتأسس على عوامل متشابكة ومتفاعلة عديدة ولا تقع تحت حصر ، وان امكن فرز العوامل الرئيسة والاكبر أثرا منها ، كالبيئة الطبيعية والموقع الجغرافي والتاريخ والدين والاقتصاد وغيرها . 
ولم يدّع علمُ الاجتماعِ ولا حتى الانثروبولوجيا امكانية تحديد سمات او خصال شعب من الشعوب الاّ في اعم الاطر خشية الوقوع في فخ الانماط العنصرية او تجاهل ان المجتمعات نفسها ليست معطى ثابت وانما تخضع لسيرورات تاريخية ، خصوصا في العالم الحديث وخضوع المجتمعات لتأثيرات متبادلة وروابط متنامية حوّلتْ العالمَ الى قرية صغيرة بالفعل ، وجعلت من صراع الاجيال ، مثلا ، حقيقة يومية ملموسة حتى في المجتمعات التقليدية بحيث بات الحديث عن استقرار نمط او سمة متوارثة ضربا من المغامرة .
ان مناسبة هذا الحديث وهذه المقدمات هو ما ينشر اليوم ، وما نشر قبل ذلك ، من كتابات متسرعة بصدد " سمة العنف الملازمة للشخصية العراقية " وتحري ما تستهدفه وتسعى اليه في الجوهر !! 
************
لا يمكن عَدّ القول بأن العنفَ سمة ٌمن سمات الشخصية العراقية الاّ من ضمن الاغاليط الشائعة في تناول الشأن العراقي . . انها مصادرةٌ على المطلوب تفتقر الى الدعم والبرهان ، يحذو معظم من روّج لها حذو كتابات سابقة ويتبّع احكام مسبقة ، دون كبير اهتمام بآليات ومناهج المبحث الاجتماعي او السيكولوجي او حتى المنطقي ، فيما يخص تأكيد سمة او ميزة لمجموعة بشرية وما يقتضيه ذلك من الفحص والتدقيق والبرهنة عبر تواتر موثّق يعتمد السجلات الجرمية او القضائية او الدراسات السلوكية والمباحث والاستبيانات الانثروبولوجية ، مثلا . اذا كنا بصدد تأكيد ميزة او سمة اجتماعية . او الدراسات النفسية المتعلقة بالفرد العراقي وطبيعة تكوينه السايكولوجي ان كان الحكم بذلك يتعلق بسمة سايكولوجية . او البرهنة وفق قواعد المنطق ومقتضيات الحجّية والدلالة ان تعلق الامر بمنطق . 
لقد عرف الناس الكثير من المصادرات الشائعة المشابهة والمضلله ، في الصحافة الشعبية والمستوى العامي من المعرفة ، تداولها الناس في عصر الاعلام الجماهيري وتعميم وسائط نقل المعلومة ، وفق آليات قريبة من اليات العقل الجمعي ودون إعمالٍ للحس النقدي . فقد شاع في الصحافة الشعبوية الغربية ،مثلا ، منذ بدايات القرن الماضي ، وهو امر ورثته وتأثرت به الصحافة العربية التي اتخذت من الصحافة الغربية نبراسا وقدوة ، تعميم صفات ومزايا للشعوب وفقا لانطباعات كاتب او تعميما لسمات شخصية كبيره او تاريخية من ذلك الشعب ، او استنادا الى وقائع معزولة هنا او هناك : فالإنكليزي بارد ، او من وجهة نظر اخرى جنتلمان ولدى ثالثة حصيف ودقيق . والفرنسي رقيق ورومانسي . والايطالي متحرش وعربيد . والاسباني زير نساء . والالماني عميق فكر وذو نظر . والروسي دب جلف والامريكي حرٌ و متحرر لدى البعض او اناني وجشع لدى آخرين و... الخ من هذا الهراء الذي تحفل به المجلات والصحافة والكتابات وربما تستند اليه حتى سيناريوهات بعض الاعمال السينمائية الاكثر جهلا وعامية لكنها الاقل علمية والابعد عن اي نتائج محكمّة او وثوقية يعتد بها . في حين خلطت الثقافة الشعبويه والاعلام العربي الاكثر سوقية ، هذه الخلاصات الوافدة ، دون تمحيص او مناقشة ، بما توفر لها من موروث وتعميمات من العصور السابقة حيث كان يمكن لرأي او حكم كاتب مشهور او بيت شعر يتصف ببعض الحكمة والدراية ان يصبح تعميما ويلقى قبولا وتسليما من قبل الاوساط المحدودة ذات الصلة بالكتاب والمعرفة ، يومذاك ، ولنتلقاه نحن بعد قرون ، عبر مدرسة التراث التقليدية كمعرفة مكينة او نتيجة لا يرقى اليها شك ، كقول الجاحظ ، مثلا ، بكون العراقيين اهل نظر وفطنة ، او وصف المقريزي للمصريين بكونهم اهل خوف وجبن وقنوط ، او التسليم بأن الشوام ، كما وصفهم الحجاج بن يوسف : ما قاموا لنصرة رجل الا تركوه والتاج على راسه وما قاموا على رجل الا وقطعوا راسه . او ذم العراقيين بكونهم اهل شقاق ونفاق الخ ، استنادا ، ربما الى انطباع شخصي او مصلحة وموقف سياسي كما هو شأن الحجاج ، ان صح ما نسب اليه .. ، او بيت المتنبي بشان السود في هجاءه لكافور الاخشيدي الذين ينبغي ان لا يشترون الاّ والعصّي معهم لأنهم انجاسٌ ومناكيد او غير الجاحظ والمتنبي والحجاج من شعراء وادباء وولاة او حكام . يضاف الى هذا ، ويبدو ذا ثقل مؤثر ، تعميمات ذات غايات واغراض عنصرية او متعالية او عدائية مما حفلت به كتب الرحلات وكتابات المستشرقين تخص الشعوب والمجموعات البشرية وتتصف بالشخصانية والتسرع والاعتماد على الملاحظات الفردية والوقائع غير المتواترة احيانا. ان خلت من التعالي ومركزية الذات الاوروبية او الدسائس والتبريرات التي تسوغ استعباد الشعوب واستثمار ثرواتها او مصادرتها . فآراء او قل أحكام لورنس ، مثلا ، بصدد العرب والترك ، متأثرة بالغ التأثر بتجربته الشخصية ، ففي الوقت الذي كان يكيل فيه المديح للعرب الذين ناصروه في امره ويضفي عليهم سمات رومانسية ،يحط من قدر الترك ويوحي بسمات سلبية تتصف بها الشخصية التركية بسبب ان الاتراك قد عادوه وتمكنوا منه واذاقوه الهزيمة ، مادية ومعنوية ، هنا او هناك . رغم ما تواتر لدى غيره من الغربيين من وصف مغاير للعرب والترك . وقل مثل هذا الامر عن العديد من كتب الرحالة والمستشرقين التي لا يمكن لها ان تتجرد عن تأثيرات الهوى والمصلحة .
وللحديث صلة ......