كيف ولماذا هزمنا امام صدام حسين؟ (25) ـ نكوص مريع عن الماركسية والعقل العراقي ـ ب ـ

من غير المتعارف عليه، او الممكن تصوره في الأوساط التي تنتمي للحداثة، والحداثة الايديلوجية الفرعية المستعارة، تخيل إمكانية، او احتمال ان تكون أفكار الحداثة بذاتها وفي اصلها، مضادة للوطنية وفي تعارض معها، ومدمرة لها، هذا ناهيك عن تقبل فرضية كونها بالاصل قوة "استعمارية"، لابل مضادة للوطنية، مهمتها قتلها وتعطيل وتدمير الياتها لصالح نظام الغرب بمضمونه الاستغلالي المعاكس لمسار التاريخ ولا حتمالاته، كيف يجوز لك ان تقول اليوم: ان الشيوعية المستعارة، ليست "وطنية"، بينما من ينتسبون للطبعة السائدة منها، يواصلون كل يوم تسبيحهم باسم"الشهداء وضخامة التضحيات"، فيسرقون تضحيات الشعب، وينسبونها لانفسهم ولحزبهم، ويصرون على كونهم قد انهوا عمرهم، يناضلون ويعملون على إيصال العراق الى الحرية، والى العدالة. 
يحتاج من يرفع اليوم راية استعادة الوطنية العراقية من براثن التحديثية الزائفة الاستعمارية، بينما هو يؤسس للرؤية الوطنية، ويسعى لبعثها بعد تخليصها من وطاة وثقل لحظة استغلال تأخر تبلورها في الثلاثينات، يحتاج الى اكثر بكثير من مجرد نزوع ملتبس للتحرر من وطاة الحداثية الغربية، وكلياتها التي يجري منذ السبعينات تقريبا، التمرد عليها داخل الغرب نفسه، مع تنامي نزعات وأفكار "مابعد الحداثة"، ذلك ان الاضطراب اللايقيني للتيار المتاخر في الفكر الغربي منذ المؤرخ البريطاني توينبي في الخمسينات، يمكن ان تستعمل كدلاله على تخلخل مفهوم الغرب الحداثي المستعمر للتاريخ ولآلياته، بقدر مايمكن ان تدل على شكل من اشكال إشاعة اللاوثوقية، والتفكك والتشتت، لدرجة تسويق راسمالية الاعلام والصورة مابعد الحداثية، الا انها تصلح من الناحية المعرفية، وتاريخ الأفكار، باتصالها بحركة التاريخ وتحورات الظواهر، واولها الراسمالية، بالاخص مابعد الفوردية الكنزية، لالقاء الضوء على مدى تكلس، لابل تحجر الايديلوجيين العراقيين والعرب، إزاء بنية ومنظومة معرفية ورؤية للعالم، مكرسة لوحدانية النمط الحضاري الغربي كممكن انساني، أي للهيمنة الحضارية قبل الاقتصادية والعسكرية، وبالتداخل معها.
وبما خص العراق بالذات، فان الامر يتخذ على هذا الصعيد منحى شديد الوضوح، وهو ممرحل ومتتابع، ولحظة الانقلاب نحو الايديلوجيا بارزة السمات، وهي مذكورة على يد مؤسسيها بافتخار يناسب توهماتهم، ففي مجرى الصراع بين البنية التاريخية الوطنية، والحضور الاستعماري المباشر، مع بداية القرن العشرين بين 1917/1920 ، وانفجار ثورة مجتمع اللادولة الأسفل ضد الوافد النقيض، واجباره على تغيير وسائل سيطرته ( الهندية" واستبدالها ببداية الشكل الجديد من اشكال "الاستعمار الجديد ") او ما اطلق عليه المستعمرون الإنكليز وقتها "الحكم من وراء ستار"، الحت قضية بلورة الرؤية الوطنية بالصيغة المناسبة للحظة، مع إقامة نوع من الدول تتخذ مظاهر "الحداثة " من خارج النصاب الاجتماعي، وضمن عملية تجديد وإعادة انتاج للدولة القاهرة من اعلى، بظل الهيمنه الاستعمارية الغربية العالمية، على انقاض النفوذ التقليدي التركي العثماني.
وكانت اللوحة قد تداخلت وقتها لتزدحم بالعناصر، المتراجع الافل منها، والصاعد، الموضوع في الإختبار، والايل لمغادرة المشهد، فالقيادة التي اضطلعت بتحفيز وتوجيه ثورة 1920كانت قد فقدت بعيد الثورة مباشرة، موقعها القيادي الوطني، اذ افلح الاحتلال بخطوته الاستدراكية واقامته "الدولة الحديثة" على وفق قانون الدولتين والمجتمعين اللذين يتشكل منهما كيان العراق على مر التاريخ، باستبداله الحكم العثماني بنخبة من أبناء الاعيان المدينيين العراقيين العاملين في الادارات والجيش العثماني من العسكريين، ومنحهما صفته الحداثية المركزية الوافدة المستحدثة، وتعزيز مكانتهما بمظهري "الوطنية / المحلية"، والحداثية العالمية الطاغية المستجدة، حاصرالقيادة الدينية التجديدية، قائدة ثورة العشرين، ونزع من يدها جوهر تبريرها وخطابها، لتغدو من يومها بموقع القوة الرجعية المضادة للتمدن وللدولة الوطنية المركزية، مااضطرها للانكماش والعزلة، الامر الذي طبع سلوكها ومواقفها خلال عقد العشرينات. 
في حين لم تنفع وقتها محاولات تحديث الوطنية العراقية ايديلوجيا، واصطدمت باستحالات تكوينية، عائدة الى بنية البلاد الامبراكونية، مافوق الوطنية التقليدية، فمحاولة "جعفر أبو التمن " التشبه بحزب "الوفد المصري"، او "المؤتمر الهندي"، اصطدمت باستحالة خارجه عن وعية والوعي العام المتشكل في حينه بإزاء قوة زخم الحركة الشعبية المتصاعدة من اسفل، مع احتدام الصراع الى الحدود القصوى، بين "مجتمع اللادولة"، والاحتلال ومعه جهاز "الدولة القاهرة" المحلي الذي أقامه بالاخص، على قاعدة وهدف تخريب العلاقات الإنتاجية التاريخية المشاعية، وتحويلها بالقوة الى علاقات اقطاعية مفتعلة، بالسرقة العلنية المدعومه بقوة الاحتلال والدولة التابعة له، ماقد وفر مناخا استثنائيا لبروز قوى، تصدت مستعينة بالمتغيرات العالمية الناشئة عن التوازنات المتولدة عن ظهور ماعرف بالمعسكر الاشتراكي ( براينا هو معسكر القوى الشرقية السائرة نحو الراسمالية بناء لشروطها الخاصة، واولها تخلف برجوازيتها بالمقارنة بالاوربية الغربية، والحاحية لحظة تحولها التاريخي) فاحتلت موقع الصدارة بعد خلل عملية ابتسار ايديلوجي، لم يأخذ من "الماركسية" مااخذته روسيا والصين، وعجزت كليا مثلها مثل تيار "أبو التمن" وحزبه "الوطني"قبلها، عن مقاربة شروط البنية التاريخية، وتكوين البلاد التاريخي، فلجأت الى الابتسار، وتجرات على إحلال عراق متخيل محل عراق غير قابل للاستيعاء، فكان ذلك ابرز تناقضات تجلي الغرب وحداثته، ضمن كيان امبراكوني تاريخي، مميز بنويويا وحضاريا.
قرر هؤلاء الخارجون من تحت عباءة "جعفر أبو التمن" حاملو الراية المفبركة عن "ضعف البرجوازية العراقية" لاضعفهم هم الوطني والنظري، ان العراق هو عراق الساعة واللحظة، وان تاريخيه ووجوده يبدا اليوم، بعد مايسمونه "الثورة الوطنية العامة عام 1920"، وللاسم هنا دلالة مستعارة من خارج الحدث والواقع، لاعراق قبل عام 1920 وقيام الدولة المركبة ضد "مجتمع اللادولة"، وبغاية سحقه، لاعراق منذ بدء التشكل الوطني الحديث منذ ظهور الاتحادات القبلية الأولى في القرن السابع عشر، ولا بحقبات التشكل الوطني، الأولى القبلية ،والثانية الدينية التجديده، ولا بمايميزهما كعتبتين على طريق تشكل مجتمع امبراكوني مركب ومزدوج البنية، محكوم لصراع مجتمعي، ولانشطار بنيوي عمودي، يقابل انشطار المجتمع الطبقي الأوربي الافقي، ناهيك عن خضوع العراق ضمن التفاعلية الحضارية الاوسع، لاليات الانقطاعات والدورات الحضارية، الاولى السومرية البابلية، والثانية العربية الإسلامية العراقية الإمبراطورية، وصولا الى الدورة الحالية الثالثة، مع ماتتميز به عن سابقاتها من مواجهتها صعود الغرب وثورته الصناعية، ومفهومه عن نفسه والعالم، مجسدا في منظومة فكرة "الحداثة". 
يمكننا لابل يتوجب علينا ان نتصور في مثل هذه الحالة، مقدار مايمكن ان يحصل من تفريط بالحقيقة، وتجن عليها، ومجانبتها ذهنيا وتفكريا، مع ادعاء العكس، والاعتقاد بالصوابية، الامر الذي يوجه النظر لاحكام الواقع والتاريخ، وقوة مفعولها المتعدي لارادة الافراد والجماعات أحيانا، فالنكوص المزدوج للحداثية العراقية المستعارة في الثلاثينات، جدير بالتنويه والمتابعة لانه لايخلو من خصوصية كونية، مصدرها تجليات بنية كيانية ومعرفية فوق غربية ( تتجلى هذه / أي الاوربية/ في ارفع حالاتها، وطنيا وقوميا في "الدولة الامة"، وهذا تجل ادنى من ذلك الذي يتولد عن صيرورة الامبراكونيا) فسقوط تيار "فهد"، ومن جاء بعده، هو عجز ونكوص على جبهتي التحول، الراسمالي المتاخر على طريقة لنين وماوتسي تونغ "الاشتراكية" البراغماتية، وهي الإمكان الوحيد المتاح لتحقق الماركسية، كما على صعيد الوطنية العراقية، وبالذات التناغم مع آلياتها ممثلة في صراع الاطار الأسفل الامبراكوني "مجتمع اللادولة"، مع الاطار الأعلى البراني بشكله المستجد الغربي الراسمالي، المتكيء على ثورة تاريخية تقنية طبقية مجتمعية، نقلت اشكال العمل، من اليدوي الى الالي، واخرجت الانسان من ربقة المفهوم والتصورات الدينية، الى "الحداثية". وبما ان التيار الايديلوجي وبالأخص الشيوعي منه، الأقرب في الملامح العامة من "مجتمع اللادولة "، لم يصبح في اللحظة المقصودة في الثلاثينات، وطنيا امبراكونيا، وهو ماكان متعذرا عليه كليا، ويتجاوز قدراته بسنين ضوئية، بما انه يقع في باب " مالايمكن افتكاره"، هذا بجانب نكوصه دون الالتحاق بمعسكر الانتقال للراسمالية "اشتراكيا"، على وفق الطبعة اللينينة، ليبقى بناء عليه ليس اكثر من ملمح تاريخي عاجز، بلا هوية، ولا دور يذكر على المستويين، مما ساعد في اخذه في الحصيلة نحو مايعاكس تصوره عن نفسه، واعتقاده تاريخيا، فانحاز اخيرا ،للبنية القاهرة ضمن الامبراكونيا، واندرج ضمن الاطار الأعلى القاهر، ليعمل كجزء منه، ضد "الوطنية الامبراكونيا" وسيرورات تشكلها المستقبلي الكوني.