الإرهاب الأحمر وتهافت البروباغندا [2/1]: حملات التطهير

ستالين

في عام 1996 كتب المؤرخ البريطاني الماركسي المرموق أريك هوبزباوم عن أن ادعاءات البروباغندست البريطاني روبرت كونكويست المتعلقة بما أسماه الإرهاب الأحمر انتفت صلاحيتها وعفا عليها الزمن، وبخاصة بعد أن تم فتح أرشيف الاتحاد السوفياتي أمام الباحثين (1).

ولكن هوبزباوم وغيره من المؤرخين الغربيين أخفقوا إلى حد كبير في الاستفادة مما وفره لهم هذا الأرشيف، فلا الأخير ولا كونكويست سعيا إلى إجراء مراجعة حقيقية له، ولعل جهل هوبزباوم بالروسية (سأفترض أنه لا يتقنها) هو ما أعاقه عن فعل ذلك.
ما سنطرحه في هذا المقال مسائل محددة، وهي معالجة فكرة «توتاليتارية» الدولة السوفياتية في الحقبة الستالينية الأولى بين 1928 / 1939، نظرية التطهير وكيف تفهم وفق دراسة التي اعتمدناها باعتبارها الأولى من نوعها. ومسألة ديمقراطية الحزب الشيوعي السوفياتي (داخلياً) ومعالجة لتفاصيل أخرى. وهنا نستميح القارئ العذر مقدماً للغوص بالتفاصيل المملة أحياناً وذلك لإثبات وتوضيح هذه النقاط.

أرشيف سمولنسك بيد الأميركيين

مع بدء عملية «برباروسا» في حزيران 1941 اجتاحت القوات الألمانية أراضي الاتحاد السوفياتي. وأخذت المدن السوفياتية تتساقط الواحدة تلو الأخرى بمقاومة أو من دونها. وكان من عادة أعضاء الحزب الشيوعي السوفياتي أن يحرقوا كل سجلات الحزب فور انسحابهم حتى لا يطّلع عليها الأعداء. ولم ينجُ من كامل سجلات غرب الاتحاد السوفياتي سوى أرشيف فرع الحزب الشيوعي لمدينة سمولنسك، التي وقعت بيد الألمان فنقلوها معهم إلى غرب ألمانيا. وعادت السجلات في وقت لاحق لتقع بيد غاز آخر هو القوات الأميركية عام 1945 لدى احتلالها ألمانيا والتي نقلتها بدورها إلى بلادها البعيدة.
باستثناءات قليلة كدراسة Merle Fainsod عام 1958 المعنونة بـ«سمولنسك تحت الحكم السوفياتي» فإن الأميركيين وللغرابة لم يولوا اهتماماً لهذه السجلات ولو من باب فهم خصمهم الشيوعي. ومنذ دراسة «فينسود» المذكورة بقيت التجربة السوفياتية عرضة لأهواء الصحافيين والكتاب والمؤدلجين وحملات «السي آي ايه» حتى ظهرت أول محاولة جدية لفهم طبيعة الحكم السوفياتي وذلك عام 1985 بواسطة المؤرخ J Arch Getty. والذي يعتبر عمله البداية الأولى للدراسات الجادة والمنصفة حول الستالينية «كحكم ونظام حضاري» كما وصفها مؤرخ أميركي آخر هو ستيفن كوتكن والذين وبطبيعة الحال لم يفلحوا في إضعاف حملات التشويه التي شنّها الغرب بلا توقف منذ 1945 حتى 1991.
أما بالنسبة إلى مقالنا الحالي فسينقسم إلى ثلاثة محاور، يكون الأول فيهما لمراجعة فكرة توتاليتارية الاتحاد السوفياتي وفكرة «تطهير الحزب». بينما سيُخصص الثاني للحديث عن صراعات الكتل الحزبية والثالث عن البيرقراطية والثقافة الحزبية وحملة 1937 في الاتحاد السوفياتي.
يعدّ أرشيف سمولنسك واحداً من أهم الأرشيفات السوفياتية التي وقعت بيد الغرب. فالأرشيف يحتوي على سجلات القطاع الغربي السوفياتي من 1917 وحتى 1939 وعلى كل المراسلات من مستوى الإقليم، فمحافظات، فمدن، وصولاً إلى الخلية خلال هذه الفترة. وقُسّم الأرشيف إلى ثلاث دوائر، الأولى تتضمن ملفات الأعضاء (أعضاء الحزب الشيوعي)، أما الثانية فتحتوي على محاضر اجتماعات الأعضاء (من كل المستويات)، والأخيرة هي تلك المتعلقة بالمراسلات بين موسكو والأقاليم، القرارات المركزية، والوثائق الإدارية الأخرى.
ويفترض بكل من سيتعرض لمرحلة قاسية وطويلة كالتجربة الستالينية أن يتجنب الشهادات الشخصية التي كان يرى «جيتي» بأنها تعرض للحرارة لا للضوء. فعند التحقيق التاريخي لا يمكن الاعتماد فقط على الوثائق والشهادات الشخصية في كتابة التاريخ، حيث يقول مؤرخ الثورة الفرنسية لويس غوتشالك إنّ معظم هذه الشهادات كتبها أناس بفترات متأخرة من عمرهم لجمهور ذي مزاج معاد وميال لتصديق مثل هذه القصص والحكايات. كما أن مؤرخ الحرب العالمية الأولى بول فوسيل رأى بأن الشهادات الشخصية تندرج ضمن الأدب الخيالي، ولكنها تختلف عن «الرواية الأولى» بأنها تفارق الحقيقة كلما ابتعدت عن التفاصيل اليومية، لصالح وصف الأحداث التاريخية التي ستكون مشبعة بالفنتازيا والرموز.

النظرة من الريف حول التوليتارية

يجادل «جيتي» بأنه من الصعب على الاتحاد السوفياتي أن يكون توتاليتارياً أو شمولياً في الثلاثينيات حين كان لا يزال مجتمعاً زراعياً بدائياً ومتخلفاً، وهذه ليست من سمات الدول الحديثة. فلقد كان قرابة الـ67% من أبناء الاتحاد السوفياتي يعيشون في الريف، لا تصلهم قرارات الحزب وخططه بيسر وسهولة، كما كان الحزبيون الشيوعيون وقتها أقلية صغيرة في تلك المناطق. فالشمولية نظام هيمنة واختراق حديث ومتقدم، مرتبط بصعود «المجتمع الصناعي» والذي وبسبب تقدمه وتطوره التكنولوجي يتيح سرعة نقل الأوامر من أعلى إلى الأسفل، ومن المركز إلى الأطراف، وإحكام الرقابة على الأفراد ومخاطبتهم وعزلهم وفرض التشظي عليهم. وهذا كله لم يكن موجوداً في الاتحاد السوفياتي (1917 - 1939) أي قبل الحرب العالمية الثانية. فهذه البلاد الغنية بالموارد والمترامية الأطراف، لم تكن سوى مجتمع ريفي زراعي، ولم تكن لدى ستالين البيروقراطية المدربة والفعالة والكفوءة التي ستسمح له بفرض نظام دولة بوليسية على الناس وقهرهم على الشبهة، وليبني بعدها بلداً اشتراكياً أو شمولياً وبعنف منظم وبالشكل الفظيع كما صوره أعداؤه (سنناقش في مقال مختلف مسألة المزارع الجماعية).


يعدّ أرشيف
سمولنسك واحداً من أهم الأرشيفات السوفياتية التي وقعت بيد الغرب


ولتوضيح ذلك أكثر سنأخذ عينة من سمولنسك ولكن قبل ذلك ينبغي الإشارة إلى أن الأوضاع في الاتحاد السوفياتي كانت أقرب إلى سمولنسك منها إلى موسكو، أقله إلى أن تتوافر لدينا المزيد من المواد الأرشيفية. فأمامنا هنا إقليم يعيش 78% من سكانه في الريف كمزارعين بعيداً عن أي تأثير فعال ومباشر للحزب سواء كان ذلك عبر تعاونيات زراعية أو غيرها من وسائط الاتصال بين الحزب والجمهور. فقد بلغ التعداد السكاني لسمولنسك التي هي عاصمة القطاع الغربي بين 1929 و1937 حوالى 6.5 مليون، والمدينة التي تقع على بعد 420 كلم عن موسكو تتصل حدودياً بكل من مقاطعات موسكو وليننغراد (شرقاً وشمالاً) وبيلاروسيا وأوكرانيا (جنوباً وغرباً) ولاتفيا (في الشمال الغربي). غالبية أهالي الإقليم كانت تمتهن الزراعة في إطار الـ14 ألف تعاونية زراعية التي كانت قائمة في حينه، بينما لم يعش في المدينة سوى 12% عام 1931، و8% عام 1925، ليرتفع الرقم إلى 17% عام 1939 (Getty:1985, p27). شكّل أعضاء الحزب الشيوعي قرابة 89566 عام 1932 و42000 عام 1936 (Getty:1985, p29).
يمكن القول بأن الطابع الأعم للحزب الشيوعي كان مدينياً وأنّ حضوره وقوته الشعبية كانت متواضعة في الريف، ففي مقاطعة «بليي» (Belyi) الريفية لم يشكل الشيوعيون سوى 0.33% من السكان، أي 355 عضواً من مجموع السكان البالغ 91 ألف نسمة. في كل المقاطعة لم يكن هناك سوى 144 عضواً يعيشون في مزارع المقاطعة التعاونية الـ260، أي كان هناك عضو واحد أو اثنان لكل مزرعة. وفي كل المقاطعة لم يكن هناك سوى 7 خلايا حزبية، انخفضت إلى 4 خلايا عام 1936، بينما لم تكن خلايا الحزب تتجاوز الـ 21 خلية لكل المحافظة، 4 في الريف و17 في مدينة بليي (Getty: 1985, p30).
أيضاً فقد كان المستوى الثقافي والتعليمي لشيوعيي «بليي» متدنياً بالنظر إلى حداثة تجربتهم الحزبية، والى أنّ عمر الغالبية فيهم دون الـ40 عاماً، ولا بدّ أن ذلك أثّر سلباً في مستوى القيادة والقدرة على التأثير وكسب الاحترام في محيطهم المحافظ. وبالتالي يمكننا الاستنتاج من حالة «بليي» أن فكرة قيام النظام السوفياتي الشمولي باختراق الريف وتفكيكه لم تكن واردة أو ممكنة التحقيق، فلم يكن الشيوعيون قادرين على إنجاز اختراق كهذا أو تدشين نظام مراقبة وتحكم وتأطير حزبي فعال فيه. لا بل لم يكن الشيوعيون حتى ذلك الوقت وهو عصر «التطهير الكبير» كما عرف في الأدبيات المعادية للاتحاد السوفياتي بقادرين على حماية أعضاء حزبهم في الأرياف من الخطف والقتل، وحرق المزارع وسرقة المواشي حتى عام 1935. فالريف السوفياتي في تلك الفترة كان شبيهاً إلى حد ما بالغرب الأميركي أو حتى شمال العراق وغربه قبل دخول «الحشد» إليه. أرض خطرة، ومرتع للجريمة والتمرد، لم تصلها بعد يد الدولة، وتجوبها عصابات قطاع الطرق وغيرهم من المجرمين والمطلوبين الجنائيين. وكما يبدو في السجلات، أن كبار المزارعين (للكولاك) قد استطاعوا أن يحفظوا لأنفسهم بقايا هيبة ونفوذ في مناطقهم الريفية، وهم من يفترض وبحسب السردية الدارجة أن «الإرهاب الستاليني» كان قد قضى عليهم. غير أن الحقيقة هي أنهم ظلوا حتى عام 1935 على الأقل، مسؤولين وغيرهم عن قيادة بعض هذه العصابات، فاستهدفوا خطف وذبح «الكومسومول» أي الشبيبة اللينينية في الريف من دون أي رادع (Getty: 1985, p30-32).
كما أن وسائل الاتصال لم تكن حديثة ومضمونة فعلى سبيل المثال وفي عام 1937 وهو عام ما عرف بـ«الإرهاب الأحمر»، تعطل هاتف اللجنة المحلية للحزب في المحافظة لشهرين، ولم يكن مكتب الفني المسؤول عن إصلاحه وصيانته يبعد سوى عشر خطوات عن المقر ولكن لم يمتلك أحد في الحزب سلطة عليه!
وهو أمر شديد الغرابة في نظام يفترض أنه متهم بالتوليتارية والقوة والنفوذ والبطش والإرهاب! لذا كان على النظام في الثلاثينيات أن يعتمد على نقل الرسائل على ظهور الخيل لتصل إلى منظماته الحزبية في الريف، كما أن أعضاءه كانوا يتنقلون في الريف على الدراجات الهوائية برغم قسوة الأجواء المثلجة كما يصفها «جيتي». لذلك يمكن القول إن الاتحاد السوفياتي عانى مما يشبه الصراع بين المركز والأطراف وهي المعضلة التي عرفت في الإرث الإداري السوفياتي بين عام 1933-1939 بـ«المسألة التنظيمية». فكانت القرارات لا تصل بين العاصمة وأصغر جسم تنظيمي في الحزب وهي الخلية في تلك الحقبة، وإن وصلت لا يجري تنفيذها كما يجب وكانت عيون السلطة عمياء عما يدور خارج المدن معظم الوقت.
وهو ما اشتكى منه أعضاء اللجنة المركزية باستمرار وذلك لأسباب بنيوية كما رأينا في حالة مدينة «بليي» ومنها أيضاً قلة عدد البلاشفة في الريف. فعلى المستوى الوطني لم تكن نسبة الشيوعيين الحزبيين في الريف - حيت عاش أغلب السكان (67% من السكان) كما أسلفنا - سوى 0.3% أما في غرب البلاد فلم يشكل البلاشفة الحزبيون سوى 1-2% من أهل الريف (Getty: 1985, p30).

 

فوضى التطهير الستاليني

يقول «جيتي» إنّ طلاب العلوم السياسية الغربيين كانوا دائماً يعانون مشكلة فهم معنى «تطهير» أو (purge) بالإنكليزية. فـ«تطهير» هنا تضع كل أشكال الإقصاء الإداري والسياسي بسلة واحدة، من المحاكمات السياسية، لإرهاب البوليس السياسي، لطرد الأعضاء لأسباب أخلاقية أو إدارية. وهو بالمناسبة ذات الخطأ الذي ارتكبه المستشرقون مع الدولة العثمانية حين عولجت مسألة «السورغون» النقل والتهجير وصنفت كتطهير إثني. أما في السجلات السوفياتية فلم تستعمل ولا مرة كما يقول «جيتيط كلمة (chiska) أي كنس أو تنقية أو تطهير لوصف المحاكمات السياسية ومعاقبة المعارضين. ولنفهم طبيعة الأحزاب اليسارية المعارضة للنظام القيصري قبل الثورة علينا العودة لتفسير لينين للحزب. فالحزب عند لينين وبالعودة لكتاباته عام 1902 يشير إلى أن قبول أي عضو في صفوف «البلاشفة» يحتّم عليه أولاً المشاركة بالعمل الحزبي، وأن يكون منضبطاً وصارماً في تنفيذه للأوامر، وممارسته لمهامه بسرية بين منظمات العمال، وهو الذي جعل لينين شديد الحذر والحساسية في قبول الأفراد في صفوف حزبه. وكان التطهير بمعنى (chiska) أي العزل أو الفصل من الحزب شائعاً لدى كل أحزاب اليسار وغيرها. وللعلم كان «المناشفة» وقتها يدرجون في عضويتهم الحزبية من تبرع بماله، أو وافق على برنامجهم وصوت له ويرون هذه الأمور كفيلة بأن تجعل الشخص المعني «منشفياً» أو اشتراكياً ديمقراطياً.


يجادل «جيتي» بأن
من الصعب على الاتحاد السوفياتي أن يكون شمولياً في الثلاثينيات

 

ولكن بعد ثورة اكتوبر تضاعف عدد البلاشفة 20 مرة فقفز الرقم بين 1917-1921 لـ576,000 عضو وهو رقم كبير لحزب ناشئ قد وصل لتوه إلى السلطة. ولكن مرور الاتحاد السوفياتي بثلاث محطات كبيرة في تاريخه، غيّر شكل شروط العضوية. ففي المرحلة الأولى فتحت أبواب الحزب لكل من هبّ ودبّ للانخراط في صفوفه، وهو الأمر الذي شكت منه صحيفته الرسمية (برافدا) عام 1918. وهذه المحطات هي الحرب الأهلية (1917-1922)، والتجميع الاشتراكي الزراعي أو ما يسمى بالأدبيات الماركسية العربية «مزارع الملكية الجماعية» في فترة 1940/1928، وخطط التصنيع السريعة (1928-1938).
ومع اندلاع الحرب الأهلية شجعت اللجنة المركزية المواطنين على الالتحاق بالحزب وحينها لم تكن هناك إمكانية لفحص قوة ثقافة وولاء وحسن أخلاق الأعضاء فلقد كانت الأمة السوفياتية تعيش حالة تقرير مصير ولا يمكن أن تحل مشاكلها من دون فتح باب العضوية لأكبر عدد ممكن من الجماهير. غير أن انشغال القادة الحزبيين بإدارة المشاريع الصناعية والإدارية بشكل مباشر أضعف دورهم التعبوي والثقيفي والتدريبي وفقدوا السيطرة على الحزب بسبب تضخمه حيث انضم بين عامي 1929- 1931 قرابة 1.8 مليون عامل وفلاح. وقد وصف تقرير للجنة المركزية الأغلبية الساحقة لهؤلاء بالأميين سياسياً فهم من الأعضاء الجدد ممن لا يعرفون شيئاً عن الحزب وتاريخه ومبادئه. وهذا ما دفع سكرتير اللجنة المركزية أل ام كاغانوفيج (L. M. Kaganovich) في حينه لأن يلقي كلمة اشتكى فيها من مشاكل المنظمات الحزبية التنظيمية وعزا السبب في ذلك للسماح لأي كان بالحصول على عضوية الحزب بداعي خلق مجتمع ماركسي جديد وذلك تحديداً في فترة 1928/1932 . وعلينا أن لا ننسى أن «البلاشفة» ينتمون أيضاً إلى التراث الأوروبي الغربي الذي سعى لخلق «الإنسان الجديد»، وكانت الطريقة الوحيدة لعمل ذلك من وجهة نظر البلاشفة في بداية عهدهم بالحكم هي بفتح باب الحزب أمام كل الفلاحين والعمال. فالحزب كان يسعى «ليجرب، ويدرب ويثبت» الجماهير في صفوفه قبل أي شيء.
وهنا يقترح كغانوفيج «تطهير» الحزب من هؤلاء وإعادة تأهيل وتثقيف الباقين. وكان التعبير الذي استخدمه كغانوفيج هو مصطلح chiska وذلك في عام 1933 والهدف واضح وقتها، وهو زيادة فعالية الحزب وترشيقه (Getty: 1985, p21).
وهنا يذكر كغانوفيج أنه بين 1930 و1933 قفز عدد المدارس الحزبية المسؤولة عن إعداد وتثقيف الكادر الحزبي من 52 ألف مدرسة إلى 200 ألف، بينما ارتفع عدد الطلبة من مليون حزبي إلى 4.5 مليون. وتضاعفت أعداد المروجين (propagandists) لدى الحزب في عام 1933، خمسة مرات عما كان لديهم في عام 1928 شكل العمال حوالى 51% منهم مقابل 8% عام 1928.
كانت هذه عملية واعدة وضخمة ولكن ظلت الأمية السياسية مشكلة كبيرة بالنسبة إلى القيادة البلشفية في موسكو، فاشتكى ايان ردزوتاك (Ian Rudzutak) (رئيس مجلس مفوضية الإدارة المركزية) من حقيقة أنّ ما بين 32 -60% من الأعضاء لا يقرؤون الصحافة الحزبية. وألقى كغانوفيج باللوم على السكرتاريات المحلية لفروع الحزب لإهمالهم التثقيف الحزبي وجرى «تطهير» أو كنس بعض هذه القيادات المحلية خارج الحزب أو إزاحتهم عن مناصبهم القيادية حيث وصلت النسبة في بعض المناطق إلى 42% (Getty: 1985, p22).

كيف كان يتم التطهير

جرت أربع عمليات «تطهير» كبرى في الاتحاد السوفياتي وذلك عام 1919، 1929، 1933، 1934، و1935. وبعكس ما يشاع في الغرب لم تكن تجري بأجواء من الإرهاب والقمع. بل كان يعلن عنها في الصحف، وباستثناء عام 1919 فقد كان يشرف عليها في كل مرة جهاز منتخب من المؤتمر الحزبي العام ومنفصل عن سلطة اللجنة المركزية ويسمى الـTsKK. وعند حصول «التطهير» كان يؤتى بالعضو أمام مفوضية للحزب مكونة من ثلاث أعضاء كبار وممثل عن TsKK، ومسؤول العضو في الخلية أو الفرع ممن يعرفه شخصياً. وحين يتخذ القرار بـ«تطهير» العضو أي طرده من الحزب فإنه يصبح أمام خيارين، إما الاستئناف (وفي سجلات الحزب العديد من الحالات الناجحة)، أو الرضوخ للقرار المتخذ بحقه عبر إكمال حياته كمواطن خارج الحزب. إلا أن ما كان يحصل في الحقيقة هو أن غالبية قرارات الفصل التي اتخذت بحق من أدينوا بالتقصير في عملهم الحزبي والسكر والفساد وقضايا أخلاقية أو بيروقراطية أخرى، كان يتم الاحتيال عليها عبر قيام المفصولين بتزوير بطاقات عضويتهم وتغيير أماكن سكنهم أو أسمائهم ومن ثم العودة إلى صفوف الحزب. كما أن بعض هؤلاء كانوا يلجؤون لتنظيف سجلهم السابق عبر العمل في إحدى المنشآت الصناعية وتقديم أنفسهم من جديد كعمال، وإن حدث وكان لدى بعض هؤلاء حظ من الثقافة، فإن احتمالية صعودهم في الهرمية الحزبية لاستلام مراكز قيادية تصبح واردة، وذلك من دون علم اللجان المركزية حتى يتم كشف أمرهم، لتجري عملية إقصائهم مرة أخرى إلى خارج الحزب. لذلك فلقد جرى اكتشاف وإن بعد مدة طويلة أن 4/5 من الأعضاء الذين تم تطهيرهم (أو كنسهم) من الحزب عادوا وانضموا اليه تحت مسميات أو القاب مختلفة ولكن بمقاطعات جديدة (Getty: 1985, p34).
ومن الظواهر السلبية التي نشأت وتفشّت على نطاق واسع ما اصطلح على تسميته بـ«الأعضاء الفضائيين» على قوائم الحزب. ففي إحدى المحافظات اختفى 13% من هؤلاء الأعضاء من دون أن يتركوا أي أثر ولم يعرف عنهم شي يوماً وذلك في عام 1933. وبعدها بعام اكتشف أن هناك قرابة 50 ألف عضو «فضائي» في سجلات الحزب ولم يعرف عنهم ما إذا ماتوا أم أنهم لم يكونوا أصلاً موجودين، وبعدها بعام عاد هذا الرقم ليرتفع بشكل كبير من جديد. أما بالنسبة إلى مدينة كبيرة مثل لينينغراد فقد جرى اكتشاف أن قرابة نصف البطاقات الحزبية مزورة أو غير صالحة (Getty: 1985, p33).
(1) Hobsbawm, Eric (2011). On History. Hachette UK. p. Chapter 19
* كاتب عراقي

الأخبار