أوسكار 2017: بيان سياسي على هيئة جوائز

الحفل الأسوأ في تاريخ الأوسكار. حكم يمكن تبنّيه براحة ضمير، بعد الجرعة المزعجة من تسييس النتائج والشعارات الفارغة، ما حوّل مصنع الفن والـ «غلامور» إلى مؤتمر حزبيّ من الطراز الرديء. يُضاف لذلك أخطاء تنظيمية، لم تكن «فضيحة» إعلان اسم أفضل فيلم عنوانها الوحيد.

منذ البداية، بان المكتوب من عنوانه. راحت نبوءات التسييس الفاقع تتجاوز أعلى توقعاتها. تكرار النكات عن دونالد ترامب لم يعد مضحكاً. استفزاز الرجل بشتى الطرق صار مملاً. المفارقة أنّه بدا أكثر نضجاً وحكمةً من «ولدنة» منتقديه، ضمن صراع حداثوي بين الليبرالية التقليدية واليمين المتجدّد. ترامب بيّن بهدوء أنّ المحتفلين كانوا مشغولين بتناول السياسة، ما أدّى إلى الخطأ الكارثي في الختام. أوضح أنّ العنصرية مجرّد «ورقة» (ليست قضيّة فعليّة)، يرفعونها دائماً عندما يخسرون. أشهروها ضدّ رونالد ريغان وسواه في السابق. بقراءة بعض النتائج، خصوصاً فوز Moonlight «ضوء القمر» لباري جنكينز، لا يبدو وصفه مجافياً للواقع. خطأ آخر لم ينتبه له كثيرون، جلب شماتةً من ابنه دونالد ترامب جونيور. ضمن فيديو «في ذكرى» المكرّم للراحلين السينمائيين منذ الحفل الفائت، تمّ استخدام صورة المنتجة جان شابمان التي ما زالت حيّة تُرزَق، على أنّها مصمّمة الأزياء الراحلة جانيت باترسون. ترامب جونيور ضرب مغرّداً: «يبدو أنّ هوليوود لا تكترث حقاً للعاملين في الكواليس». رابط «ترامبي - أوسكاري» آخر: وزير الماليّة الأميركي ستيفن منوشين مموّل ومنتج منفّذ لـ «فرقة الانتحار»، الذي نال أوسكار أفضل تصفيف شعر وماكياج.
تواصل الإصرار على مناكفة ترامب، وإرضاء جميع الأذواق العرقيّة والدينية والأجنبيّة. تمّ إسناد أوسكار أفضل ممثّل في دور ثانٍ إلى ماهرشالا علي عن «مونلايت»، كأوّل ممثّل مسلم في التاريخ. فيولا دافيس أوّل أميركيّة من أصل أفريقيّ تنال 3 ترشيحات. حصلت على أوسكار أفضل ممثّلة في دور ثانٍ عن Fences لدنزل واشنطن، ملقيةً خطاباً مؤثّراً. باري جنكنز (أسود البشرة كذلك) انتزع أوسكار أفضل سيناريو مقتبس. كل ذلك وارد، وبعضه مستحقّ بالتأكيد، لكنّ الضربة الكبرى جاءت في حصول «ضوء القمر» (الصورة) على أوسكار أفضل فيلم. هذا قلب كلّ شيء، مع هشاشة الفيلم وادّعائه ودورانه حول نفسه بعد الفصل الأوّل منه. هل كان الجمع بين المثلية الجنسية واضطهاد السود، وضربهما في الخلّاط، مغرياً إلى هذا الحد؟ كيف لفيلم لم يحصل على أيّ من أوسكارات الإخراج أو السينماتوغرافيا أو التمثيل الأولى أن يقفز إلى الصفّ الأوّل؟ في المقابل، كيف لا يكون فيلم أفضل إخراج وأفضل سينماتوغرافيا وأفضل ممثّلة دور أوّل هو الحصان الرابح بشكل بديهي؟ إنّ هذه نتائج حملة #OscarsSoWhite. في العام الفائت، أعلنت رئيسة الأكاديمية شيريل بون إيزاك عن تغييرات كبيرة في تركيبة الإدارة والأعضاء وحقوق التصويت، بما يضمن مشاركةً أكبر للنساء والأقليّات، وتنوّع الأعراق، والتوجّه الجنسي. بالفعل، زاد عدد أعضاء الأكاديمية 683 فرداً، 46% منهم نساء، و41% منهم ملوّني البشرة.
قرار ترامب حول المهاجرين، وامتناع الإيراني أصغر فرهادي وأبطاله عن حضور الحفل، رجّحت كفّة «البائع» في فئة الفيلم الأجنبي. شريط محكم، فنيّاً، لكنّه ليس بفرادة وجودة منافسه الألماني «توني إردمان» لمارين أديه. رائدة الفضاء الإيرانيّة الأميركيّة أنوشه أنصاري تسلّمت الجائزة. ألقت بياناً من فرهادي حمل انتقادات لسياسات الرئيس الأميركي، وهو ما لا يفعله الرجل في بلاده الغارقة بالمشاكل والقمع.
الحرب السوريّة موضوع ساخن، أسال لعاب «نتفلكس». «الخوذات البيضاء» للبريطاني أورلاندو فون إنزدل فاز بأوسكار أفضل وثائقي قصير. بغضّ النظر عن الجدل السياسي حول «أبطاله»، فإنّه قطعاً ليس أفضل المرشّحين عن فئته. بعض السوريّين خلط بين «انتصار» قضيّته وانتصار السينما السوريّة، التي لا ناقة لها ولا جمل في هذا الأمر (تصوير خالد خطيب لا يغيّر شيئاً). فون إنزدل كان أكثر وعياً من الرؤوس السوريّة الحاميّة المهووسة بالاستقطاب، فتمنّى انتهاء الحرب في أسرع وقت.
نصل إلى الفضيحة التاريخيّة، التي التهمت كلّ شيء: الخطأ في إعلان اسم الفيلم الفائز. نطقت فاي دوناواي اسم La La Land، وهو الأكثر أهلاً للجائزة، من ظرف يحمله وارن بيتي. اعتلى المنتجون وطاقم الميوزكال الساحر خشبة مسرح «دولبي». ألقى بعضهم خطابات الفرح. فجأةً، ساد ارتباك ما. هذا ليس الفيلم الفائز، بل Moonlight. نعم، ليست مزحة. انقلبت الأمور. سارع بيتي إلى شرح ما حصل. الظرف الذي تسلّمه يحمل اسم إيما ستون، التي نالت أوسكار أفضل ممثّلة عن «لا لا لاند»، لذلك استغرق الإعلان بعض الوقت. «لم أكن أحاول أن أبدو مضحكاً» أردف بابتسامة مرتبكة. حقيقةً، ماذا حصل؟
PricewaterhouseCoopers شركة خدمات ضخمة، يقع مقرّها الرئيس في لندن. إنّها المسؤولة عن فرز نتائج تصويت أعضاء «أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة» (AMPAS) منذ عام 1934. يتمّ ذلك بمنتهى السريّة قبل يوم من الحفل. تُرسَل حقيبتان متشابهتان، تضمّ كلّ منهما ظروف النتائج، إلى المسرح مباشرةً. ثمّة نسختان من كلّ شيء، لضمان وصول إحداهما، تحسّباً لأيّ عائق طارئ أو حتى زحمة السير. ما حصل أنّ بريان كولينان، الشريك في PwC، ارتكب خطأ تراجيدياً. لقد سلّم وارن بيتي ظرف أفضل ممثّلة دور أوّل. الرجل كان مشغولاً بالتقاط الصور، والتغريد على تويتر أثناء العمل. الشركة أصدرت بيان اعتذار متحمّلة المسؤولية، وأكّدت فتح تحقيق جديّ بالشراكة مع الأكاديمية. جيمي كيميل الذي قدّم الحفل، وصف ختامه بالنهاية الأكثر غرابةً على شاشة التلفزيون، منذ الحلقة الأخيرة من مسلسل Lost (2004 – 2010). ولكن مهلاً، هذه ليست سابقة تاريخيّة، فيما يخصّ تسليم ظرف خاطئ. في حفل عام 1964، حصل الأمر نفسه مع سامي دافيس جونيور، أثناء إعلان أوسكار أفضل موسيقا لاقتباس أو معالجة. أعلن أنّ الفائز جون أديسون عن «توم جونز» (1963) لتوني ريتشاردسون، الذي لم يكن ضمن مرشحي الفئة أصلاً. سريعاً، تمّ تدارك الخطأ. أعلن الفائز أندريه بريفن عن Irma la Douce (1963) لبيلي وايلدر.

*كاتب لبناني

الأخبار