المحاصصة الطائفية هي المشكلة وليس الحل! "1"

لجنة كتابة الدستور في عهد حاكم العراق الأميركي بول بريمر

بدأ السيد عامر بدر حسون حملته الكتابية منذ عدة أشهر بدفاع متأخر ومفاجئ بعض الشيء عن الحصار الغربي الأميركي العربي ضد العراق الذي فرض عليه بعد مغامرة صدام حسين الفاشلة في الكويت بداية التسعينات من القرن الماضي مصحوبا بتشويه مقصود ورخيص لمواقف القوى والشخصيات الوطنية العراقية والإنسانية الأجنبية التي وقفت ضد الحصار الإجرامي وخصوصا منها الأصوات العراقية متهما إياها بالعمالة لنظام صدام ومخابراته. ولكن اتهامات حسون لم تكن تستند إلى أدلة موثقة أو حقائق معلنة ومعترف بها بل على أساس تفسيرات ذاتية لنشاطات وكتابات و شائعات كيدية أقرب الى الوشايات والشائعات التسقيطية والتي يمكن ان تذكرنا بتلك الاتهامات – والتي لا دليل عليها هي الأخرى - التي وجهها عدد من الكتاب والناشطين على مواقع التواصل والصحافة الرقمية إلى السيد حسون حول علاقاته الملتبسة والقديمة - كما قيل - بالمخابرات السورية و بشخص رئيسها علي دوبا. وقد واصل الكاتب حملته منتقلا إلى مرحلة متقدمة نوعيا هي جزء عضوي من سابقتها وهي الدفاع الصريح عن الاحتلال الأميركي الدموي وتبرير الفظاعات التي ارتكبها ليرتقي أخيرا إلى ذروتها في الدفاع عن نظام المحاصصة في مقالة له بعنوان مستوحى من شعارات حركات "الإسلام السياسي" في الثمانينات من القرن الماضي يقول "المحاصصة هي الحل !". من الواضح أن ما دعوناها المراحل الثلاث في حملة السيد حسون هي أجزاء ملتحمة عضوياً وسببياً و هدفياً تؤدي كل مرحلة منها إلى الأخرى بسلاسة واتساق شكلا ومضمونا.

دعونا نسجل أن السيد حسون ليس الشخص الأول الذي يدافع علنا عن المحاصصة الطائفية فقد سبقه النائب السابق حسن العلوي في هذا المسعى. فقد زعم العلوي في لقاء تلفزيوني – على شاشة قناة البغدادية شاهدته بنفسي قبل أكثر من عام - أن المحاصصة نظام حكم مأخوذ به في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية نفسها إضافة الى دول أخرى لم يذكرها بالاسم، محاولا دعم منطقه هذا بدعوى أن جميع الأقاليم في بريطانيا والولايات المتحدة تشارك في الانتخابات وتشكيل الحكومات. والعلوي هنا يحاول استغفال القارئ بأن يلعب معه لعبة "الثلاث ورقات" بشكل ساذج و مثير الشفقة فيساوي بين الأقاليم الجغرافية للدول والمجتمعات المندمجة مجتمعيا وبين مكونات ما قبل الدولة كالطوائف الدينية والعشائر في العراق المحتل والتي أراد الاحتلال الأميركي أن يقيم لها دولة مكونات ممزقة ومتذابحة....الخ.

يبدأ السيد حسون مقالته من الجملة الأولى بتسفيه مواقف خصومه الفكريين والسياسيين المناهضين للاحتلال وحكم المحاصصة معتبرا الوقوف ضد نظام المحاصصة الطائفية والعرقية الذي جاء به الغزو الأميركي مجرد "موضة" شتائم سائدة، مبدياً عدم استغرابه من ذلك لأنه – كما قال - جزء من " ثقافتنا " القائمة على ( شتم ما لا تستطيع التعامل معه وفق قيمها المتوارث)، ورغم الحذلقة اللغوية التي يعتمدها الكاتب ولكن الرائحة الاستشراقية العنصرية المعادية للثقافات المحلية للشعوب ومنها شعبه العراقي لا تخفى على القارئ.

المشكلة المعقدة التي يواجهها القارئ والمحلل لما كتبه حسون هي أنه يقول الشيء ونقيضه، فهو بعد أن اعتبر أن المحاصصة هي الحل الذي لا بديل له، يعود لينفي وجود المحاصصة أصلا في دستور النظام الحاكم في حركة بهلوانية مضحكة.

يكتب حسون بكل راحة بال (لم ينص الدستور او النظام الداخلي للبرلمان على شيء اسمه محاصصة.. والمرة الوحيدة التي تطرق فيها الدستور لهذا كانت مادة تدعو الى "مراعاة تنوع المنتمين للقوات المسلحة العراقية" وهي اشارة واضحة كي لا يكون الجيش عربيا فقط او شيعيا فقط والخ) والواضح أن حسون يريد أن يكرر لعبة حسن العلوي ولكن بدلا من استخدام عبارة " أقاليم جغرافية " يحاول استخدام مفردة " المكون " ومشتقاتها كبديل لمفردة " الطائفة " ومشتقاتها. وهو هنا يقفز قفزة غير موفقة ومشبوهة على واقع حال النظام القائم بكل تفاصيله على المحاصصة الطائفية : فمن الرئاسات الثلاث مرورا بالوزارات وصولا إلى الدرجات الخاصة والمدراء والعام مين والمدراء العاديين – كما اعترف المالكي وبعده العبادي – تخضع لمنطق التنقيط ( احتساب نقاط معينية تعادل عددا من المقاعد البرلمانية التي يتحصل عليها ممثلو كل طائفة أو إثنية ) والمحاصصة الطائفية والعرقية وهذا إضافة إلى واقع أن الأحزاب والتيارات والشخصيات والمليشيات والفصائل المسلحة وهيكيلية المؤسسة العسكرية من جيش وشرطة ومخابرات قائمة على وتخضع لقواعد تقاسم بموجب المحاصصة الطائفية.

إن الكذبة الدستورية التي زعمها الكاتب لا تلبث أن تنكشف على حقيقتها فهذا الدستور الاحتلالي الذي فبرك وسلق سلقاً في ليلة ظلماء وتحت إشراف خبراء أجانب من بينهم الصهيونيان نوح فيلدمان وبتير غالبريث، هذا الدستور لم يستعمل في متونه ومواده كلمات "محاصصة و طائفة" فعلا بل استخدمت كلمات من قبيل "توازن المكونات" الأكثر أناقة وخبثا. ولكن معلومات السيد حسون مثير للشك العميق وتحتاج إلى تفحص ورصد سياقي و مضموني فقضية التوازن بين المكونات، وبالتالي مفردة المكونات، بوصفهما حجر الأساس في دولة المكونات الطائفية التي جاء بها الاحتلال الأميركي ودافع عنها الحكام الجدد وخاصة جلال الطالباني ، تعني - أولا - توازنا في توزيع المناصب والمغانم لا بين المكونات " الطوائف والعرقيات " بل بين زاعمي تمثيل هذه المكونات والعرقيات في عملية مصادرة وتزوير لإرادة ملايين العراقيين من قبل حلفاء الاحتلال الأميركي قبل أي انتخابات وبقوة الدبابات الاحتلالية ثم شاهدنا هؤلاء - وغالبيتهم الساحقة إن لم يكونوا جميعهم من اللاجئيين والهاربين الذين عاشوا عقودا خارج العراق بسبب اضطهاد وقمع نظام صدام حسين - شاهدناهم  وهم يصلون الى البرلمان ثم الحكومة عبر لعبة انتخابية متقنة يحكمها قانون انتخابات وآليات خاصة غاية في الخبث والدهاء، وثانيا فهذه القضية المتعلقة بالمكونات وضرورة ضمان توازنها عبر حكم المحاصصة لم تذكر في الدستور الاحتلالي مرة واحدة - كما يكاد يحلف السيد حسون - بل ذكرت سبع مرات .

نعم ، لم ترد مرة واحدة فقط، كما يقول الكاتب للتهوين من شأنها بشكل غير نزيه وفي محاولة لاستغفال القارئ أو ربما بسبب جهله بالدستور النافذ وعدم اطلاعه أصلا عليه، بل وردت سبع مرات : مرتين في ديباجة الدستور. وهي ديباجة تقطر طائفية صريحة و عجرفة وتنفجا إنشائيا لا مثيل له في كل دساتير العالم، كما ذكرت خمس مرات في مواد دستورية تأسيسية ومهمة جدا منها المادة "12" الخاصة بعلم الدولة وشعارها ونشيدها الوطني فهذه المرموزات التأسيسية والسيادية كما يقول الدستور الاحتلالي يجب أن ترمز إلى مكونات الشعب " اقرأ لطفا طوائف الشعب وليس إلى الشعب العراقي الواحد ". وهذه هي المواد الخمس باختصار: يتبع قريبا...

الصورة للجنة كتابة الدستور العراقي في عهد الحاكم الأميركي للعراق بول بريمر..