مذكرات منجمي عراقي : أوراق من الذاكرة(9)

مناجم الحديد الحسينات

اوراق من الذاكرة(9)

استمرت رحلاتي المكوكية الى مواقع الصحراء الغربية، بالتوازي مع اعمال جديدة، او استكمال القديمة منها. بالرغم من تصاعد العنف الطائفي بعد احداث النجف والفلوجة، وفِي احد زياراتي لموقع الرطبة في خريف2005،وبعد انفضاض لقاءي مع العاملين، اقترب مني(مزهر وخالد)وكلاهما سائق سيارة حوضية لمياه الشرب. بادر مزهر بالحديث، وبشئ من السخرية الممزوجة بالتهكم: لقد فاتتك خطبة الجمعة أمس في جامع الرطبة. وماذا فاتني منها؟ قال ان الخطيب أكد ان قتل شيعي اكثر تقربا الى الله من قتل اليهودي، واذا تريد تتأكد اسأل اي واحد من اهل الرطبة. سألت اقرب واحد منهم وهو(خضر)عن صحة الامر. فأكده ،وقال ان الجميع لم يرضوا عنه وهي مؤسفة. انتابني شعور بالغم لما وصلت اليه الامور من عبث بقيم الحياة ومصائر عمالنا وعوائلهم، الذين استقدمناهم من الجنوب، وإسكانهم في الرطبة و عكاشات. استبعدت مخاوفي على حياة (مزهر وخالد)مؤقتا، بسبب خدماتهم لأهل الرطبة. وحتى الجامع الذي تم تشييده مؤخرا كانا مسؤلين عن تزويده بالمياه.

بعد ايام رجعت الى بغداد، وسجلت هذه المخاطر المحتملة، بتقرير الزيارة لادارة الشركة والتي كانت تُمارس طقوس سياسة الانتظار لحدوث الامر ،لتتخذ بعدها رد الفعل المناسب. وفعلا وقع المحذور في بداية(ت2...2005)حيث خطف مزهر وولده وخالد في نفس الزمان والمكان من مدينة الرطبة، وتم تصفيتهم بدون ان نجد لهم اثر لحد الان. وكان من تداعياته، هروب عوائل الجنوبيين، الى بغداد وغيرها من المدن، وقيد الموضوع ضد الارهاب، ولم تذهب تصوراتي ابعد من صاحب كاريزما هوليود وصناع الجهاد التكفيري ومسعاه في هذه الجزئية من تاريخنا العملي، في احباط التضامن الحاصل بالتزامن مع احداث النجف والفلوجة.

مضت سنينا ثقيلة تتعثر أيامها بالتفجيرات، والتي لم تستثني شيئا من أهدافها ضد المدنيين، لتزيد من وطأة جدران العزل الاسمنتية ،في رسم حدود إضافية في التباعد والكراهية. هنا أسجل ملاحظة ملفته، وهي عند حدوث تفجيرات في مناطق ذات أغلبية طائفية بعينها، أتلمس ردود باهته او مجاملة للمغاير الطائفي وكذا بالنسبة للتفجيرات في المقلب الاخر. مولدة انطباع او احساس، بأن الناس قد انسجمت مع ملاذاتها ومحاجرها الطائفية (لقد بلغت سكين الاحتلال روح المجتمع العراقي). واستمرأ اهل الضحايا اجساد ابناءهم المقطعة بظلال من القدرية وإدمان الاحزان، وهم اكثر الخاسرين، في معادلة الموت المخطط والمدار من هيئة استثمار تجني ارباحها احزاب السلطة والمعارضة في الداخل، ودول الجوار والدول الكبرى. وكانوا يسوقون النفط مع الدماء، ويقبضوا ثمنها، كألهة ليومياتنا القائمه.

قد يكون العمل ومتابعة تفصيلاته، المنقذ وطوق الإسعاف الوحيد لانتشالي من مسالك اليأس. وقتها كانت لدينا حراجة في تجهيز خامات الحديد الى معامل السمنت، وقرب استنفاذ الموجود منها، في ضفاف وادي الحسينيات، مما تطلب إعداد دراسات لتحديد اماكن اخرى مشجعة لتواجد هذه الخامات، حتى لو كانت على اعماق اكبر من المكتشفة. عكفت على إعداد دراسة عنها وتطويرها الى وضع تصميم منجمي خاص بها.