خور عبد الله.. بين امكانية الاستعادة وحلم “الفاو الكبير”

أثيرت في الفترة الأخيرة ضجّة كبيرة حول اتفاقية خور عبد الله الملاحية التي نظمت الملاحة بين العراق والكويت بعد أن تم تقسيم قناة خور عبد الله بالتنصيف مع الكويت في قرار مجلس الأمن رقم 833 لعام 1993.

ولسنا بصدد الخوض في تفاصيل الاتفاقية ولكن هنالك عدد من النقاط يمكن أن يعاد النظر فيها حول قرار مجلس الأمن، فما يلاحظ على هذا القرار أنه قراراً يتيماً فلم يشهد مجلس الأمن من قبل ولا من بعد هذا القرار تدخلاً بين البلدان لترسيم الحدود فهذا شأن ليس من صلاحية مجلس الأمن.

وإذا ما نظرنا إلى وظائف وسلطات مجلس الأمن الدولي التي تضمنها ميثاق الأمم المتحدة بالمواد (24 – 51) لا نجد فيها ما يخول مجلس الأمن الدولي المباشرة بترسيم الحدود بين دولتين. وعليه يكون مجلس الأمن الدولي بإصداره قراره (833) لسنة 1993 قد تجاوز صلاحياته وقام بعمل ليس من اختصاصه.

ومع ذلك فهذا القرار تولى ترسيم الحدود بين العراق والكويت داخل المنطقة المعروفة بـ (خور عبد الله) بدءاً من الدعامة 156 ومن ثم الدعامة 157 باتجاه الجنوب إلى الدعامة 162.

والأمر الآخر أن  ترسيم الحدود الذي جرى عام 1991 لم يقم على أساس قانون الملاحة الدولية فلم يتم التقسيم وفق خط الثالوك، وإنما قسّمت القناة البالغ عرضها 44كم إلى نصفين متساويين مما أوقع الجانب الأكثر عمقاً والصالح للملاحة في الطرف الثاني فيما بقي للعراق الجهة الطينية غير الصالحة للملاحة. وهذا مخالف لقوانين الملاحة الدولية، وقوانين ترسيم الحدود المائية بين البلدان المتشاطئة. ويمكننا إدراج عدد من النقاط بالغة الأهمية التي يمكن من خلالها الطعن في قرار مجلس الأمن واتفاقية خور عبد الله وهي:

أولاً: إن هذا القرار قد وافقت عليه حكومة النظام البعثي المقبور وهي إما أن تصنف على انها حكومة غير شرعية وعندئذ لا يلزم العراق بما وقعته من اتفاقات. وإما أن تصنف على انها حكومة شرعية وعندئذ تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية إسقاطها، واحتلال العراق ومن ذلك حماية حدود العراق البرية والبحرية والجوية. وتقع عليها مسؤولية التفريط في أي جزء من الإقليم العراقي.

ثانياً: ليس في الدستور العراقي وفقا للمواد (63) والتي تحدد صلاحيات مجلس النواب و(73) والتي تحدد صلاحيات رئيس الجمهورية و(80) والتي تحدد صلاحيات مجلس الوزراء ما يجيز لأي من الحكومة أو مجلس النواب التنازل عن أي شبر من ارض العراق ومياهه وأي تصرف من هذه الجهة بهذا الخصوص يمكن الطعن به أمام المحكمة الاتحادية وإبطاله قضائياً.

ثالثاً: وفقا للمادة (50) من الدستور العراقي والتي تلزم عضو مجلس النواب ورئيس الجمهورية (م/71) ورئيس وأعضاء مجلس الوزراء (م/79) بأن يؤدوا اليمين الآتية: (...... وأن أحافظ على استقلال العراق وسيادته وأرعى مصالح شعبه واسهر على سلامة أرضه وسمائه ومياهه).

وعليه فإن أي تنازل عن أي شبر من إقليم العراق مخالف لأحكام الدستور ويعتبر حنثاً باليمين الدستورية المتقدمة.

رابعاً: وفقا للمادة (67) من الدستور العراقي التي حددت الوظيفة الأساس لرئيس الجمهورية العراق بنصها (رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن يمثل سيادة البلاد .. والمحافظة على استقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامة أراضيه) وحيث أن أي معاهدة يجب أن يصادق عليها رئيس الجمهورية ويصادق على القانون الذي تصدر به المعاهدة ويتعين عليه قبل المصادقة على مثل هذه المعاهدة أن يتوثق أنها لا تمثل مساسا بسيادة العراق وسلامة أراضيه وبخلافه يعد مخلاً بواجباته الدستورية.

خامساً: كما يمكن الطعن باتفاقية خور عبد الله وفقاً لاتفاقية فينا لقانون المعاهدات الصادر عن الأمم المتحدة لعام 1969 والتي دخلت حيز النفاذ في 27/1/1980 من النواح الآتية:

ألف: وفقا للفقرة (1) من المادة (46) (ليس للدولة أن تحتج بان التعبير عن رضاها الالتزام بالمعاهدة قد تم بالمخالفة لحكم في قانونها الداخلي يتعلق بالاختصاص بعقد المعاهدات كسبب لإبطال هذا الرضا إلا إذا كانت المخالفة بينة وتعلقت بقاعدة أساسية من قواعد القانون الداخلي. ولا شك أن مخالفة اتفاقي خور عبد الله لنصوص الدستور العراقي على النحو المتقدم بيانه يعتبر مخالفة لقاعدة أساسية من قواعد القانون لداخلي تصلح لأبطال رضا العراق باتفاقية خور عبد الله.

باء: وفضلاً عما تقدم فان بإمكان الدولة الطرف في المعاهدة أن تطلب إبطالها وفقا للمادة (49) والتي تنص على انه ( يجوز للدولة التي عقدت المعاهدة بسلوك تدليسي لدولة  متفاوضة أخرى أن تحتج بالتدليس كسبب لأبطال رضاها الالتزام بالمعاهدة).

جيم: أما إبطال اتفاقية خور عبد الله بالاتفاق بين العراق والكويت وفقا للفقرة (2) من المادة (16) منها والتي تنص على أنه (تبقى هذه الاتفاقية سارية المفعول لمدة غير محددة ويجوز لكل طرف إنهائها بإشعار كتابي إلى الطرف الآخر لمدة ستة أشهر وعلى أن يتم الإنهاء بموافقة الطرفين).  فالنص واضح الإرباك والتناقض.

دال: يمكن اللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية للتخلص من الآثار السلبية لاتفاقية خور عبد الله، كرفض الربط السككي مع الكويت، أو حتى إقفال الحدود مع الكويت إن لزم الأمر.

إن العراق عندما وقّع اتفاقية خور عبد الله كان ناقصاً للسيادة إذ كان تحت الاحتلال الأمريكي فضلاً عن كونه تحت طائلة البند السابع وهذا ما شجّع الآخرين على فرض الاتفاقية فقد عمل الكويتيون – وبمساندة بريطانية - إلى بناء ميناء مبارك الذي يمتد عمقاً داخل القناة الملاحية وبنقطة حرجة جداً يمكن من خلال إكمال هذا الميناء أن توقف الملاحة في الموانئ العراقية بشكل كامل واشترطت على العراق إيقاف المرحلة الرابعة من ميناء مبارك أن يوقع الاتفاقية، وكانت قد وصلت المرحلة الثالثة التي تتكون من ستة عشر رصيفاً فيما توصل المرحلة الرابعة ميناء مبارك إلى الأربعين رصيفاً وبذلك تنتهي الملاحة في الساحل العراقي بشكل كامل. ولم تكن الكويت بحاجة إلى هذه القناة فهي تمتلك ما يقارب الـ(500كم) من السواحل التي بنت فيها أرصفتها وموانئها وهي بالتالي ليست بحاجة إلى هذه القناة وإنما أرادت بهذا الميناء فرض هيمنتها على هذه المنطقة وإجبار العراق على تنظيم الملاحة التي هي اعترافاً رسمياً بأحقيـّة الكويت بتنصيف هذه القناة الملاحية.

إن العراق اليوم يتحتم عليه تحسين العلاقات مع جيرانه وإنهاء الخلافات والأزمات السياسية التي تركها النظام البائد. وعلى الحكومة أن تخرج من هذه الخلافات بأقل الخسائر وبإمكانها اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية واستغلال الدعم الدولي للعراق في حربه ضد الإرهاب.

كما أن على الحكومة السعي الحثيث لبناء ميناء الفاو الكبير الذي سيُخرِج العراق من أزمة خور عبد الله وأزمات أخرى مثيلة لها، ويوفر للعراق مصدراً مالياً وواردات كبيرة تصب في ميزانية البلد كما يوفر أكثر من ثلاثة ملايين فرصة عمل ويحوّل العراق إلى معبر للتجارة العالمية، فإن ربط الملاحة البحرية بالقناة الجافة عبر خطوط السكك الحديدية العراقية بالتركية فأوربا، يعد مشروعاً استراتيجياً عالمياً للعراق.

كما أن على الحكومة إيقاف ربط سكك الحديد الكويتية بالعراقية لأن ذلك سوف يجهز على أنفاس الموانئ العراقية. وسوف تصبح الكويت سيدة الموقف ويظل العراق تبعاً لا سيداً.

العالم الجديد