الإرهاب الأحمر وتهافت البروباغندا [2/2]: لعبة الكتل الحزبية

«تقتضي مهمتنا أن يلتقي التفتيش من أعلى بالنقد من أسفل»
ستالين
 / كيروف ....دخل ليونيد نيكولييف Leonid Nikolaev في ديسمبر 1934 المقر الرئيسي للحزب الشيوعي في مدينة ليننغراد ببطاقته الحزبية الأصلية والتي لم تسحب منه بعد فصله من الحزب.وصعد السلالم حتى وصل إلى مكتب عضو اللجنة المركزية والمسؤول عن إعادة تنظيم الحزب وترميمه سيرغي كيروف Serge Kirov. وسحب نيكولييف مسدسه وأطلق النار فأردى كيروف صريعاً، وذلك على الأغلب لأنه اعتبره المسؤول عن فصله وآخرين إثر إحدى عمليات التطهير الواسعة التي أطلقها الحزب (Getty: 1985, p33).
تقول سردية الإرهاب الأحمر أن كيروف كان معتدلاً وأراد ستالين المتطرف أن يتخلص منه، ويتهم أعداءه بمقتله كـ«قميص عثمان». ويباشر بعدها بحملة القمع الكبرى ضد القادة التاريخيين للحزب كبوخارين وكسميرنوف A. P. Smirnov، ولومينادزة Lominadze وزينوفييف Zinoviev وكامينيف Kamenev وغيرهم. ولكن مثل هذه الترهات هي ما لفقه أعداء التجربة السوفياتية في الغرب. في البداية لم يكن كيروف على يمين ستالين بل العكس هو الصحيح، أيضاً فإن كيروف لم ينتمِ لما سمي لاحقاً بـ«معتدلي الحزب» بل كان حسب وصف تروتسكي له «دكتاتور ليننغراد الذكي وعديم الضمير»، كما وصفه بـ«الممثل التقليدي لمؤسسته». وعُرف عن كيروف القسوة مع خصومه وكان يهزأ باستمرار من الكتلة المعتدلة بلشفياً التي اصطلح على تسميتها يمين الحزب في تصريحات له في «برافدا» وغيرها.
تشير الوثائق السوفياتية هنا إلى أن كيروف كان حليفاً لستالين وقد عملا سويةً على إعادة ترميم الحزب واستعادته من البيروقراطية والتصدي لظاهرة خلق الإقطاعيات الشخصية والعائلية داخل مؤسسات الدولة وهي الظاهرة التي تندرج تحت باب الصراع الطويل بين المركز والأقاليم.

تاريخ الكتل البلشفية

يكشف صراع الكتل الحزبية أن ستالين لم يكن الآمر الناهي والديكتاتور الذي يسير الأمور حسب مشيئته. فلقد كان مضطراً على ما يظهر بالحصول على موافقة الأكثرية داخل الحزب، والاستناد إلى إحدى الكتلتين الأساسيتين لتمرير قوانينهن، وهما المعتدلين والراديكاليين. وتبيّن حسب السجلات أن القرارات كانت تتخذ بالتصويت وبعد مداولات طويلة وصاخبة يتخللها خلق الكثير من التحالفات والنقاشات. ويعود تاريخ بدء تشكل هذه الاصطفافات لبداية العشرينيات عقب الثورة مباشرة.
ولم يكن ستالين ولا أعضاء الحزب يرغبون في البداية بخروج الصراع إلى الإعلام. ولكن تقلب السلطة السوفياتية بذلك الوقت بين سياسة وأخرى يدل على وجود نقاش داخلي مخفي عنا. وهو ما يعكس وجود معارضة «بيروقراطية» و«سياسية» لخطط التطوير وبناء الاشتراكية، وتركز الصراع بالدرجة الأولى على ما سمي وقتها بالخط العام. وهو أمر بحد ذاته كان مسألة خلافية عرضة للتغيير والمراجعة. وإذا كانت الستالينية تعني لدى البعض تأسيس حزب منضبط، حديدي مغلق، يقمع كل من يحيد عن الخط العام بالسجن والنفي والإعدام، فذلك لم يكن حقيقة حزب ستالين. ولكن أرجو ألا نشطح ونتصور أنه كان يخفي روحاً ليبرالية فالحال ليس كذلك أيضاً. فكثيراً ما كان الأمر بالنسبة إلى ستالين، يتقرر عبر ضغط الجماهير والكتل الشعبية.
تشكلت بين الـ1923 و1932 مجموعة من الاصطفافات لمعارضة سطوة الجسم المركزي للحزب، كالمعارضة التروتسكية 1923-1926، ولاحقاً في الثلاثينيات لتكتشف وتقمع عام 1936، حيث اعترض هؤلاء على غياب الديمقراطية في الممارسات التنظيمية داخل الحزب، والإفراط بالمركزية، وطالبت بحرية النقد ضمن صفوف الحزب، وزادت عليها بالمطالبة بسياسة ثورية خارجية. ثم ظهرت مجموعة أخرى على أرضية أقل تسييساً وأكثر إدارية واقتصادية ممثلة بزينوفييف وكامينيف Zinoviev ،Kamenev في 1926. وانتقد هؤلاء السياسة الاقتصادية الجديدة التي خطط لها بوخارين ووقف معه ستالين في وقتها. واقترح زينوفييف وكامينيف خطة اقتصادية أخرى تسرع من التصنيع في الاتحاد السوفياتي، وهنا انتظمت المعارضة التروتسكية في مواجهة هذه المجموعة ودفنوا خلافاتهم السابقة وواجهوا جميعاً محور ستالين ــ بوخارين تحت مسمى المعارضة المتحدة كيسار الحزب الشيوعي ضد يمين الحزب الذي مثله ستالين وذلك بحلول عام 1927.
يبدو أنه لم يكن صعباً على ستالين ورفيقه الاقتصادي بوخارين سحق التمرد المعارض. فأولاً، لم يكن لا تروتسكي ولا رفيقيه يتمتعان بشعبية حقيقية داخل الحزب والمجتمع كما يبدو. فنسبتهم قدرت بـ6-9% من القيادة ونحو 12 ألف عضو تعاطف معهم بشكل أو بآخر من أصل 130 ألف عضو على الأقل، وهي نسبة قليلة (Getty: 1985, p140). أما ستيفن كوتكين، المؤرخ الأميركي المتخصص بتاريخ الاتحاد السوفياتي فيصف تروتسكي، بالمثقف النخبوي المعتد بنفسه والذي لن ينجح في كسب شعبية بين البروليتاريا الفقيرة كما يجب برغم كفاءته القيادية ورفعته الفكرية Kotkin: 2014.
نجح ستالين وحليفه الاقتصادي بوخارين في تخفيض مرتبة، ونفي، وتهميش، وأخيراً طرد المخالفين. ولكن موقف ستالين تغير 180 درجة بعد عام. وليس واضحاً ما إذا كانت تلك مناورة سياسية بحتة، أو أنه كما يقول البعض لتوفر معطيات جديدة في الملف الدولي والتحديات التي يواجهها الاتحاد السوفياتي عام 1928. وخمن ستالين أن أمام الاتحاد السوفياتي ليس أكثر من عشر سنوات قبل أن تكتسحهم الرأسمالية. وعلى السوفيات أن يتحركوا بسرعة نحو التصنيع ليصيروا بلداً قوياً ومتقدماً، وهو ما حدث فعلاً فبعدها بـ11 عاماً غزاهم الألمان.
جاءت توجهات ستالين الجديدة في صالح يسار الحزب وتراجعاً منه عن دعم السياسة الاقتصادية الجديدة، واصفاً إياها بالرجعية والبرجوازية التي ستقوي الرأسمالية بالصدمة لحلفائه السابقين فقمعها. ولكن كيف قمع المعارضين قبل عام 1936؟
لم يكن هناك سياسة عقابية واحدة تشمل جميع المعارضين كالإعدامات والسجون حتى عام 1936 على الأقل، عندما انفجر الخلاف بين القيادة والبيروقراطية وافتضحت مؤامرة تروتسكي. فبعض القيادات طردت من اللجنة المركزية، ولكن ليس من الحزب كسميرنوف A. P. Smirnov مثلاً، أما لومينادزة Lominadze ففصل من الحزب لفترة وجيزة ليعاد تأهيله وليتسلم إدارة مشروع مهم هو منشأة ماغنيتوغورسك Magnitogorsk. كما في كل مرة، كان هناك كتلتان، الأولى تطالب اللجنة المركزية بمعاقبة هؤلاء المعارضين وكتلة تلمست الأعذار لهم ورأت تخفيف العقوبة. وبعضها وبخ وأخضع للرقابة بشكل رسمي. وتمت إقالة تومسكي Tomskii من زعامة النقابات، وكل من أوغلانوف وريوتن Uglanov & Riutin من لجنة موسكو، وبوخارين من رئاسة تحرير برافدا وبقية المؤسسات. لكنه ظل وريكوف* أعضاء في اللجنة المركزية برغم نقدهم وتوبيخهم علناً لإثارة النزعات المعارضة داخل الحزب (Getty: 1985, p19). لم يرسل أي من هؤلاء كما حصل مع التروتسكيين إلى المنفى.


يكشف صراع الكتل الحزبية أن ستالين لم يكن الديكتاتور الذي يسير الأمور


وتم بالمقابل تأهيل ما سمي حينها بيسار الحزب مرة أخرى مثل راديك Radek، بياتاكوف Piatakov، وآي سميرنوف I Smirnov كما شمل العفو كل التروتسكيين الذين أنكروا ولاءهم السابق لتروتسكي، وهو الأمر الذي أدانه تروتسكي شخصياً بمرارة بمنفاه في تركيا.
في الحقيقة يقول جيتي لم يكن هناك داع لأي إجراء إضافي بعد الإنكار أو التوبة للعودة لصفوف الحزب حتى 1935، ولم يعدم أي من قيادات الحزب على ما يبدو إلا بعد مؤامرة اغتيال كيروف Kirov عام 1934.
ولكن كل بوخارين وريكوف وبقية من عادوا إلى الحزب ومواقع القوة من يمين الحزب لم يكفوا عن المعارضة. باعتراف المؤرخ البريطاني Robert Conquest والذي لم يشوه أحد مثله تاريخ الاتحاد السوفياتي وحكم ستالين شخصياً بدفع من المخابرات البريطانية والأميركية. فكان هناك ثلاث مجموعات تعمل بشكل فاعل للمعارضة اليمينية في السلطة السوفياتية هي مجموع سيرتسوف ولومندازة Syrtsov - Lomindaze والثانية كانت اي بي سميرنوف والثالثة ايسمونت - تولماتشيف Eismont - Tolmachev.
تمكن هؤلاء من كبح جماح سرعة التصنيع وهو كان من أهم مطالبهم، أوقفوا أو خففوا من عمليات التجميع الاشتراكية في الريف ضد الكولاك. ولم يكتفِ اليمينيون بذلك بل قدم حزبياً كبيراً مثل ريوتن مشروعاً إلى اللجنة المركزية يقترح فيه إقالة السلطة الستالينية برمتها عام (1932 Conquest: 1968, p51-57).
أثارت إجراءات «القمع» الستالينية استغراب واستهجان الباحثين والمتابعين الغربيين. فكيف لبلطجي، دموي، ومريض نفسي كستالين أن يعزل رفاقه الأوائل السابقين ويحل محلهم «رفاقه» الجدد الذين وصفوا بـ«مخلوقات ستالين» فكانوا بلا «شخصية» ولا «استقلالية»، بمعنى آخر كيف يحل القادة الجدد محل «القادة التاريخيين».
ولكن الحقيقة كانت غير ذلك تماماً، ففي البداية لم يكن الحزب عام 1932 هو نفسه الحزب الذي أطلق شرارة الثورة عام 1917 كما يقول «جيتي». فمعظم أعضاء الحزب كانوا جدداً وانضموا اليه عام 1929 وشكل هؤلاء الأغلبية. وبالتالي وجد التروتسكيون أنفسهم كما يمين الحزب أقلية صغيرة معزولة نسبياً داخل صفوف الحزب. وفي المقابل، نظر الحزبيون الجدد ــ وأغلبهم قادم من المدن والبلدات البعيدة ــ إلى زينوييف وبوخارين وكامينيف باعتبارهم من الناس السابقين في الحزب من الذين تجاوزهم الزمن، والذين لم يعد مصيرهم يهم أحداً سوى قلة.
بغض النظر عن صحة هذه النظرة من عدمها، لكنها تشرح حماس الكثير من هؤلاء الحزبيين لـ«القمع الستاليني» وصيحات الاستهجان التي كان هؤلاء القيادات يتعرضون لها عند الحديث أحياناً وخاصة عندما كشفت مؤامرتهم لخلع ستالين. وبعكس ما يتصور الباحثون الغربيون لم يكن قمع تروتسكي بالحدث الكبير الذي هز المجتمع الروسي والبلشفي آنذلك فكل هؤلاء كانوا نخب حزبية تتصارع على كيفية إدارة الاقتصاد.

 

صراع الكتل

دخل المؤتمر الحزبي السابع عشر والذي عقد عام 1934 في صفحات التاريخ باسم مؤتمر المنتصرين وعقده البلاشفة بأجواء الانتصارات الصناعية والزراعية خاصة بعد الحصاد الناجح لعام 1933. واعتبر هذا أول دليل على صوابية خط القيادة العام والقاضي بتسريع التصنيع وتأميم الملكية الزراعية وهذه كانت أول مرة تثبت القيادة أنها كانت على حق والمقصود هنا ستالين والكتلة اليسارية خلفه.
ولكن وحدة الصف التي حرصت القيادة البلشفية على إخفائها لم تكن حقيقية، فوثائق الحزب تكشف أنه كان هناك تيار معاد لستالين في الأقاليم السوفياتية. ولكن الوثائق لا تسعفنا مع الأسف عن تفاصيله. ومع ذلك إلا أن الوثائق تكشف أن صراعاً طويلاً وحاداً جرى بين زعيم الكتلة اليسارية رئيس الوزراء في أم مولوتوف V M Molotov وبين قوميسار الصناعات الثقيلة جي كي أورديجونيكتسي G K Ordzhonikidze.

الكتلة الراديكالية

ما يهمنا هنا هو إثبات بطلان فكرة فردية الحكم في الاتحاد السوفياتي قبل الحرب العالمية الثانية حسب الوثائق. وإثبات أنه كان هناك معارضة تناقش النظام ولم تكن العقوبات كيفية كما سنرى لاحقاً. ولكن في البدء يجب أن نشير إلى أن الخطة الخمسية الأولى 1928ــ 1932 وصفت كثورة ثقافية قام في أثنائها الراديكاليون واليساريون في صفوف الحزب والمجتمع بنقد الرأسمالية وقيمها البرجوازية بدءاً من الفن والثقافة والتعليم وانتهاءً بالتخطيط الاقتصادي.
فكان الشباب المتحمس في وقتها ينتقد أساتذة الجامعة المحافظين، وحل الجامعات التقليدية وتأسيس كليات فنية مرتبطة بالمصانع ليتعلم العمال نظرياً وعملياً. واقترحوا خطط مشاريع يوتوبيا لتعزيز القيم البروليتارية مثل تدريب وتثقيف البروليتاريا الحزبية على أصول القيادة والتخطيط والتنظير ليحلوا محل «النخب» الحزبية السابقة. أما على صعيد الفن فسخف الفنانون البرجوازيون في البلاد أينما وجدوا. ففي المصانع مثلاً حاولوا تصفية، ليس الجسدية، وجود الفنيين التقنيين المختصين السابقين للثورة، وإحلال بدلاً عنهم عمال المصانع الماهرين بعد ترقيتهم وهو ما أقلق ستالين شخصياً.
وقويت شوكة اليسار الراديكالي بعد هزيمة بوخارين وخططه وكانت الكومسومول أو ما عرف بالشبيبة اللينينية هي أحد أهم تجمعاتهم وكان شعارهم البلاشفة «يقتحمون كل القلاع» وفق «التراث البطولي للبروليتاريا». فشنوا حرباً طبقية على الجناح اليميني من الحزب وعلى الـNEP السياسة الاقتصادية الجديدة التي اعتمدت بعد الثورة. بالنسبة إلى الشباب الثوري المذكور لم يكن من السهل عليهم تقبل التباطؤ في الإنتاج الصناعي أو تأخير تصفية الكولاك معتبرينه رجعية وخيانة للثورة (Getty: 1985, p13).
قبل أن نشرح الجناح الآخر أي يمين الحزب، يجدر بنا فقط ملاحظة أن هؤلاء كانوا أغلبية الحزب. وهم من كانوا يضغطون على القيادة العليا من أجل معاقبة خصومهم وهي العملية التي تأخرت إلى أن تم إطلاق سياسات القمع التي سنرى لاحقاً كيف جرت. ولم يتخذ ستالين قراراته بفعل لوثة عقلية أصابته أو نوبة جنون ألمت به بل إنها كانت نتاج سيرورة طويلة من الصراع والمماحكات التي انتهت بشكل دموي ولكن على نطاق أضيق ما ألصقه التاريخ به في النهاية.

الكتلة المعتدلة

أما الجهة المقابلة لليسار الراديكالي، فعرفت بيمين الحزب من الستالينيين أو المعتدلين. الكل هنا كان يدعي تمثيل الزعيم السوفياتي ويحاول التأثير عليه. تأثر هؤلاء أيضاً ببوخارين ولكنهم لم يكونوا بالضرورة محسوبين عليه. كانت فكرتهم تقوم على حماية «النخبة» الإدارية والجامعية والفنية والعلمية البرجوازية المتخصصة ممن لم يعادوا الثورة ولم يتآمروا عليها بدلاً من الحماس الثوري للعمال الراديكاليين الذين بحسب زعمهم سيجهدون الآلات ويتسببوا بكوارث ومجاعات في الريف. وجادل هؤلاء بأن التصنيع السريع عليه أن يسير وفق خطة معتدلة الطموح وذات أهداف معقولة قابلة للتخطيط، فالعبرة ليست بالكم بل النوعية (Getty: 1985, p133).


قويت شوكة اليسار الراديكالي بعد هزيمة بوخارين وخططه


وبين هذين المعسكرين تراوح موقف ستالين بين مؤيد ومعارض لهذا المعسكر وتلك الخطة، فكان كمن يستمع للتقارير ويلقي بثقله خلف الكتلة الأكثر إقناعاً. ويمكن القول إن أغلب المخططين الاقتصاديين السوفيات والمهندسين كانوا من المعتدلين. كان ستالين مفضلاً للاعتدال في التصنيع قبل 1928 ولكنه حول موقفه بعد عام نحو الكتلة الراديكالية ولكنه عاد وانتقدها عام 1930 وانتقد العنف غير المبرر ضد الكولاك ليخفض مرتبة الراديكالي كارل بومان Karl Bauman على خلفية تطرفه الإصلاحي في الريف. وتحدث ستالين لإعضاء الحزب الجدد وكانوا أكثرية بأن أعضاء الحزب القدامى ليسوا جميعاً أشرار وعلينا تركهم بسلام إذا عملوا بإخلاص (Getty: 1985, p15).
يشير أرشيف الحزب إلى أن الخطط الاقتصادية الخمسية كانت تراجع وتنتقد ويتم تدقيقها غير مرة ولا تتخذ بناءً على رغبة ستالين وحده. لنعطي مثالاً، الخطة الخمسية الثانية لفترة 1933ــ1937 قدمت عام 1931 للمناقشة، واقترح الراديكاليون هدفاً للنمو الصناعي وتسريعه بنسبة 22%، مقابل 13ــ 14% للمعتدلين الذين حظوا بدعم ستالين، ولكن حدة الصراع حولها استمر مما اضطر القيادة لإغلاق النقاش حولها علنياً. قدم ستالين اعتذاره للراديكاليين بأن الأهداف التي طمحوا لها غير واقعية، وأن الخطة الأولى 1929-1933 كانت ناجحة بما يكفي ليتعلم عمالنا السيطرة على الآلات وإتقانها فلا داعي للمزيد من الضغط، وشرح أن نسبة نمو 14% بالنسبة لحجم الاقتصاد السوفياتي عام 1932 هي أكثر من نسبة 22% عام 1928. وبرغم تدخل ستالين ولكن الراديكاليين لم يستسلموا، وقدم زعيمهم مولوتوف في المؤتمر الحزبي السابع عشر في يناير 1934 رقماً جديداً أمام الإعلام وكل الرفاق المجتمعين وهو 19% نمو. فأثار ذلك حفيظة المعتدلين وهاجمه أورديجونيكتسي زعيمهم علنيا متهماً إياه بمخالفة قرارات الحزب والقيادة المتفق عليها حول الخطة سابقاً فاقترح أن لا تزيد نسبة النمو عن 16.5% كحل وسط. وهنا تدخل ستالين مرة أخرى وشكل لجنة متابعة للموضوع بعيداً عن الإعلام مكونة منه ومن زعيمي الكتلتين وبقية أعضاء المكتب السياسي وبعض الخبراء الاقتصاديين، وخلصت اللجنة لتبني رأي المعتدلين الستالينيين بالأخذ بنسبة 16.5% نمو (Getty: 1985, p16).

 

الخلاصة

لم يكن الاتحاد السوفياتي بلداً صناعياً حديثاً أول أمره وبالتالي يبدو أن دراسة «غيتي» تستبعد حصول قمع دموي وتطهير واسع ورقابة كما صوّره خصومه. وكانت أغلب حالات التطهير وتعني الطرد من الحزب أو النفي تتم لأسباب إدارية وأحياناً أخلاقية، حسب سجلات سمولنسك. أما بالنسبة إلى عام 1936 -1937 لم يشكل المعاقبون من قبل النظام السوفياتي لأسباب سياسية سوى 1000/4 بالنسبة الى كامل أعضاء الحزب هناك وهي نسبة ضئيلة لربما لم يلتفت اليها أحد سوى الحزبيين الذين كانوا أقلية صغيرة في مجتمعهم في كل الأحوال (Getty: 1985, p115). لا يبدو مما تقدم أن الاتحاد السوفياتي كان نظام الرجل الواحد كما يوصف. فستالين لم يكن يدير العملية الإنتاجية لوحده ولم يكن يتخذ القرارات لوحده ولم يكم كل من حوله إمعات وضعفاء ومرعوبين. بل كان بينهم العنيد، والمتآمر، والمتطرف، والنخبوي، والمعتدل وهكذا. وكما رأينا كانت القرارات تراجع وتناقش ولم تكن تتخذ بغفلة ليل. تشير معظم النقاشات الحزبية إلى الخوف من هيمنة وسيطرة البيروقراطية الحزبية وترهلها وأنها التي ستأكل الثورة وأبناءها وكان أعداء القيادة البلشفية آنذاك قد شخصوا بالبيروقراطية الوسيطة والإقليمية ولكن استبدال هؤلاء تماماً واجتثاثهم لم يكن هيناً والطريقة الوحيدة والأسلم حسب تصورهم هي المحاسبة والتثقيف الحزبي حتى انفجار الأمور عام 1937.
ما يهمنا في الحقيقة من كل ما تقدم هو أن لا تؤخذ «جرائم ستالين» والأرقام الفلكية للضحايا على أنها حقيقة صلبة ومن دون تدعيم بوثائق تاريخية أو ما شابه.
* كاتب عراقي

الأخبار