قراصنة المتوسّط: النّهب كنمط انتاج

«هل تخافون الموت؟ لا يوجد سبب للخوف. ألم نترك منازلنا بحثاً عن الجاه والشهرة؟ ألم نرتحل عن ديارنا لنصرة حبيبنا المصطفى؟»
(الرّيّس مراد يشجّع جنوده قبيل الهجوم على سفينة كنزٍ مالطيّة، 1584)
«وجُعل رزقي تحت ظلّ رمحي»
(حديثٌ شريف).....
في صيف عام 1502، كان القرصان عروج يجول مقابل السواحل الايطالية حين اكتشف «جائزةً» مغرية: سفينتان كبيرتان للأسطول البابوي تبحران بين جنوى وروما. في المقدّمة كانت سفينة صفّ رئيسية (flagship) هي من أضخم وأقوى السّفن في المتوسّط يومها، وخلفها بارجةٌ مرافقة.

بالمقاييس العسكرية، من المستحيل لعروج بغليونه الصغير، الذي يحمل عشرات المقاتلين، أن يواجه بارجتين تسيّرهما مئات المجاذيف في البحر المفتوح؛ ولكنّه لاحظ أنّ السفينتين تباعدتا عن بعضهما لفترة حتى انقطع بينهما مدى النّظر. استغلّ عروج هذه الفرصة وانقضّ على السفينة في المقدّمة واقتحمها برجاله قبل أن تتاح لها الفرصة لفتح النار على الغليون (حين بدأت السّفينتان بالتقارب قبيل الاشتباك، أمر عروج نصف رجاله برمي مجاذيفهم في البحر، حتى لا يعودوا قادرين على الاستدارة والفرار ولو أرادوا ذلك). حين استولى القراصنة المسلمون على السفينة الأولى، سارعوا الى ارتداء ثياب ضباطها والانعطاف نحو السفينة المرافقة، التي لم تعرف بما جرى واعتبر طاقمها أنّ القبطان يريد تغيير المسار أو الصعود الى قاربه لسبب ما، فلم تصمد دقائق أمام انزال المسلمين حين قفزوا دفعةً واحدة الى البارجة واستولوا عليها قبل أن يتمكّن أحدٌ من المقاومة. قام عروج بتحرير الأسرى المسلمين، الذين كانوا مقيّدين الى المجاذيف في بطن السّفن، ووضع مكانهم الجنود الأوروبيين، ثمّ أبحر بغنيمته الى تونس ليتمّ استقباله كالأبطال.
غارة عروج هذه أثارت انتباه الدّولة العثمانية، التي كانت قد بدأت للتو بالتّوسّع في البحر، فاستدعى السّلطان أخا عروج، خير الدين، ليشرف على بناء اسطول حربيٍّ عثمانيّ، ثمّ يقوده في معارك عديدة في شرق المتوسّط؛ وإن لم يتوقّف يوماً عن ممارسة القرصنة في غربه. من هنا انطلقت اسطورة «الأخوين بارباروسا»، خير الدين وعروج، اللذين افتتحا عهداً من المقاومة البحرية في غرب المتوسّط استمرّ لأكثر من ثلاثة قرون.

درع الجزائر

كما في الكاريبي، كانت خلف نشوء القرصنة في المتوسّط أسباب سياسية واقتصادية: منطقة شمال افريقيا كانت تمرّ بأزمة كبرى، مع سقوط الأندلس وتشرّد مئات الآلاف من أهله المطرودين منه. وكان ذلك مترافقاً مع فترة تفكّكٍ سياسي، وسقوط آخر السلالات القوية في المغرب (كالدولة المرينية)، وتوسّع كاثوليكيّ بدأ يسعى حثيثاً، بعد استعادة اسبانيا، الى غزو المتوسّط وشمال افريقيا (في الفصل الأخير لمسرحية «السيد» الشهيرة للفرنسي كورناي، وأحداثها تجري أيام سقوط غرناطة، يختتم دون فرناندو – ملك قشتالة – المسرحية بوصيةٍ يوجهها الى البطل، دون رودريغ، بأن يأخذ الحرب الى الموريسك وأن يغزو بلادهم في المغرب). في الوقت ذاته، أدّى اكتشاف الاسبان والبرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح وغزوهم «العالم الجديد» الى تهميش البحر المتوسّط، الذي انعدم النّشاط الاقتصادي فيه ولم يعد الّا ميدان حرب وصراع.
إن شكّلت الفضّة الاسبانية والذّهب، وبعض السلع الاستوائية، محرّك القرصنة في الكاريبي، فإنّ «عملة» البحر المتوسّط كانت العبيد والأسرى والرهائن. الأوروبيون الميسورون الذين يتمّ اسرهم في الغارات يُفتدون بمبالغ طائلة، واولئك الفقراء تتمّ مبادلتهم بأسرى مسلمين في اوروبا أو يُباعون في أسواق العبيد في تونس والجزائر. على مدى قرون، تمّ أسر مئات الآلاف من الأوروبيين بسبب القرصنة في المتوسّط، ومثلهم من المسلمين، وكانت تلك احدى قنوات الحرب المفتوحة بين الشّرق والغرب. بل إنّ أوّل من امتهن القرصنة انطلاقاً من تونس والجزائر، الريّس كمال، كان عسكرياً تركياً نظامياً ركب البحر في محاولة يائسة لمساعدة أهل الأندلس قبيل السّقوط (بحسب آلان جايميسون في كتابه عن «قراصنة ساحل البربر»، فإنّ عدد الأسرى الأوروبيين الذين اقتيدوا الى شمال افريقيا قارب المليون وربع المليون بين أوائل القرن السادس عشر وأواخر القرن الثامن عشر).
لا يمكن هنا توصيف الفراغ العسكري الذي ملأه هؤلاء البحّارة المسلمون، وبخاصة بعيد سقوط الأندلس حين حكموا، فعلياً، الجزائر وتونس وتولّوا الدّفاع عنهما. عام 1541 مثلاً، شنّ الاسبان «حملة صليبية» حقيقيّة ضدّ الجزائر لاحتلالها والاستقرار فيها، سار على رأسها الملك كارلوس الخامس وقد جمع جيشاً يقارب الأربعين ألف جنديّ. كان أسطول كارلوس يضمّ أكثر من 65 بارجة و400 سفينة نقل، وجنوداً من المانيا وايطاليا واسبانيا، وفرساناً صليبيين من مالطا، وأبناء أهمّ العائلات الأوروبية. بل إنّ هرنان كورتيس نفسه، غازي المكسيك، كان مشاركاً في الحملة. كان في الجزائر وقتها ــــ بحسب جايميسون ــــ نائبٌ لبراباروسا اسمه حسن آغا (وهو مثل برباروسا، مسيحيّ تحوّل الى الاسلام)، ومعه أقل من ستة آلاف مقاتل، أغلبهم قراصنة أندلسيون وأتراك. يقول التاريخ الشعبي انّه لولا شيخٍ صوفيّ أصرّ على أنّه رأى النّصر للمسلمين، لما فكّر أهل الجزائر في المقاومة، ولقبل حسن آغا أوّل عرض استسلام وصله من الغزاة. ولكنّ مزيجاً من الشجاعة والصمود والطّقس العاصف الذي دمّر اسطول كارلوس مرّتين، في قدومه وفي انسحابه، انتج احدى أكبر الهزائم الأوروبية في القرن السادس عشر. الجّزائر، أصلاً، مسكونة منذ قديم التاريخ لأنّها تمثّل أحد أفضل المواقع الجغرافية على المتوسّط: مرفأ مناسبٌ وعميق، مع مدينة مشرفة على مرتفع، محميّة ولا يمكن الاستيلاء عليها من البرّ بسهولة. خسر كارلوس أكثر من 12,000 جندي، وتمّ أسر الآلاف. يقول آلفرد برادفورد في كتابٍ عن تاريخ القرصنة إنّه، اثر حملة الجزائر، أصبح العبد الأوروبي يُباع في أسواق شمال افريقيا بثمن بصلة.

ملاحظة عن مفهوم «النّهب»

لا حاجة هنا للعودة الى سلاطين بني عثمان، الذين كانوا يتكلّمون عن الغزو بوصفه سنّةً من سنن الله (أو الضابط البريطاني الذي غزا جامايكا، فحاججه الحاكم الاسباني بأنّ لبلده «حقّاً تاريخياً» بعد وجودٍ عمره أكثر من قرنٍ ونصف في الجزيرة، ليجيبه البريطاني ببرود بأن الحقّ الوحيد في العالم هو حقّ الحيازة والقوّة). كلّ ما نريد شرحه هو أنّ فكرة «النّهب» و»القرصنة» لا تختلف نوعياً عن سلوك الدّول والممالك، بل هي «الشكل غير القانوني» منها، يمارسه الضعيف والفقير والقوى الصغرى. الضّريبة، المال الذي تأخذه الدولة منك، ما هو الّا شكلٌ مقوننٌ من أشكال النّهب (أو «خوّة»، حتى نستخدم تعبير تشارلز تيللي)؛ بمعنى أنّ الدّولة تأخذ عُشر دخلك لأنها تحتكر العنف، وقادرة على أخذه كلّه لو شاءت، ولكنّها تصادر قسطاً وتترك لك الباقي حتّى تعيد انتاج دخلك وتدفع لها مزيداً من الضرائب في المستقبل. المسلّح القرصان، سواء في البحر أو في البادية، يمارس الفعل نفسه ولكنّ حساباته مختلفة.
اذا اتّخذنا التّاريخ دليلاً، سنجد لائحة طويلة في فوائد النّهب ومحاسنه، خاصّةً ان كنت ضعيفاً أو مهمّشاً وتمرّ في ديارك طريق تجارة امبراطورية. النهب والقرصنة هما الوسيلة الأجدى لإسقاط القوى الكبرى المهيمنة، كما أثبت البريطانيون والهولنديون في وجه الاسبان: تبحث عن «نقاط خنقٍ» في بنية الامبراطورية، تمرّ عبرها ثروات كبيرة، وتناوشها وتستنزفها وتحصل، في الآن ذاته، على حصّةٍ من «النّهب الامبراطوري» (كيف تعتقد أنّ الامبراطوريات تُسقط؟ بأن تبني اسطولاً يوازي اسطولها؟ هذا لن يحصل). وحين تكون ــــ مثلاً ــــ افريقياً فقيراً من بلادٍ مدمّرة، وأوروبا مليئة بالثروات، وهي أمامك ولكنها مقفلة عليك، فهل الأخلاق هي في أن ترضى بقواعد القوي وقوانينه، وتعيش حياة الفقر والإذلال، أم أن تركب زورقاً سريعاً تضع عليه رشاشاً، وتأخذ بعضاً ممّا يمرّ أمامك؟ (حتّى نكون واضحين، أنا هنا لست أدعو الى استئناف تقليد الغزو والقرصنة في وجه الدّول الثرية، ولكني ايضاً لا أقول انّي سأقف ضدّه إن حصل ــــ أو انّي لن أشارك فيه).
«أخلاقيات القوي» ونواميس الدولة تسرّبت الى ثقافتنا عبر ذمّ البدو الأعراب، واعتبارهم «سرّاقين» أجلاف، لا يتقنون المعارف بل قد لا يعرفون قيمة العملة ومقاديرها، وانّهم يعيشون حياةً منحطّة جاهلية. الردّ على هذه الصّور النمطيّة، والمحاججة ضدّ فوقية العربي ابن «المدينة»، هو جهدٌ يستلزم كتباً كاملة، ولكنّ لدى الكاتب العراقي حسن الخلف إجابة مبسّطة. حسنٌ، يا من تسخرون من البدو، فلنتخيّل انّك ابن مدينة مشرقيّة، بغداد في القرن السادس عشر مثلاً، ونقارن حياتك بمعيشة البدو التي تحتقرها: انت في بغداد وعمرك عشر سنوات، وابوك يضربك كلّ يومٍ حتّى تتعلّم صنعة، وحتى تعتاد الجلوس مقرفصاً اربع عشرة ساعة في اليوم وانت تقوم بعملٍ يدوي متكرّر. لو كنت بدوياً بالمقابل، في ريف العراق، فإنّ ابوك يعطيك حين تبلغ العاشرة قطيعاً صغيراً من الأغنام وبندقية، وكلّ ما عليك فعله هو أن تسرح في الصحراء وتتعلّم مسالكها. البدوي قد لا يعرف قيمة العملة، ولكن ذلك لأنّه لا يحتاج الى الشراء والتبادل. حاجاته الأساسية تغطّيها أنعامه، وإن أراد شيئاً آخراً فهو ببساطة «يأخذه» (والبدوي لا يفهم أن يكون لك مال من دون القدرة على حمايته، وأن تدفع ضرائب للسلطان وأن تخاف من جنوده). أمّا «يوم العمل» بالنسبة الى البدوي، فهو يتمثّل في أن يذهب الى التلّة التي تشرف على طريق التجارة الذي يمرّ في مرابعه، وينتظر القافلة الآتية وما سيحمله اليه القدر اليوم (ذهب، منسوجات، توابل، جوار، الخ). وهذه ايضاً تؤخذ على شكل «ضريبة مرور» أو «حماية» أو، احياناً، بالسّلب الصريح. المبالغة في الإعلاء من قيمة العمل والانتاج، واحتقار الرّيع، تأخذ أحياناً شكلاً أخلاقوياً وشبه دينيّ لا علاقة له بالعقلانية (ونحن، في نهاية الأمر، لسنا كالفينيين، والكالفينيّون بالمناسبة كانت شهيّتهم للنّهب توازي شهيتهم للعمل والتقتير).

الأسطول الأخير

مجتمع القراصنة في المتوسّط، كما قراصنة البحر في كلّ مكان، يجذب اساساً المهمّشين والأقليات ومن لا ينسجم في المجتمع الأوسع، فيجد أخويّةً في البحر. أغلب القراصنة البارزين كانوا مسيحيّي المولد كالأخوين برباروسا، وبلقانيين وأوروبيين تحوّلوا الى الإسلام. الرّيّس مراد كان من زعماء القراصنة القلائل الذين تحدّروا من عائلةٍ فلّاحيّة تركيّة «عاديّة» من الداخل الزراعي. دي دانسر كان جنديّاً هولندياً منشقّاً، أصبح في اوائل القرن السابع عشر أهمّ القراصنة في الجزائر (ثمّ انشقّ، للمرة الثالثة في حياته، وهرب الى فرنسا، قبل أن يستدعيه الباشا بحيلةٍ ويقتله). يان جانس، الذي علّم المسلمين الابحار في المياه العميقة، وبناء سفن الأشرعة التي لا تحتاج الى مجاذيف، كان هولندياً ايضاً، وأسس ــــ يكتب برادفورد ــــ «جمهورية» للقراصنة في سلا على الساحل المغربي. وصل جانس في غاراته الى ريكيافيك في ايسلندا التي غزاها عام 1627 (يختلف المؤرخون على عدد الأسرى، فيقول برادفورد إنّ جانس ساق أكثر من 400 ايسلندي معه من ريكيافيك، فيما يقول جايميسون إن الغارة كانت قليلة المردود ولم يتجاوز الرهائن العشرات).
أمّا قبطان السفينة الجزائرية «أسدان وتاج»، فقد ولد في كوبنهاغن، وخاض معركةً شهيرة ضدّ بارجة انكليزية ضخمة، اسمها «المغامرة»، عام 1681. ينقل برادفورد أنّ المعركة استمرّت أكثر من ثماني ساعات متواصلة، والسفينتان تتبادلان القصف بالمدافع، حتّى اضطرّ الطاقمان الى ايقاف المواجهة مؤقّتاً لإصلاح الأضرار الكبيرة في السفينتين المثخنتين. بعد 12 ساعة من العمل المحموم في الإصلاح والرّتق، عاد المقاتلون الى الاشتباك، وقد أصابت قذيفة من السفينة الجزائرية مخزناً للبارود على متن «المغامرة»، فانفجر ليقتل ويصيب كلّ من كان في موقع القيادة في مؤخّرة السفينة (أُصيب القبطان الانكليزي في رقبته). ولكنّ طلقةً محظوظة من «المغامرة» أسقطت، أخيراً، الصاري الأساسي لـ «أسدين وتاج»، فأصبحت السفينة الجزائرية مشلولة ولا تقدر على المناورة؛ ولم يعد أمام طاقمها غير الاستسلام. حين أصبح القراصنة الجزائريون في يد الانكليز، الذين أذهلهم أن تقوم سفينة صغيرة بتحدّي بارجةٍ ضخمة ومتفوّقة، أخبرهم البحّارة المسلمون أنّهم، في الحقيقة، كانوا مستعدّين للاستسلام منذ زمنٍ طويل. ولكنّ قرصاناً تركيّاً عجوزاً كان قد رافقهم لهدف المتعة والإثارة واستذكار الماضي، وقد ألهب حماسهم طوال الوقت بقصصه عن المعارك المستحيلة التي خاضها في زمانه وانتصر فيها في وجه عدوٍّ متفوّق، مانعاُ اياهم من التسليم.
شهد نشاط أساطيل تونس والجزائر وطرابلس خفوتاً في القرن الثامن عشر، بعد «قرنين ذهبيين»، ولكنّ القرصنة استمرّت بوتيرات مختلفة حتّى أوائل القرن التاسع عشر، حين شنّت اميركا حروبها الشهيرة على «ساحل البربر» بين 1801 و1815، في أوّل حملةٍ خارجيّة لأميركا، وحصل أوّل انزال للـ»مارينز» في طرابلس. أعلنت الحرب الأميركية النّهاية الرسمية لقوّةٍ بحرية اسلامية ومولد قوّةً جديدة في الغرب، لن تلبث أن تصير امبراطورية قادتها هم، بدورهم، أحفادٌ لقراصنة أوروبيين نهبوا «العالم الجديد» قبل قرون.

الأخبار اللبنانية