العلمانية والدين والدولة الحديثة.. والمثال العراقي "1من 2"

 إنَّ وضعَ العلمانية بمواجهة الدين ليس فعلاً و قولاً جديدين. فالعلمانيون القشريون المتطرفون ينظرون الى الدين والمتدينين والسردية الدينية ككل نظرةً متشنجة وعدوانية تماما وقد لا تخلو من النزوع الاستشراقي الاستعماري المعادي لديانات وثقافات الشعوب غير البيضاء. ومثلهم يفعل غالبية الإسلاميين  من السنة والشيعة وعموم المؤدلِجين والمتأدلجين الدنيين وبخاصة السلفيين المتعصبين، بل هم يبالغون في ذلك حتى نجحوا – وخصوصا في فروع حركة الإخوان المسلمين - في جعل العلمانية صنوا ورديفا للإلحاد.

بين هؤلاء وأولئك ثمة من العلمانيين الانتهازيين من يحاولون الشطب على الفوارق البنيوية العميقة بين العنوانين والمضمونين العلماني والإسلامي، فكان أنْ اخترعوا عنوانا جديدا وملتبسا هو "المدنية والمدنيين" ليس بالمعنى المعاكس للعسكرية والعسكريين المعروف بل بمعنى آخر يوحي بسلطة غير دينية مع الهدف في العراق لم يكن يوما إقامة دولة دينة صريحة ومباشرة بل إدامة صيغة "التحاصص"  الطائفي والعرقي التي أوجدها الاحتلال الأميركي وهذا يعني أن "ملعوبهم" ليس في محله تماما.  والهدف من ذلك هو عدم استفزاز الإسلاميين وتمرير تحالف سياسوي معهم خصوصا إذا كانوا في السلطة، أو يضعون قدما في السلطة وأخرى في المعارضة كالتيار الصدري عندنا في العراق، ومثلهم أيضا يفعل بعض الإسلاميين لهدف انتهازي سياسوي مماثل يحقق لهم عدم استفزاز مرجعياتهم و شركائهم الإسلاميين المتعصبين. يتبع قريبا ضمن استعراض اقتباسي لدراسة مهمة للباحث المقربي د. خالد يايموت حول الموضوع.

أمثلة " علمانية" من بريطانيا وفرنسا والدنمارك  : لست هنا في معرض مناقشة كل تشعبات الموضوع على أهميتها الفائقة بل أردت في هذه البسطة السريعة التوقف عن أبرز مظاهر التداخل بين الدين والعلمانية في أكثر الدول علمانية أو التي ترسخت بهذه الصفة في الإعلام والخطاب السياسي المعاصر وسأورد بعض الأمثلة التي اقتبستها من دراسة مهمة وجديدة في محتواها ورؤيتها للموضوع للدكتور خالد يايموت بعنوان ( الدين والدولة في السياق الغربي تفاعلات «الإنجيلية» في زمن الصحوة الدينية ) تجدون رابطها في خانة أول تعقيب مع آخر جزء من هذه المقالة:
-
في بريطانيا مثلا لا تزال ( ملكة بريطانيا والكنيسة في النموذج الديمقراطي البريطاني، هي صاحبة السيادة العليا، والحاكم الأعلى للكنيسة الإنجليكانية، وتتمتع بصلاحيات تعيين الأساقفة ورؤسائهم. ومن الناحية التشريعية القانونية، يمكن للمجمع الكنسي الإنجليكاني البريطاني أن يتقدم باقتراح قوانين تكون سارية المفعول، بعد اعتمادها من طرف البرلمان. كما يتمتع المجمع الكنسي بحق التشريع بأحكام الشريعة المسيحية الإنجليكانية، بعد موافقة الملك أو الملكة، ذلك أن القانون يعتبر أن "كنيسة إنجلترا" (الكنيسة الإنجليكانية) و"كنيسة اسكتلندا"، الكنيستين «الرسميتين»، المقررة لمراسم الدولة ذات الطابع الديني، ولا يحصل أعضاؤها مع ذلك على أية ميزة بكونهم أعضاءها
).
 -
يعتبر الدستور الدنماركي أن "الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هي الهيئة الدينية الوحيدة في البلاد التي لها حق الحصول على إعانات مالية، أو تمويل مباشر من خزينة الضرائب في الدولة
".
 -
في مهد العلمانية المتطرفة فرنسا ( يمكن الاسترشاد بالنموذج الفرنسي للتدليل على تشابك التداخل، وفي الوقت نفسه سلطوية السلطة السياسة على الدين، حيث يتدخل فيه رئيس الجمهورية للتعيين في مناصب دينية عمومية. ففي ستراسبورغ وميس، بإقليمي الألزاس واللورين، وبموجب القانون، يعتبر رجال الدين في الكنائس موظفين عموميين يتلقون أجورهم من خزينة الدولة، كما يتمتعون بحق تقديم دروس التعليم الديني في مدارس الجمهورية
).
 -
يمكن الحديث أوروبيًا عما يطلق عليه «ضريبة الكنيسة» التي يدفعها المنتمي للكنيسة عبر خزينة الدولة لكنيسته. وهذا النظام معمول به في كثير من الدول الأوروبية، منها: السويد والنرويج وألمانيا وإيطاليا والنمسا وفنلندا والدنمارك وآيسلندا. غير أنه لا بد من التأكيد على خاصية يتمتع بها النموذج الفرنسي، وهي كونه «سلطويًا» وحادًا، واستعماليًا للقانون للحد من حرية الدين
.
-
لا بد من التأكيد على خاصية يتمتع بها النموذج الفرنسي –للعلمانية
  وهي كونه «سلطويًا» وحادًا، واستعماليًا للقانون للحد من حرية الدين. ولقد صيغ هذا النموذج الأوروبي بالتداخل بين العلمانية واللائكية عنده ( أعتقد ان الباحث يايموت يفرق بين العلمانية، أي النسخة الأنكلوساكسونية الإنجيلية المعتدلة والمتسامحة، وبين اللائكية أي النسخة الفرنسية المتطرفة والايديولوجية من العلمانية بالمعنى السلبي للكلمة الأخيرة " الأيديولوجيا" وهو تفريق يثير العديد من الاعتراضات والتحفظات على الصعيد الكاديمي . ع ل ). ولكن ما هي المراحل التاريخية التي مرت بها العلمانية الأوروبية؟ يتبع قريبا.

مراحل العلمانية الأوروبية : وبحسب الباحث فقد مرت  العلمانية تاريخيا بمراحل ثلاث:

- الأولى صراعية، هدفت إلى تحقيق الفصل بين الكنسي والزمني ( بكلمات أخرى بين الديني والدنيوي، ومن الكلمة الأخيرة اشتق البعض كلمة " المدني " وهذا محض إنشاء لا محتوى علمي له، فكل الدول سواء كانت ملحدة او وثنية أو  دينية هي مدنية أي دنيوية وليست في عالم الغيب خارج الدنيا والزمن. ع ل).

- المرحلة الثانية التي اتسمت بتحييد الكنسي وتشريعاته، لتكريس التشريع الوضعي.

-المرحلة الثالثة والمعاصرة فهي المرحلة الحوارية و التي نقلت العَلمانية إلى نظام سياسي تعددي بعد أن  ( تتعرض لضغوط مجتمعية، وعالمية في قسم كبير منها. ذلك أن مبادئ حقوق الإنسان، كما هو متعارف عليها عالميًا، جعلت من العلمانية، حسب جاكلين كوستا - لاسكو ، "قيمة حوارية").

- المراحل الثلاث السابقة شكلت تطورا تاريخيا عبر مسارين خاصين:

( ففي أوروبا الغربية، - استطاعت - كثير من البلدان المحافظة على حلقة الوصل مع هوية الدين، في حين أن بعض البلدان تخضع لنظام فردي شمولي، كما هو الحال في الشرق الأوروبي سابقًا).

- وعلى الجانب الآخر، تعمل الأنظمة الديمقراطية العريقة، في معظمها، على ضمان الحرية الدينية في دساتيرها.

- ومع ذلك، تحضر العلمانية والدين في كثير من الأحيان، بشكل ضمني، في الحاضر والممارسات الاجتماعية، وهو ما يفسر كون "عدد من الدول الأوروبية لا تزال تعاني من دين الدولة".

- كما أن الواقع السوسيولوجي يؤكد أن هناك "حالة دينية تقبع داخل العلمانية، وتتكيف باستمرار مع الفضاء العام"، بتعبير الفيلسوف الفرنسي إيف لامبير.

انتهت المقتبسات فما الخلاصة والاستنتاجات؟ ذلك ما سنقرأه في القسم الثاني  من هذا المنشور .. يتبع