ردا على عامر بدر حسون :المحاصصة الطائفية هي المشكلة وليس الحل!

بدأ السيد عامر بدر حسون حملته الكتابية منذ عدة أشهر بدفاع متأخر ومفاجئ بعض الشيء عن الحصار الغربي الأميركي العربي ضد العراق الذي فرض عليه بعد مغامرة صدام حسين الفاشلة في الكويت بداية التسعينات من القرن الماضي مصحوبا بتشويه مقصود ورخيص لمواقف القوى والشخصيات الوطنية العراقية والإنسانية الأجنبية التي وقفت ضد الحصار الإجرامي وخصوصا منها الأصوات العراقية متهما إياها بالعمالة لنظام صدام ومخابراته. ولكن اتهامات حسون لم تكن تستند إلى أدلة موثقة أو حقائق معلنة ومعترف بها بل على أساس تفسيرات ذاتية لنشاطات وكتابات و شائعات كيدية أقرب الى الوشايات والشائعات التسقيطية والتي يمكن ان تذكرنا بتلك الاتهامات – والتي لا دليل عليها هي الأخرى - التي وجهها عدد من الكتاب والناشطين على مواقع التواصل والصحافة الرقمية إلى السيد حسون حول علاقاته الملتبسة والقديمة - كما قيل - بالمخابرات السورية و بشخص رئيسها علي دوبا. وقد واصل الكاتب حملته منتقلا إلى مرحلة متقدمة نوعيا هي جزء عضوي من سابقتها وهي الدفاع الصريح عن الاحتلال الأميركي الدموي وتبرير الفظاعات التي ارتكبها ليرتقي أخيرا إلى ذروتها في الدفاع عن نظام المحاصصة في مقالة له بعنوان مستوحى من شعارات حركات "الإسلام السياسي" في الثمانينات من القرن الماضي يقول "المحاصصة هي الحل !". من الواضح أن ما دعوناها المراحل الثلاث في حملة السيد حسون هي أجزاء ملتحمة عضوياً وسببياً و هدفياً تؤدي كل مرحلة منها إلى الأخرى بسلاسة واتساق شكلا ومضمونا.

دعونا نسجل أن السيد حسون ليس الشخص الأول الذي يدافع علنا عن المحاصصة الطائفية فقد سبقه النائب السابق حسن العلوي في هذا المسعى. فقد زعم العلوي في لقاء تلفزيوني – على شاشة قناة البغدادية شاهدته بنفسي قبل أكثر من عام - أن المحاصصة نظام حكم مأخوذ به في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية نفسها إضافة الى دول أخرى لم يذكرها بالاسم، محاولا دعم منطقه هذا بدعوى أن جميع الأقاليم في بريطانيا والولايات المتحدة تشارك في الانتخابات وتشكيل الحكومات. والعلوي هنا يحاول استغفال القارئ بأن يلعب معه لعبة "الثلاث ورقات" بشكل ساذج و مثير الشفقة فيساوي بين الأقاليم الجغرافية للدول والمجتمعات المندمجة مجتمعيا وبين مكونات ما قبل الدولة كالطوائف الدينية والعشائر في العراق المحتل والتي أراد الاحتلال الأميركي أن يقيم لها دولة مكونات ممزقة ومتذابحة....الخ.

يبدأ السيد حسون مقالته من الجملة الأولى بتسفيه مواقف خصومه الفكريين والسياسيين المناهضين للاحتلال وحكم المحاصصة معتبرا الوقوف ضد نظام المحاصصة الطائفية والعرقية الذي جاء به الغزو الأميركي مجرد "موضة" شتائم سائدة، مبدياً عدم استغرابه من ذلك لأنه – كما قال - جزء من " ثقافتنا " القائمة على ( شتم ما لا تستطيع التعامل معه وفق قيمها المتوارث)، ورغم الحذلقة اللغوية التي يعتمدها الكاتب ولكن الرائحة الاستشراقية العنصرية المعادية للثقافات المحلية للشعوب ومنها شعبه العراقي لا تخفى على القارئ.

المشكلة المعقدة التي يواجهها القارئ والمحلل لما كتبه حسون هي أنه يقول الشيء ونقيضه، فهو بعد أن اعتبر أن المحاصصة هي الحل الذي لا بديل له، يعود لينفي وجود المحاصصة أصلا في دستور النظام الحاكم في حركة بهلوانية مضحكة.

يكتب حسون بكل راحة بال (لم ينص الدستور او النظام الداخلي للبرلمان على شيء اسمه محاصصة.. والمرة الوحيدة التي تطرق فيها الدستور لهذا كانت مادة تدعو الى "مراعاة تنوع المنتمين للقوات المسلحة العراقية" وهي اشارة واضحة كي لا يكون الجيش عربيا فقط او شيعيا فقط والخ) والواضح أن حسون يريد أن يكرر لعبة حسن العلوي ولكن بدلا من استخدام عبارة " أقاليم جغرافية " يحاول استخدام مفردة " المكون " ومشتقاتها كبديل لمفردة " الطائفة " ومشتقاتها. وهو هنا يقفز قفزة غير موفقة ومشبوهة على واقع حال النظام القائم بكل تفاصيله على المحاصصة الطائفية : فمن الرئاسات الثلاث مرورا بالوزارات وصولا إلى الدرجات الخاصة والمدراء والعام مين والمدراء العاديين – كما اعترف المالكي وبعده العبادي – تخضع لمنطق التنقيط ( احتساب نقاط معينية تعادل عددا من المقاعد البرلمانية التي يتحصل عليها ممثلو كل طائفة أو إثنية ) والمحاصصة الطائفية والعرقية وهذا إضافة إلى واقع أن الأحزاب والتيارات والشخصيات والمليشيات والفصائل المسلحة وهيكيلية المؤسسة العسكرية من جيش وشرطة ومخابرات قائمة على... وتخضع لقواعد تقاسم بموجب المحاصصة الطائفية.

إن الكذبة الدستورية التي زعمها الكاتب لا تلبث أن تنكشف على حقيقتها فهذا الدستور الاحتلالي الذي فبرك وسلق سلقاً في ليلة ظلماء وتحت إشراف خبراء أجانب من بينهم الصهيونيان نوح فيلدمان وبتير غالبريث، هذا الدستور لم يستعمل في متونه ومواده كلمات "محاصصة و طائفة" فعلا بل استخدمت كلمات من قبيل "توازن المكونات" الأكثر أناقة وخبثا. ولكن معلومات السيد حسون مثير للشك العميق وتحتاج إلى تفحص ورصد سياقي و مضموني فقضية التوازن بين المكونات، وبالتالي مفردة المكونات، بوصفهما حجر الأساس في دولة المكونات الطائفية التي جاء بها الاحتلال الأميركي ودافع عنها الحكام الجدد وخاصة جلال الطالباني ، تعني - أولا - توازنا في توزيع المناصب والمغانم لا بين المكونات " الطوائف والعرقيات " بل بين زاعمي تمثيل هذه المكونات والعرقيات في عملية مصادرة وتزوير لإرادة ملايين العراقيين من قبل حلفاء الاحتلال الأميركي قبل أي انتخابات وبقوة البابات الاحتلالية ثم شاهدنا هؤلاء - وغالبيتهم الساحقة إن لم يكونوا جميعهم من اللاجئيين والهاربين الذين عاشوا عقودا خارج العراق بسبب اضطهاد وقمع نظام صدام حسين - وهم يصلون الى البرلمان ثم الحكومة عبر لعبة انتخابية متقنة يحكمها قانون انتخابات وآليات خاصة غاية في الخبث والدهاء، وثانيا فهذه القضية المتعلقة بالمكونات وضرورة ضمان توازنها عبر حكم المحاصصة لم تذكر في الدستور الاحتلالي مرة واحدة - كما يكاد يحلف السيد حسون - بل ذكرت سبع مرات .

نعم، إن قضية المكونات " الطوائف والعرقيات" والتوازن بينها لم ترد مرة واحدة فقط، كما يقول الكاتب عامر بدر حسون للتهوين من شأنها بشكل غير نزيه وفي محاولة لاستغفال القارئ أو ربما بسبب جهله بالدستور النافذ وعدم اطلاعه أصلا عليه، بل وردت سبع مرات : مرتين في ديباجة الدستور. وهي ديباجة تقطر طائفية صريحة و عجرفة وتنفجا إنشائيا لا مثيل له في كل دساتير العالم، كما ذكرت خمس مرات في مواد دستورية تأسيسية ومهمة جدا منها المادة "12" الخاصة بعلم الدولة وشعارها ونشيدها الوطني فهذه المرموزات التأسيسية والسيادية كما يقول الدستور الاحتلالي يجب أن ترمز إلى مكونات الشعب ( اقرأ لطفا: طوائف الشعب، وليس إلى الشعب العراقي الواحد، و هذا ما يستوجب من الوطنيين والديموقراطيين العراقيين الحقيقيين المطالبة كإجراء أول بتطهير الدستور من كلمة مكون وجميع مشتقاتها أينما وردت واستبدالها بعبارة " الشعب العراقي" ) وهذه هي المواد الخمس باختصار:

المادة 9 أولا : ـ تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي ، بما يراعي توازنها وتماثلها.

المادة (12):اولاً : ينظم بقانون علم العراق وشعاره ونشيده الوطني بما يرمز إلى مكونات الشعب العراقي .

المادة (49):أولاً : يتكون مجلس النواب من عدد من الاعضاء بنسبة مقعد واحد لكل مائة الف نسمة "..."، ويراعى تمثيل سائر مكونات الشعب فيه .

المادة (125): يضمن هذا الدستور الحقوق الادارية والسياسية والثقافية والتعليمية للقوميات المختلفة كالتركمان ، والكلدان والاشوريين ، وسائر المكونات الاخرى ، وينظم ذلك بقانون .

المادة (142): أولا ـ يشكّل مجلس النواب في بداية عمله لجنة من أعضائه تكون ممثلة للمكونات الرئيسية في المجتمع العراقي مهمتها تقديم تقرير إلى مجلس النواب ، خلال مدة لا تتجاوز أربعة أشهر ، يتضمن توصية بالتعديلات الضرورية التي يمكن إجراؤها على الدستور .

وكما يلاحظ القارئ فالمادة الأخيرة " 142"  أسوأ حتى من "محاصصة عادية" بين ممثلي جميع المكونات لأنها تنيط مسألة التعديلات الدستورية بلجنة لممثلي المكونات الرئيسية فقط، وحتى هذه اللجنة لا قيمة لها لأن قضية تعديل الدستور محكومة بالفتيو ذي الجوهر العنصري الوارد في مادة أخرى تجعل أي تعديلات للدستور ساقطة إذا صوت ضدها جمهور الناخبين في ثلاث محافظات والمقصود بهذا التحديد " ثلاث محافظات " هي المحافظات الكردية الثلاث التي تشكل الإقليم الكردي الذي يحكمه تحالف البارزاني والطالباني  منذ ما  قبل احتلال  العراق أي منذ سنة 1991 وهذا موضوع آخر فلنعد إلى ما كنا فيه. 

 اسمحوا لي هنا أن اقتبس فقرة ذات علاقة بموضوع "الطائفية الدستورية"  من واحدة من سلسلة مقالات حول الدستور العراقي الاحتلالي  نشرتها في الصحافة العراقية والعربية قبل بضعة سنوات (  سيقول البعض أن الدستور العراقي يخلو من مواد تشير صراحة إلى التوزيع الطائفي للمناصب أو المؤسسات، وهذا صحيح نسبيا، فهناك أنواع من السموم القاتلة عديمة اللون والطعم والرائحة، ولكنه صحيح نسبيا بمقدار صحة قولنا إن الدستور اللبناني يخلو من هكذا مواد طائفية. ولكنْ، هل منع الدستور اللبناني قيامَ وتَرَسّخِ أصلب دولة طائفية في العالم؟ لقد تحول "العُرف السائد" و "السابقة التاريخية" و "المتعارف عليه فقهيا"  إلى مولِدات حقيقية لما يمكن تسميته بدستور الأمر الواقع الطائفي. وعليه، أصبح اليوم كلُّ مَن يطالب بأن يكون رئيس الجمهورية من غير الطائفة المسيحية المارونية، أو رئيس الوزراء من غير السُنة، أو رئيس مجلس النواب من غير الشيعة كمن يعلن الحرب الأهلية على الأطراف الأخرى. وبما أنَّ المحاصصة الطائفية عندنا في العراق ما زالت "صبية يافعة" لم تكمل عقدها الأول، وبما أنَّ قوات الاحتلال مازالت تمثل قوة الأمر الواقع الحقيقية،  وبما أن ممثلي الطوائف والإثنيات العراقية "السنة والشيعة والكرد والتركمان" أو زاعمي تمثيلها، هم الذين يهيمنون على المسرح السياسي من الألف إلى الياء إذْ لا وجود لأية قوة وطنية حقيقية خارج هذا التقاسم، فقد أصبح الطريق لاحباً  أمام ترسيخ الطائفية وفي أوسخ صورها، حتى أننا يمكن أن نشهد تحالفا يجمع السياسيين والعسكريين الطائفيين من السنة والشيعة والكرد والتركمان يقف ضد أي مدينة أو قرية أو تيار سياسي شعبي في العراق يتمرد على هذا النظام الطائفي! ينبغي إذاً أنْ يكفَّ البعضُ عن التفريق بين ذيل السمكة ورأسها، وأن يصدحوا بالحق فيعترفوا بفشل العملية السياسية الأمريكية القائمة على دستور طائفي ويبادروا إلى إطلاق عملية سياسية وطنية تعلق العمل بالدستور الحالي، وتشرع في عملية إعادة كتابته أو تعديله بأقلام وعقول وطنية عراقية فقط ليكون دستورا مُرَسِّخا لمبادئ الدولة المدنية وحقوق المواطنة الحديثة، ومُجَرِّما للطائفية والعنصرية، و قاطعا مع تراث الدكتاتورية الصدامية و مع إفرازات الاحتلال الأجنبي). وقد طورت لاحقا فكرتي هذه وأصبحت عبارة  "أقلام وعقول وطنية عراقية فقط" تعني عندي " أقلام وعقول خبراء دستوريين مهنيين ومستقلين ومن ذوي الاختصاص المشهود لهم بالنزاهة و المهنية والاستقلال".

ننتقل الآن من موضوعة نفي الكاتب لوجود المحاصصة و الطائفية في الدستور إلى نقيضها الذي عبر عنه في مواضع أخرى من مقالته وهو وجود المحاصصة الطائفية ومحاولة تبريرها وتسويقها مجددا بعد أن أصبح العراق خرابا يبابا وبلدا منهوبا و مستباحا بسببها فها هو يقول ( لكن ما هي المحاصصة أولا؟ ولماذا يتم الاعتماد عليها؟ لنحدق قليلا في الواقع العراقي ونعترف به اولا ثم نشخص المرض والعلاج) وبعد ان ينتهي الكاتب من تحديقه في الواقع العراقي يصف لنا ما حدق به فلا نجد سوى حكم طائفي قائم على أساس دولة المكونات ودستورها و ( كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم ماء). والكاتب يعترف هنا، و في زلة لسان فادحة ولها مغزاها،  حين يعلن اعترافه بالواقع "واقع حكم المحاصصة" بعد أنكر وجوده دستوريا بل ويحاول أن يفرض علينا التصديق والإيمان بإيجابية هذا "الواقع" لمجرد أنه، وبسبب أنه واقع، وهكذا فيجب علينا الاعتراف بإيجابية الطاعون والصهيونية والإبادة الجماعية وقتل الأطفال وتجارة العبيد لأن هذه الأمور  واقع، أو لأنها موجودة كواقع في الواقع هذا محض هذيان تبريري فاسد لا قيمة له. ولكن كيف ينظر حسون الى الواقع السياسي الراهن في البرلمان العراقي ؟

في الحقيقة فإن الكاتب عامر بدر حسون  لا يأتي بجديد حين يكتب (البرلمان يتكون من الفائزين في الانتخابات، وعددهم عندنا يزيد على 320 نائبا، ومن غالبية هؤلاء النواب تتشكل الحكومة وتحصل على موافقتهم أولا! لا يوجد في العراق حزب يمكن ان يفوز بالأكثرية المطلقة في الانتخابات (50+1) حتى يستطيع تشكيل الحكومة لوحده وتحويل الاخرين الى معارضة برلمانية.. ولن توجد هذه الامكانية حتى وقت غير قصير. فما العمل؟) إن تساؤل الكاتب "ما العمل؟ " لا يعني البحث عن حل أو بديل على طريقة عنوان كتاب مؤسس الاتحاد السوفيتي فلاديمر لينين " ما العمل ؟"  بل هو يشي بأن قائله  لا يريد بديلا  بل هو يعتبر البديل تخريبا وكارثة  وها هو الواقع أمامه و ما عليه  سوى الاعتراف به وتكريسه ولتسويقه للآخرين كقدر مقدور ومحتم  لا راد له. لنذكر عرضا ان حسون حين يكتب (لا يوجد في العراق حزب يمكن ان يفوز بالأكثرية المطلقة في الانتخابات (50+1) حتى يستطيع تشكيل الحكومة لوحده وتحويل الاخرين الى معارضة برلمانية) لا يتعب نفسه فيسأل عن سبب عدم  وجود هذا الحزب والذي يكمن في ان النظام هو نظام طائفي في دولة مكونات لا دولة مواطنة لدرجة أن أعرق الأحزاب السياسية الوطنية البرنامج والتكوين كالحزب الشيوعي العراقي تم اعتبار ممثليه في مجلس الحكم الذي أسسه الاحتلال الأميركي و بموافقة مجموعة حميد مجيد وفخري كريم ومفيد الجزائري   التي تقوده  بطريقة أشبه بالاختطاف ، تم اعتبارها جزءا من الحصة الشيعية في الكعكة السلطوية!

الغريب أن حسون يعود إلى الأسطوانية المشروخة التي شغَّلها حسن العلوي وسلفت الإشارة إليها، ولكنه عوضا عن ضرب الأمثلة من بريطانيا و الولايات المتحدة،  يلجأ الى مثال عزيز على قلوب الطائفيين والمدافعين عن الاحتلال وإفرازاته هو مثال "دولة إسرائيل"، و  تحديدا شخص مجرمة الحرب الممنوعة من دخول عدد من الدول الأوربية تسيفي ليفني، لنقرأ ما كتب حسون بهذا الصدد (  لسنا فتحا جديدا في هذه السياسة.. فغالبية من الدول مرت وتمر بهذه الحالة.. وقبل سنوات فازت تسيفني ليفي في الانتخابات الاسرائيلية وكلفت بتشكيل الحكومة.. وكانت بحاجة لصوت واحد في الكنيست (البرلمان الاسرائيلي) حتى تعلن حكومتها.. لكن الحزب (الذي كان يملك صوتا واحدا في البرلمان) طلب ثمنا غاليا مقابل دعمه فرفضت تقديمه له وهكذا ذهبت رئاسة الحكومة لنتنياهو! لم يهتف احد هناك ضد المحاصصة..) في الواقع – وسأقوم هنا بدور محامي الشيطان مضطرا- فإن دولة الكيان الصهيوني النووية والمجرمة بحق شعوب المنطقة القائمة على اغتصاب أرض شعب آخر والمحمية من الغرب الإمبريالي وزعيمته صانعة حكم المحاصصة الطائفية في العراق ، هذه " الإسرائيل" بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب لأنها لا تقوم على أساس "المحاصصة الطائفية" بل تتصرف دولتها الاستيطانية العنصرية  حسب آليات اللعبة اللبرالية الانتخابية في مجتمعات مندمجة، مع انها أصلا دولة لمجتمع من المهاجرين وشذاذ الآفاق  وليسوا من المواطنين الأصليين. والانتخابات فيها، وبالتالي تشكيل الحكومات، لا يقوم على التحاصص بين زاعمي تمثيل الطوائف والعرقيات بل بين أحزاب إسرائيلية مدنية في دولة تفصل – وإن بشكل مضحك – بين الدين والدولة! وقلت بشكل مضحك لأن إسرائيل وزعماءها  في الوقت نفسه الذي تتبجح فيه بعلمانيتها فهي تطالب العالم وبخاصة السكان الأصليين الفلسطينيين بالاعتراف بها كدولة يهودية خاصة باليهود .

إذن فالمثال الصهيوني الذي ضربه حسون  محاولا أن يجعله مثله الديموقراطي المحاصصاتي الأعلى لم يكن موفقا البتة بل هو محض تهريج بائس، وقد يعتبره البعض ترويجا مشبوها للصهيونية ودولتها.

حسون والبدائل والاحتمالات " خوجه علي مُلا علي" "4" : يصعد حسون  في خطابه درجة أخرى وها هو يحرض ضد ، أو يسفه  أية محاولة من داخل النظام للخروج من المحاصصة ومحاصرتها أو التخفيف من حدتها ومن خنقها للدولة والمجتمع مع أن محاولات إصلاح النظام من داخله باتت عمليا مضحكة و شبه مستحيلة ، ولكنه يقف ضدها لأسباب مختلفة ولا علاقة لها بالبديل الوطني الديموقراطي بل بالحفاظ على الواقع الفاسد والمنخور القائم، فيكتب ( لكن ماذا سيحصل لو استطاعت الاحزاب الشيعية "شراء" نواب سنّة او كرد او من الاقليات لاكمال العدد المطلوب لتشكيل الحكومة؟ سنحصل على كارثة متكاملة اسمها الحكومة الشيعية التي تحكم الكرد والسنة..  واين؟ في بلد خرج للتو من حرب طائفية ما زالت اثارها تتحكم بالكثير!) نمر على  عبارة الكاتب  المهينة  وذات الدلالات "شراء نواب"، ونسجل انه يتخيل إمكانية تشكيل حكومة من الشيعة فقط، وهذا شبه محال، ولم يفكر فيه أعتى الطائفيين الشيعة، ولكننا نشم هنا تحديدا رائحة الفزع والذعر الذي عبرت عنه القيادات الكردية وخصوصا مسعود البارزاني حين ظهرت إمكانية تشكيل حكومة أغلبية سياسية بين تحالفي المالكي وعلاوي ذات مرة بعد الانتخابات التشريعية  وحينها قامت قيامة الاتحاد الكردستاني ولم تقعد إلا بعد بفشل المحاولة  وتخريبها بتآمر من المشبوه طارق الهاشمي وقيادته آنذاك كما انكشف  لاحقا.

ثم يمضي حسون ليتخيل احتمالات أخرى منها تشكيل حكومة من  ممثلي الشيعة والسنة فقط وهنا كما يعلن سيتحقق (الخراب النهائي في العلاقة مع والكرد) ثم يكتب تخيلا آخر ( لكن ماذا سيحصل لو اتفق الشيعة والكرد وطردوا السنة من المشاركة في الحكومة؟ستكون هناك حكومة شيعية كردية موجهة علنا ضد السنّة وهي الكارثة المحققة دون شك!). وحسون ينسى  وربما يتناسى أن الحكم القائم في العراق يتشكل جوهريا على أساس تحالف شيعي كردي وليس للعرب السنة سوى خيار المشاركة أو العدم ، وبعد كل هذه التخيلات الأقرب إلى الكوابيس ها نحن في موقف يذكرنا بجدنا الفاتح طارق بن زياد فالمحاصصة من ورائنا و من أمامنا وليس لنا و الله إلا المحاصصة ثم المحاصصة فالمحاصصة! فيا لبؤس المسعى وخراب التدبير!

 بصراحة، ومع الاحترام لشخص وبشرية الكاتب،  فإن ما يقوله هنا لا يستحق الرد والتعليق فهو كلام متهافت وتحريضي لا يستند إلى وعي سياسي أو حتى نباهة صحافية مهما كانت بسيطة. أما قوله أن ( هناك حل طبيعي لكنه بطيء ويتمثل في تطور وعي الناخبين وانتخاب قوى عابرة للطوائف والقوميات.. وهذه القوى يمكنها ان تحدث التغيير المطلوب) فهو مجرد كيشلة لذر الرماد في العيون كما يبدو وإلا لكان توقف عند هذه الفكرة وطورها لتكون طريقه إلى بديل معقول وقابل للنقاش لا أن يطلقها كتهويمة صغيرة وشاحبة  في سماء الاحتمالات العامة أو كما يقول العراقيون ( كلمة إل تنقال ) .

إن الكاتب مأخوذ بشبح و واقع المحاصصة معا، وهو لا يتخيل أي بديل فعلي وملموس أو حل جذري وعملي لتناقضاتها حتى من داخلها – الاحتمال الذي لا أرجحه ولا اميل إليه – . وهو بالتالي  ينفي ويشطب على أي تفكير نقدي ومتفائل يمكن أن يستشرف إنهاء  الأزمة الوطنية الشاملة التي يتخبط بها العراق منذ سنة الغزو 2003 وحتى اليوم، ولا يمكن بالتالي مناقشة هذه التخيلات والتفسيرات والحجج لأنها تنتمي وتستند وتحتج بالواقع القائم المرفوض وطنيا وإنسانيا وبالتالي فرفض هذه الرؤية نقديا  يجب ان يكون جزء من رفض هذا الواقع و الانحياز للبديل الوطني الديموقراطي القائم على إنهاء نظام المحاصصة وإعادة كتابة الدستور من قبل خبراء دستوريين متخصصين ومستقلين حزبيا، وإقرار قانون انتخابات جديد و ديموقراطي يفصل بين الأحزاب الطائفية الدينية  الصريحة فكرا وتكوينا والتي يجب تحريمها وبين الأحزاب السياسية الأخرى اليسارية واليمينية بما فيها الأحزاب ذات الخلفيات الثقافية الدينية العامة والقريبة من نمازج الأحزاب الديموقراطية المسيحية في أوروبا  أو الأحزاب الديموقراطية الإسلامية في تركيا وتونس والمغرب.

أدناه نص مقالة  السيد عامر بدر حسون موضوع النقد 

المحاصصة هي الحل!

--------------------

عامر بدر حسون

---------------

مازالت "الموضة" السائدة عند السياسيين والمثقفين والاعلاميين هي شتم المحاصصة!

ولا غرابة في هذا.. فثقافتنا وسياستنا قامت على شتم كل ما لا تستطيع التعامل معه وفق قيمها المتوارثة.

انا اظن ان المحاصصة هي الحل!

***

لم ينص الدستور او النظام الداخلي للبرلمان على شيء اسمه محاصصة.. والمرة الوحيدة التي تطرق فيها الدستور لهذا كانت مادة تدعو الى "مراعاة تنوع المنتمين للقوات المسلحة العراقية" وهي اشارة واضحة كي لا يكون الجيش عربيا فقط او شيعيا فقط والخ..

ومن يرفض مراعاة هذا التوازن في القوات المسلحة هو شخص مغرض يريد تحويل الجيش الى قوة خاصة بديانة او طائفة او قومية ويريد له الاستئثار بالقوة الضاربة في البلد.

هل عندك شك في هذا؟!

***

لكن ما هي المحاصصة اولا؟ ولماذا يتم الاعتماد عليها؟

لنحدق قليلا في الواقع العراقي ونعترف به اولا ثم نشخص المرض والعلاج.

***

البرلمان يتكون من الفائزين في الانتخابات، وعددهم عندنا يزيد على 320 نائبا، ومن غالبية هؤلاء النواب تتشكل الحكومة وتحصل على موافقتهم اولا!

لا يوجد في العراق حزب يمكن ان يفوز بالاكثرية المطلقة في الانتخابات (50+1) حتى يستطيع تشكيل الحكومة لوحده وتحويل الاخرين الى معارضة برلمانية.. ولن توجد هذه الامكانية حتى وقت غير قصير.

فما العمل؟

***

الكتلة او الحزب الفائز في الانتخابات يلجأ للاخرين كي تكون له اكثرية في البرلمان، وهؤلاء يدعمونه مقابل مشاركتهم في الحكم.. اي تكون لهم وزارات ومراكز اخرى حسب عدد نوابهم في البرلمان.

لسنا فتحا جديدا في هذه السياسة.. فغالبية من الدول مرت وتمر بهذه الحالة.. وقبل سنوات فازت تسيفني ليفي في الانتخابات الاسرائيلية وكلفت بتشكيل الحكومة.. وكانت بحاجة لصوت واحد في الكنيست (البرلمان الاسرائيلي) حتى تعلن حكومتها.. لكن الحزب (الذي كان يملك صوتا واحدا في البرلمان) طلب ثمنا غاليا مقابل دعمه فرفضت تقديمه له وهكذا ذهبت رئاسة الحكومة لنتنياهو!

لم يهتف احد هناك ضد المحاصصة..

لكن الهتاف عندنا مازال عاليا وصاخبا وهدفه، كما ارى التغطية على نوايا سيئة، اضافة الى صخب الجاهلين الذين لا يعرفون كيف تتشكل الحكومات في النظام البرلماني..

***

الاحزاب الشيعية (وهي تشكلل الكتلة الاكبر في البرلمان) لا تستطيع لوحدها تشكيل الحكومة بسبب قلة عدد اعضائها اضافة الى كثرة مشكلات هذه الاحزاب وتنافسها.

لكن ماذا سيحصل لو استطاعت الاحزاب الشيعية "شراء" نواب سنّة او كرد او من الاقليات لاكمال العدد المطلوب لتشكيل الحكومة؟

سنحصل على كارثة متكاملة اسمها الحكومة الشيعية التي تحكم الكرد والسنة..

 واين؟ في بلد خرج للتو من حرب طائفية ما زالت اثارها تتحكم بالكثير!

***

لنترك هذه الفكرة جانبا ونرى ما يمكن حصوله لو اتفق النواب الشيعة والسنة على تشكيل الحكومة وابعاد الكرد عنها!

هل سنحقق شيئا غير الخراب النهائي في العلاقة مع والكرد؟

لكن ماذا سيحصل لو اتفق الشيعة والكرد وطردوا السنة من المشاركة في الحكومة؟

ستكون هناك حكومة شيعية كردية موجهة علنا ضد السنّة وهي الكارثة المحققة دون شك!

***

اود تذكير من يستنكرون هذا التبسيط بان لا حزب في البرلمان العراقي حتى اليوم يمكن وصفه بالحزب الديمقراطي العابر للطوائفية والقومية!

 وحتى لو كان هناك حزب واحد فهو غير كاف.. والناس ذهبوا وما زالوا يذهبون للانتخابات بدوافع نصرة الطائفة او القومية أولا!

هل عرفت المرض العراقي وعلاجه المر؟

***

ما تسميه محاصصة هو اشراك الجميع تقريبا في الحكومة، وهذا لاعلاقة له بالفساد.. فالفساد ممكن الحدوث حتى في ظل حزب واحد او طائفة او قومية واحدة.

***

هل ثمة من مخرج من هذا الوضع السيء؟

نعم.. هناك حل طبيعي لكنه بطيء ويتمثل في تطور وعي الناخبين وانتخاب قوى عابرة للطوائف والقوميات.. وهذه القوى يمكنها ان تحدث التغيير المطلوب.

وهناك حل سحري وسريع، لكنه يدخل في باب التمنيات الخيالية، ويتمثل في امتناع كتلة مؤثرة مثل التيار الصدري عن المشاركة في الحكومة القادمة وغنائمها، وتشكيل معارضة برلمانية ينضم لها النائب السني والكردي والمستقل للوقوف ضد الفساد!

لكن هذا مجرد خيال! وان كان لديك اي حل "واقعي" فاهلا وسهلا.