"المؤتمر الوطني التأسيسي": ثورة تاريخية كبرى (2ـ أ/2) 

بدت فكرة "المؤتمر الوطني التاسيسي" ـ بغض النظر عن محاولة سرقتها لاحقا بامل ادراجها ضمن المنطق السياسي الدكاكيني الطائفي ـ غريبة، غير مالوفة بالقياس لتجارب القوى السياسية العراقية المختلفة في الماضي، فالقوى الايديلوجية الحزبية، كرست منذ الخمسينات فكرة "الجبهة الوطنية" التي هي مستوردة غير اصيلة، عرفت في غمرة الحرب الثانية وظهور "الجبهات الوطنية" بين قوى ماعرف بحركة التحرر العالمي وقتها، ورغم ان الفكرة قد تذكر ببعض تداولات مثل هذا المطلب في العشرينات، الا ان الامر كان مختلفا جوهرا بين اليوم وتلك اللحظة، بسبب عدم قدرة المحاولة العشرينية، على اظهار تمايزها الكلي عن مشروع "الدولة البرانية " الاحتلالية عام 1921، وإصرار الإنكليز المحتلين عليها كصيغة مضادة للوطنية المجسدة في ثورة 1920 .
ولابد من الاعتراف بان شعار "المؤتمر الوطني التأسيسي" الحالي، كان فكرة استباقية، وانه لم يكن من نمط الأفكار والمشاريع القابلة للتطبيق انئذ، وحين اطلاقه، واما تشكيل سكرتاريا المؤتمر في باريس في الشهر الحادي عشر من عام الاحتلال 2003 خلال "المنتدى الاجتماعي الأوربي"، واعلانه ضمنه من "11 شخصية عراقية"، فكان خطوة تاريخية، وتأسيسا لوجهة وخيار ذي مغزى انقلابي، يتجاوز الى حد ما حتى وعي القائمين به، ويضعهم امام امتحان غير مسبوق، مشحون بالاسباب والعوامل المجافية، وفي مقدمها الزمن الذي لم يكن من دون فعله، تصور إمكانية وصول العراق والعراقيين لهذه الممارسة اللازمة والحتمية، اذاهم أرادوا ان يعودوا مجتمعا واحدا، وكيانا واحدا، تسوده قوانين الوحدة والتعددية الدينامية الفعالة.
كان العراق وقتها في بداية الحقبة الأخطر من تاريخه، حيث الغالب الكاسح هو كل مايناقض الخيار الجديد، فالعراق يومها فقد "الدولة المركزية" المركبة من اعلى، ومعها الوطنية الحزبية الايديلوجية، ليجد نفسه بلا "رؤية وطنية" من اسفل، فالاحزاب الايديلوجية المستعارة عجزت خلال وجود الدولة المركبة من اعلى بعد عام 1920، عن ان تقيم او تبلور "وطنية عراقية موازية راسخه"، لابل وقامت على قاعدة نفيها كضرورة كانت لازمة لتبرير وجودها، فاستعاضت عنها بمفاهيم متخيلة مستعارة قسرية وبرانية، من نفس نوع الدولة المقامة من المحتلين، وكل مافعلته انها حولت الوطنية الى "الحزب" بدل "الدولة"، فصادرتها داخله، جاعلة إياه هو مصدرها ومقياسها، لا الواقع. الحزب الذي يعتاش من ديناميات الصراع المجتمعي، فيزورها، ويسبغ عليها تفسيراته المضللة المقحمة من خارج الواقع المجتمعي والتاريخي، بحيث يسهم، لابل وقد تحول الى عنصر إضافي مضاد للحركة المجتمعية التاريخية، ولمسارات التشكل الوطني الحديث.
كان انعقاد "المؤتمر الوطني التأسيسي العراقي"، مشروطا، وهو مازال بانتظار، ثورة وطنية كبرى على صعيد المفهوم والفكر والتصورات، بما يقلب كليا، ويغير، كل اشكال الوعي السابقة، الايديلوجية المقحمة، والعقيدية المحلية الجزئية، وهذا يقتضي أولا ان يحل في الأفق العام، اعتقاد، من اولياته العودة الى مغامرة اكتشاف الوطنية العراقية المفقودة والمهملة، والتي تم طمسها في الثلاينات، فالعراق الحديث قام بالاصل على حالة عدم تبلور، وتعذر تحقق الوطنية العراقية ممثلة ب"مجتمع اللادولة"، ففي عام 1920 وعلى غير مايقولة ويدعيه الايديلوجيون المصادرون للوطنية العراقية، لصالح وطنية مستوردة، لم يكن ماحدث ثورة "وطنية عامة" كما تقرر بداهة مصطلحات شائعة مستعاره من أحوال وتجارب عالمية، تعني تشكل الشعوب، واكتمال نمو وحضور برجوازياتها وطنيا، وهو مالم يعرفه العراق الذي شهد حينها ثورة مجتمع "لادولة" ضد المحتلين، وهو في اواخر الطور الثاني من اطوار تشكله بطابعه الديني التجديدي، بعد القبلي، كانت بالأحرى ثورة مجتمع لم يكتمل تشكله وطنيا بعد، بينما تشكله الحديث الصاعدمن الجنوب ـ كما هو قانون التشكل العراقي التاريخي ـ كان مايزال لم يتعد نطاق ارض السواد، ما تسبب في عدم السماح باستكمال عناصر الثورة، فتجلى متحققا عبر جانبها القتالي، مع بعض التعبيرات الشعرية، وبعض المواقف المميزة الخاصة، انما من دون ان تصل رد الفعل على الاحتلال، درجة التحقق في مشروع سياسي. وترجع خصوصيات هذا الجانب الى الطبيعة الكيانية العراقية الامبراكونية، حيث اكتمال التشكل الوطني، يتحقق من خلال النمو اللامتوازن على مستوى البلاد ككل، بقدر مايتحقق في غمرة الصراع بين المستويين والمجتمعين المصطرعين داخل كيان واحد موحد.
هذا النقص العائد للشروط الموضوعيه التاريخية، هو مااتاح وهيأ لقوى الاستعمار الإنكليزي وقتها إقامة الدولة "الحديثة" عام 1921، وجعل بالمقابل، القوى الايديلوجية الصاعدة على انقاض "الحزب الوطني العراقي"، حزب "جعفر أبو التمن" زعيم الوطنية المؤجلة، (بعدما حل حزبه المؤسس عام 1922 اعترافا بالعجز امام مهمته الاساسيه غير المتاحة موضوعيا)، تبادر لا صطناع "وطنية ايديلوجية" قائمه على شطب وإلغاء الوطنية العراقية الكامنة، أساسها والدافع المحرك لها عنصران هما : العجز الفكري وتجاوز المهمة الكبرى لقدارات المتصدين لها واستعدادهم اولا، والحاح وتاجج اللحظة ثانيا، فالضغط الاستعماري عبر الدولة الفوقانية،والسعي لتغيير "مجتمع اللادولة" بالاصرارعلى قلب طبيعته التاريخية، وجوهر علاقاته الإنتاجية، باختلاق طبقة ملاك اقطاعية، في مجتمع مشاعي، عن طريق قانون التسوية لعام 1932 أجج الى اقصى حد الصراع المجتمعي بين المستويين الأعلى المفبرك، والاسفل المستهدف. ماسهل على أحزاب الماركسية، والقومية، والليبراليه، ملء فراغ منح التيارات المذكورة قبولا عاما متسارعا، فرضته بشكله الذي هو عليه، قوة الحاجة الموضوعية، وغياب التعبير المطابق. 
تلك هي الملامح الأساسية للوحة تاريخ العراق الممتدة بين 1921 / 2003، بما هي حقبة طغيان "الوطنية المستعارة"، او "الوطنية الايديلوجية الحزبية" والدولة المركبة من اعلى، مع كل مايتصل بهذه اللوحة من تبدل غير مالوف تاريخيا في وسائل ومحركات وعناصرالصراع التقليدي بين المستويين الاجتماعيين الأساسيين مصدرهما الغرب وثورته الحديثة، وانقلابه الصناعي، وهيمنته النموذجية المفهومية، والمباشرة العسكرية، وهو ماانتهى بعد الغزو الأمريكي لحالة انهيار هي نهاية ومآل حقبة تاريخية، ضمن حقبات تاريخ العراق الحديث، هي الحقبة الثالثة الايديلوجية، بعد القبلية والدينية التجديدية.
هذا الحكم على ماهو قائم وحاصل ومعاش، يتعارض كليا وجذريا مع منظور القوى المنتهية الصلاحية تاريخيا، الحزبية الايديلوجية منها، والاسلاموية الطائفية المتسيدة، فهذه المتصدرة المشهد اليوم، داخل او خارج السلطة،( متظاهرة او حاكمه) تريد ان تصور الوضع وكانه حالة عرضية ضمن سياق موحد، يمكن إصلاحه، او تعديل بعض نواقصه، او مثالبه، وهي بهذا تمارس ماهو كينوننتها، وممكنات تفكيرها بذاتها المنهارة، ساعية دون وعي منها، لتابيدها او إيجاد مبرر لاستمرارها حية، بالمقابل ينهض شعار "المؤتمر الوطني التاسيسي" كمقترح هدفه إعادة بناء الوطنية العراقية، وبالذات واولا، العودة لماهو كبير وملح ومؤجل، أي اكتشاف الوطنية العراقية المطموسة. ف" المؤتمر الوطني التاسيسي" اليوم ليس مؤتمرا يعقد بمن حضر، بل بمن يتغير، باعتباره اطار ومجال ابداع وخلق لخيار تاريخي كبير، ظل مطوسا ملامحه مغفله على مدى قرون مديدة، فالعراق هو "المؤتمر التاسيسي" بما ان " المؤتمرالوطني التأسيسي" اليوم لامعنى له، ان لم يكن مجال وموضع ولادة العراق الغائب. 
مات عراق الايديلوجيا، لينهض عراق الحقيقة المطابقة لكيان استثنائي مركب، مزدوج، صراعي البنية، مهيأ لاعظم مهمة يمكن تصورها في التاريخ البشري الراهن : (تجاوز الخيار الغربي الحديث الى مابعده من ممكنات مخبوءة في قلب الوجود والتاريخ)، وفي أعماق ارض مابين النهرين.
ـ يتبع ـ