لماذا منعت لجنة "السلامة الفكرية" في النجف مؤلفات فضل الله والحيدري؟

آية الله فضل الله

في عهود " الديكتاتورية " كانت هيئة رقابة تفتي بما يسمح بنشره أو حجبة وتظهر الأسطر أو الصفحات المحذوفة مليئة بالنقاط للإشارة الى قرار الرقابة وكانت هيئة الرقابة تشكل عادة من رئيس الوحدة الإدارية ومسؤول الوحدة العسكرية في المنطقة ويستعان بشخص ثالث كأن يكون أمين المكتبة العامة أو غيره من المهتمين بشؤون الثقافة وبإستثناء الأخير الذي قد يكون ملما ببعض شؤون المعرفة ولو بالنسبة فإن بقية المكلفين بهذه المهمة كثيرا ما يكونون من غير المؤهلين لمثل تلك المهمة غير الجليلة على أية حال وتصبح الرقابة حالة مزاجية تتلاءم مع مستوى من الثقافة هابط في العادة . 
 في عهد صدام أصبح الكتاب بحد ذاته مشكلة بل مصيبة وحقا كم كتاب أودى بمقتنيه لا بمؤلفه وأرسله الى الآخرة مع أن الكتاب الممنوع عادة لم يكن متوفرا في العراق والكتب بشكل عام تستورد تحت ضوابط الرقابة الصارمة لوزارة الثقافة والإعلام والكتاب الذي تجده في أي مكتبه هو نفسه في الأغلب يباع في المكتبة التابعة لدائرة الصحافة والمطبوعات بوزارة الإعلام ومع ذلك كان الكتاب تهمة مكتملة الأركان ولأن الناس تعرف هذه الحقيقة فكم دفنت في باطن الأرض من الكتب والمطبوعات وفي كل حملة تفتيش ومصادرة لممتلكات كانت الكتب هي أول المواد المصادرة أو بالأحرى ضبطها كأدلة جنائية .
 اليوم وبعد أربعة عشر عاما على إسقاط نظام صدام تبدو أمور كثيرة بأنها كانت مرفوضة لا بنفسها وإنما لأن صدام ونظامه قد فعلها مضافا اليه العنوان الملحق به كالسني أو البعثي أو العلماني أو غيرها من الأوصاف .
 اليوم تنقل مصادر متواترة على صفحات التواصل الاجتماعي خبر منع كتب السيد محمد حسين فضل الله والسيد كمال الحيدري من معرض الكتاب الدولي في النجف وبقرار من لجنة السلامة الفكرية .. في عهد صدام كانت هناك هيئة اسمها لجنة السلامة الوطنية تناوب على قيادتها فاضل البراك وبرزان التكريتي ولم يقتصر المنع على كتبهما بل على من كتب عنهما أو تتبع خطاهما والجهل يصل بصاحبه الى حد منع كتاب ينتقد الحيدري لأنه جاء على ذكره ويذكرني هذا الموقف المضحك بفيلم عن القمع في أمريكا اللاتينية عندما يعثر ضابط الشرطة على كتاب " العائلة المقدسة " لماركس وأنجلز فيتصوره الكتاب المقدس " الانجيل " فيثني عليهم ويقول : نعم مثل هذا الكتاب يستحق القراءة لا الكتب الشيوعية ..
 ميزة تسجل للمكتبات العامة والخاصة عند الشيعة فضلا عن محلات بيع الكتب حتى في المدن المقدسة وهي إنتشار الكتاب الآخر سواء أمهات الكتب التقليدية أو حتى تلك التي تهاجم الشيعة وتطعن فيهم فضلا عن الكتب العصرية عن مختلف العلوم وفي معرض الكتاب الجاري في النجف اليوم حتى كتب ابن تيمية .
 وما تتباهى به المؤسسة الدينية عندهم أنها تزعم لنفسها الإجتهاد ويسمى مرجعها مجتهدا وتعدد المراجع يعني تعدد المجتهدين وإختلافاتهم الفكرية .
 لم تتوقف الحملة على فضل الله بمختلف الوسائل والأساليب بل حتى بالدنئ منها وأذكر هنا مثالين أحدهما قيام مؤسسة الامام علي في لندن بإستئجار مرتزق رخيص يبيع قلمه لمن يدفع " صار نائبا الآن على قائمة التحالف المدني " فشن حملة سوقية لاذعة في جريدة عربية مختصة بالإعلانات والدعاية بما في ذلك إعلانات العاهرات والطريف أن هذا النائب الليبرالي الديمقراطي ومن يدري قد يصبح اليساري يعترض على بعض آراء فضل الله التاريخية والإجتماعية ويناقشها ويرد عليها بطريقته البذيئة المعروفة والآخر قيام رئيس ما يسمى برابطة أهل البيت العالمية بكتابة سلسلة مقالات في نفس الفترة في جريدة الحياة السعودية وهي مقالات مدفوعة الثمن تذهب في نفس الإتجاه في النيل من فضل الله مع أن المستعممين عادة يحرصون على عدم إظهار الخلافات الشيعية الداخلية الى العلن فكيف وفي جريدة سعودية .
 واليوم يتعرض الحيدري لنفس الهجمة وبنفس الأساليب التسقيطية ذلك ليس لأنه أثار أسئلة مشروعة ومهمة تتناول التراث الشيعي أو لأن فضل الله قبله طرق أبوابا لم تكن مفتوحة أمام قضايا إجتماعية كثيرة فضلا عن تناوله لأمور تاريخية فكل هذه تدخل في باب الإجتهاد والإختلاف في الرأي ويمكن أن ترد بما يدحضها ويثبت بطلانها وهذا من صلب عمل العلماء .
 ما يخشى عليه هو موقع القيادة ومكاسبها وإمتيازاتها المادية والمعنوية معا وما يمكن أن تجذب الأفكار من أنصار ومريدين أو تفتح عقول الناس على حقائق لا يلتفتون اليها وأولها وأهمها المواقف السياسية خاصة وأن فضل الله كما يبدو يخيف الآخرين من قبره والحيدري يرعبهم من منفاه .
 سابقة غير معتادة ولا تبشر بخير ومن أبرم قرارها يثبت بأنه ذو عقل صغير ومحدود فمع وجود الشبكة العنكبوتية وفيها كل هذه الآثار التي يريدون منعها وطمسها لا يفعل الجاهل الأمي الذي قام بهذه الخطوة سوى أن يلفت الانتباه الى ما فات الناس الإطلاع عليه من هذه المنجزات الفكرية والعلمية على أن كون القرار بالمنع صادر عما يسمى بلجنة السلامة الفكرية فمن ذا الذي يمكن أن يجد في نفسه الكفاءة لينصبها رقيبا على أفكار الناس وما ينبغي عليهم اجتنابه وما يستحسن قراءته وهو لا بد قد قرأ ما يوصي بمنعه فلماذا لا يدع الناس يقرؤون .