الشخصية العراقية والعنف ....وعيٌ ملتبس ! ( 3 )

ان القول بعنفية العراقيين يهدف ، من حيث يدري القائلون به او لا يدرون الى التغطية بل وقلب حقيقة ان العراقيين ، كانوا هم انفسهم ضحايا عنف بالغ وموّجه لم يصدر عنهم بل ضدهم . اي ان هذا القول يهدف الى مساواة الضحية بالجلاد بسحب صفة العنف عليهم جميعا وتعميمها كخصلة اجتماعية تعفي الاخرين من التعاطف مع الضحايا والنظر اليهم بصفتهم هذه ، الى مساواتهم مع جلاديهم والقول بان الجميع هم جلادون يملكون ذات المزية والفرق هو في الدور الذي يكون مرة لهذا واخرى لذاك ! رغم ان الضحية شعبٌ في حين ان الجلادين هم اما افرادا قلائل او مجموعات صغيرة او قوى تفتقر الى القاعدة الاجتماعية الحقيقية .
اولا- بالنسبة للعنف السلطوي البالغ الذي مارسه النظام البعثي منذ استلامه السلطة عام 1968 وحتى هزيمته في 2003فهو عنف ممارس ضد الشعب العراقي اصلا ، ميّز اداء ومنهجية حكومة وقوّة اقلية سياسية عرفت بدورها الوظيفي منذ تأسيسها في الخمسينات ، وهي حزب البعث ،وهو يهدف الى قمع واذلال وتركيع شعب وله ما يشبهه ويضاهيه في سلوك انظمة عربية واقليمية وعالمية ايضا ، في ليبيا وتونس والمغرب والكونغو في السبعينات وإندونيسيا في الستينات وايران الشاه والكثير من انظمة امريكا اللاتينية القمعية واذا كان ثمة اختلاف بين النظام العراقي السابق واي من تلك الانظمة فهو فرق في الدرجة لا الكيفية ومن يتفحص يجد ان الكثير من ممارسات هذه الانظمة كانت ليست متشابهة فقط وانما متطابقة . اذن فالعنف الحكومي الذي مورس في العراق لا يعكس سمة عراقية تخص الشعب وهو يشبه ممارسات اخرى لأنظمة مشابهة تستهدف بعنفها شعوبا اخرى .
ثانيا- ان وقائع انقلاب شباط 1963 تشبه حد التطابق انقلاب اندونيسيا في 1965ووقائع انقلاب 1973 في تشيلي وانقلاب نميري في 1971في السودان وغيرها ، حيث تميزت جميعها بالاستيلاء على السلطة من خلال انقلاب عسكري دموي مدعوم من الخارج اعقبته تصفيات دموية واسعة وانتهاكات شديدة لحقوق الانسان وممارسات قمعية واسعة حولت البلاد الى سجن كبير واحتجزت فيه اعدادٌ كبيرة من المواطنين المخالفين سياسيا في الملاعب والمباني العامة بعد ان ضاقت بهم السجون ومورست بحقهم انتهاكات فظيعة بذريعة التحقيق والاستنطاق التي كان يمارسها خصوم سياسيون لا شأن لهم بأجهزة العدالة والقضاء . ان تشابه وقائع ومجريات هذه الانقلابات والمجازر اشار ويشير الى انها كانت جميعا من تنفيذ جماعات او تنظيمات وظيفية صغيره ، عسكرية ومدنية ، دُعمت من قبل قوى خارجية للاستلاء على السلطة وممارسة اقسى اشكال العنف والفظائع لغرض حرف او تعطيل مسار الوقائع او الارتداد بعيدا عن تطورات اقتصادية او اجتماعية او سياسية غير مرغوبه .
ان عد ّ وقائع انقلاب شباط 1963 ومجازره وانتهاكاته كتظاهرة للعنف العراقي فحسب ، هو امر مغرض غايته ابراء صفحة هذا الانقلاب والقائمين عليه والجهات الخارجية الساندة مما اقترفته من جرائم بحق العراق والعراقيين ومساواة مجحفة بين الضحية والجلاد تحت مسمى اتصّاف العراقيين ، جميعا ، بالعنف !
كما ان تشابهها حّد التطابق مع الانقلابات التي ذكرنا في اسيا وافريقيا يخرجها عن ان تكون دليلا على عنف عراقي الطابع .
ثالثا – ان ممارسات العنف والعنف المضاد والانتهاكات في الموصل وكركوك عام 1959وبغض النظر عن دوافعها الحقيقة ومجرياتها الواقعية وادعاءات اطرافها هي ممارسات حصلت وتحصل في مختلف الاماكن والأزمنة ، وحيثما كانت هناك صراعات سياسية مسلحة او خالطتها توترات اهلية عرقية او دينية او اجتماعية ، وهي لا تعكس اذن خصلة اتصف بها العراقيون او سمة او ثقافة معينه ، عنفية او غير عنفية . كما ان هذه الوقائع لم تأخذ مديات اخذتها وقائع اخرى مشابهة في مجتمعات اخرى . فاحداث الموصل اشتملت على تمرد عسكري وصدام بين مجموعات من السكان الاهليين لكنها لم تستغرق اكثر من يومين او ثلاثة . ورغم انها اشتملت على اعمال انتقامية وتجاوزات ، لكنها في مداها الزمني والاجتماعي واعداد ضحاياها لاتشبه ما حصل في الكونغو او رواندا او السودان او البوسنة والهرسك او غيرها من تصفيات دموية واسعة النطاق اتخذت طابعا عرقيا او سياسيا ومورست بها الانتهاكات على اوسع مدى واستمرت لفترات طويلة نسبيا وخلفت ندوبا غائرة في الجسد الاجتماعي . لكن الدعاية المغرضة كانت قد نفخت فيها الى اقصى مدى لغرض استثمارها في عنف مضاد وتخريب وطني على دفعات اولاً في اعقاب تلك المرحلة ، ودفعة واحدة ، بعد ذلك ، في شباط 1963!
رابعا- حين نصل الى مقتل العائلة المالكة ، والمرحوم نوري السعيد ، نصل ، في الواقع ، الى ثالثة الاثافي او مسكب العبرات الذي تحاول جهات معينة والاعلام الذي يرتبط بها ان تجعل منها مأساة فريدة وتجعل من يوم 14 تموز ، يوم الثورة ، وبالا على العراقيين فتح عليهم ابواب جهنم التي ما تزال تقذف بحممها عليهم ومصورة العهد الملكي الذي نقضته ثورة تموز كعهد رخاء وسعادة وحريات ، الامر الذي تنفيه الوقائع التاريخية وتؤكد ان ذلك العهد كان هو المؤسس الحقيقي للممارسة الحكومية للعنف المفرط اتجاه المواطنين وكما اوردنا وقائعه في اكثر من مقال واورد غيرنا كذلك .
لقد نفى قادة ثورة تموز، انفسهم ، في وقت مبكر من عهد الثورة ، انهم خططوا لقتل افراد العائلة المالكة ، واجمعوا ، رغم اختلافهم ، على ان ما حصل في قصر الرحاب كان تصرفا آنيا ، وربما فرديا ، كما احاطت به ملابسات كثيرة . ومهما يكن من امر ، فأن هذا الامر لا يثبت ، بأي حال ، سمة عنف تتسم بها الشخصية العراقية اذ ان وقائع مشابهة حصلت في اكثر من مكان في العالم . فقد قُتل ، ايضا ، افراد العائلة المالكة الروسية في اعقاب ثورة اكتوبر 1917 في روسيا ، وكذلك اعدم لويس السادس عشر وزوجته الملكة ماري انطوانيت بالمقصلة عقب الثورة الفرنسية وهرولت الحشود التي اجتمعت لمشاهدة الاعدام الى غمس مناديلهم بالدماء التي سالت من المقصلة تشفيا بمقتلهما . اذن فالتاريخ يحدثنا بان ثورة تموز 1958 لم تكن نسيج وحدها في وقائع العنف التي طالت العائلة المالكة للعهد السابق او رجالها المقربين لكن هناك نقطة جوهرية لا تحظى بعناية من اهتم بالتاريخ لهذه الواقعة واستثمارها ضد ثورة تموز باعتبارها انقلابا دمويا وضد الشعب العراقي باعتباره شعبا عنيفا ودمويا ، هي ان العنف والمثلة ، كذلك ، طالت شخصين فقط من شخصيات النظام الملكي المنهار هما الوصي عبد الاله ونوري السعيد رئيس الوزراء شبه الدائم في النظام الملكي وشخصيته الفاعلة الرئيسة . فلماذا ؟ 
ولماذا عُلق جثمان الوصي عبد الاله اولا عند باب وزارة الدفاع العراقية قبل ان يسحل ويمثل بجثته من قبل الغوغاء ، ولماذا سحلت جثت نوري السعيد ومثل بها تمثيلا بشعا ؟ فيما لم يحصل شيء من هذا لجثة الملك الشاب القتيل ؟
تنطوي الاجابة على هذه التساؤلات على ابعاد اجتماعية وسياسية مهمة ، سنحاول تفحص مضامينها ودلالاتها مع تفحص وقائع العنف الاخرى ، سواءا تلك التي اشرت اليها سابقا ، او الوقائع التي يتجنب البعض من مروجي نظرية سمة العنف التي تسم الشخصية العراقية ذكرها او التركيز عليها ، نظرا لما تنطوي عليه من دلالات مضادة .
وللحديث صلة ......