معارضة مدنية وطنية صاعدة؟:إنتقال للمستقبل(2 ب/2

وضع انهيارالدولة، وفقد السيادة، وبسط الأمريكيين هيمنتهم العسكرية على العراق في 9/4/ 2003، العقل والإرادة العراقيين، امام اخطر تحد عرفاه خلال تاريخ العراق الحديث، ان لم يكن خلال تاريخ العراق برمته (فيما عدا الفترة التي أعقبت الاحتلال الفارسي وانهيارالإمبراطورية البابلية وحلول فترة الانقطاع الحضاري الأولى بين 539 ق .م/ 636 تاريخ الفتح العربي)، واذا كان مثل هذا التقدير، او تحسس استثنائية وخطورة اللحظة لم يبرزمبكرا، ولم يتحول الى قوة انتباه ودفع نحوانتفاض عقلي وطني وتاريخي مطابق حتى اليوم، وبرغم مرور قرابة 14 عاما، فلان من طبيعة الانتقالات الفاصلة الكبرى في التاريخ انها لاتحدث فجاة، والانقلابات العظمى لا تتبلور بين ليلة وضحاها، ففي عام 2003 ومابعده الى اليوم، لم يكن قد صادف في العراق من الأفكار والتصورات والمفاهيم الغالبة، غير تلك المتراكمة منذ بداية القرن الماضي، لابل ومن القرن السابع عشر، فالتيارات الدينية والقبلية استعادت اليوم مجددا شيئا من حضورها المشوه، فانبعثت خارج تاريخيها، بجانب روىء ومفاهيم الحداثة والدولة المستعارة منقضية الصلاحية، برغم انهيارها. كان الغزو الأمريكي محطة انهيار كبرى شامله، على صعيد المتوفر من الأفكار والتصورات والمفاهيم المتراكمة والمستحصلة كخلاصة لمسار ثلاثة قرون انتهت لانهيار كلي، وعجز عن تحقق وطني عراقي متطابق مع العصر ومع مقتضياته، ولم تكن الأجواء على المستوى العالمي مساعده او محفزة، على ظهور أفكار او مشاريع بامتدادات عالمية، فانهيار الاتحاد السوفياتي، وانتهاء القطبية الثنائية، وتفرد أمريكا بالقوة عالميا، إضافة لتراجع افكاار "الحداثة" ووهجها في عقر دارها اوربيا، قبل تنامي الازمة الراسمالية، وتخبطات العولمة، عزز مناخات الفوضى والضياع، داخل مجتمع لم يسبق له أصلا، ان واجه مهمة النظر لذاته باستقلال، بينما الأوضاع الداخلية تفتقد اليوم قوة الديناميات الوطنية، بعد عقود من العمل على سحقها وإيقاف فعلها، وهو ما قامت به "الدولة الحديثة" والغرب خلال القرن المنصرم ، ما اشاع حالة معاكسة كليا لتلك التي كان قد عرفها العراق بعد العشرينات، حين تظافرت وقتها العوامل الخارجية والداخلية، وتناغمت لتسهل وتنمي صعود نمط من الأفكار والمشاريع، اتسمت بالاستعارة والايديلوجية الحزبية الصارمه. توافقت بالاطار العام مع إيقاع وظروف ماكان يعرف بحركة التحرر العالمية العربية؟ من اخطر واصعب مايواجهه العراق اليوم ومنذ الغزو الأمريكي، النطق الذاتي او عن الذات ، الذي من ابسط مقتضياته فعل حساسية إبداعية تاريخية، لاتتواني بحكم موقع العراق في التاريخ البشري، عن التطلع لما وراء المشروع الغربي الأوربي الراسمالي، وهو مايتجسد عمليا وداخليا، بالمواجهة من وسط الكارثة مع النموذج المستعار والعاجز للدولة المركزية "الحديثة" والاحادية المركبة من خارج النصاب الاجتماعي، أي ان العراق اليوم ذاهب موضوعيا نحو دولته المطابقة لكينونته التاريخية، بطبيعتها ونمطها ك "لادولة"، قوامها التكويني الداخلي، التعدد الفعال، ومشتركها الأعلى "الوحدة المشاعية"، وهذا مايمثله "المؤتمر الوطني التاسيسي" ومايفسر صيغته غير النهائية المتشكلة والحيوية، المتغيرة الفاعلين حسب مجرى عملية الصراع ضد الماضي المتراجع، بمختلف تكويناته واشكال تجسداته المؤقتة. بما فيها المقاومة المسلحة الجزئية، ومشروعها الأحادي على طريقة جيوش التحرير المنتصرة، بما جعل مصريا ينتمي للحركة الناصرية مرة، يجادلني وانا القي محاضرة في القاهرة، بان من سيحكم العراق في المدى المقبل، هو مقاوم مجهول لنا الان، موجود خلال هذه اللحظة وبندقيته بيده ويده على الزناد، في الفلوجة او الرمادي، وكان بمعرض الرد الحاد على فرضيتي عن "المؤتمر الوطني التاسيسي"، كاطاروطني شامل للمقاومة متعددة الاشكال، وعن استحالة استمرار المقاومة، ناهيك عن انتصارها، اذا ظلت جزئية بنية وتوجهات ومشروعا، وهو ماقد تحملت بسببه عنتا كثيرامن أوساط صناعة الوهم، الى ان تم قتل المقاومة باغراقيها ـ كما توقعت وحذرت علنا وكتابة في الصحف العربية الكبرى ـ في اتون الاحتراب الطائفي المهول خلال السنه السوداء 2006/2007، هذا غير المشروع الغالب أصلا للقوى الطائفية الراجحة، او مشاريع وشعارات "الدولة المدنية"، التي تعني العودة الى الدولة الدكتاتورية المنهارة بمقياس الواقع، لابمنظور الامنيات، واستيراد التجارب المدنية الغربية، وكل اشكال الجزئية التي مرت وتتابعت وتناسلت. لاطريق للعراق بعد الغزو، الا التعددية الفعالة الموحدة، وهذا الشعار للأسف ليس مشروعا جاهزا، بقدر ماهو قوة فعل دنامية شاملة ومتحولة، يتداخل فيها الفكري الذي يحتل حيزا حاسما، بالعملي. ومنذ انعقاد المؤتمر التحضيري ل "المؤتمر الوطني التاسيسي العراقي" في بيروت/ صيف 2004 الى اليوم، عرف "المؤتمر التاسيسي"، نقلات متعدد، واجتاز محطات وصراعات مع الماضي وقواه، ومع بعض التجسيدات المتصلة به، بما في ذلك "النزعة التظاهرية" الإصلاحية الأخيرة، باعتبار ذلك مسارا متجها من حالة وعالم، ومن نقطة في التاريخ الى أخرى، تظل في حالة تشكل في مجرى التجربة وتراكم الاختبارات. ولايمكن بعد اليوم، تخيل عراق المستقبل، بعقل وروح ومفاهيم، وسبل وطرائق عمل الماضي، مثلما لايمكن لابل من المستحيل، تصور احتمال ان يكون الفاعلون ممن هم نتاج فترة من التاريخ منقضية، لها ظروفها واشتراطاتها، حاضرين في قلب المسار الصاعد الحالي الا مؤقتا او عرضا او يكونون معرقلين باشكال تتباين بقدر، او بشكل ما يتناسب وتفصيلات لحظة الانتقال، وماتقرره كل نقلة على مستوى التفصليات، او الحضور لهذا الطرف او ذاك من اطراف الماضي، وحسب ماتبقى لها الى الان، من قدرة او أهلية للفعل المتأخر المتصل، لا بحكم او قوة الانطباق على ماهو راهن، بل بسبب عدم نضج الآني الجديد الصاعد، قبل اكتمال مقومات الانتقال التاريخي نحو عراق المستقبل ودولته التعددية الفعالة الموحدة، بعد اختفاء وزوال وأسباب ومقومات الأحادية، والظروف التي كرستها على مديات طويلة. ويشمل هذا حتى القيمين على "المؤتمر التاسيسي"، ومنهم الشخصيات العشرة غيري، وانا منهم، وفي مقدمهم. ولست شخصيا استغرب وسط مسار تحولي استثنائي من هذا النوع، التبدلات في المواقف، او التراجعات، والجنوح، او ترك الموقع، و تبني خيارات أخرى، فما نحن بصدده ليس منصبا، ولاهو وظيفة ممنوحة ضمن ظروف قارة، بقدر ماهي اختبار دائم وأشارة الى وجهة ووعد تاريخي، دونه انقلاب تاريخي كبير. ولست شخصيا، ولم اشعر يوما بانني "منسق سكرتاريا المؤتمر التاسيسي"، الا باعتبار مايمكن ان افعله على مدى السنوات لتحقيق هدف، كنا قد رسمناه، مع علمنا الاكيد والمسبق، بان مانفعله زرع في ارض يحتلها الاخرون، وان السير فيها سوف يعرضنا لا عباء هائلة، ولاحتكاكات وتجاذبات لاتتوقف، مصدرها القوى المتراجعه الميته والمستميتة، المستقتلة لاجل ان تبث اقدامها عكس التاريخ، وبالضد من حقائقه. علينا او على من قد يحلون محلنا، وعلى من يبقون، ان يبتدعوا الوسائل والأفكار المناسبة والمطابقة، والمبادرات التي توائم حركة الضرورة، وسط تقلبات ومتغيرات زمنية إقليمية ودولية، اهم سماتها انها غير قابلة للاحاطة، ومتغيرة على مديات قصيرة، ومتشابكة، وتنبيء عن مستجدات تفوق طاقه العقل وماتدرب عليه خلال عقود، في مجال التحليل والفحص، ذلك بجانب الصعوبة الكبرى الاستثنائية والعبقرية التاريخية الكامنة في بنية بلد مثل العراق، ودوره الانقلابي الزمني والكوني، بينما العقل مثقل بالرؤى المتراكمه من الماضي، والقوى التي تحيط به مفوته منتهية الصلاحية ومجافية وماتزال اكثرية. من كل هذا تستخرج صيغة، او هيئة العمل الوطني التاريخي المعرف ب "المؤتمر الوطني التاسيسي العراقي"، باعتباره مستجدا لاسابقة له، لايشبه أيا من الأطر المتعارف عليها، هو حالة صيرورة وتشكل في الأفكار والرؤى والمبادرات، لاتتحقق وهي بمثل هذا القدر من الاستثنائية خلال أيام، او أسابيع، او سنين حتى،... انها عملية انقلاب عقدي، مليء بالصراع المحتدم المتشابك، وبدفع قوة الحاجة للابداع التاريخي خلل العثرات والتراجعات، قبل ان يتبين محبو الحقيقة، الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال النبي الابراهيمي الثالث ..السيد المسيح مرة: (( الحقيقة تظهر.. لمن يحبونها )). ـ يتبع ـ ( ملحق )

Tags