لا إستقرار في المنطقة بدون عودة العراق

نشر مقالي ادناة مثل هذا اليوم عام 2014 لدلاله ماورد فيه اعيد نشره:

 عام 2003 لم يسقط نظام صدام حسين فقط ، فلقد ذهب بريمر لما هو ابعد بكثير بتنفيذه سياسة تدمير الدولة العراقية، وهذه مهمة اخرى مختلفة عما كانت “المعارضة العراقية المتحالفة مع الامريكيين” تسمية “التغيير” او “ازاحة الديكتاتورية” تعبيرا عن ضيق افقها وخروجها من التاريخ، لقد سحقت وقتها تجربة الدولة الحديثة العراقية بعد 82 عاما من عمرها 1921/2003 تلك التجربة القاسية والمثيرة، والمليئة باسباب ومظاهر الدينامية والاضطراب والتغييرات الدراماتيكية.

ورغم ان هذا الحدث الكبير قد حصل جهارا، امام العالم العربي ومن يعدون مهتمين بشؤونه، او معنيين بالتفكير فيه، الا ان هذه الناحية  بالتحديد، لم تلق لدى اصحاب الراي، او من يسمون انفسهم المحللين وال”المفكرين”، اي اهتمام يتناسب وخطورتها، ولم تستجلب اي محاولة بحث سواء لمعرفة اثرها على العراق وبنيته الداخلية، او على العالم العربي والاقليم ومن ثم العالم. وظل النقاش البائس عن الإنتقال ل” الديموقراطية”  يهيمن على حقيقة اخذ البلاد من الحداثة والدولة الحديثة الدكتاتورية القسرية، الى هيمنة وصعود قوى ” ماقبل الدولة”، وهذه قوى لاتتلائم سلوكا ووعيا وبنية، مع مقتضيات الممارسة الديمقراطية، واقصى مايمكن ان تحلم به او تحققه هو ” دكتاتورية انتخابية طائفية”، ومع ان هذا التحول قد انتكس بالعراق سياسيا وبنيويا، ليحيله الى كيان فاقد القدرة على الحضور، او اظهار ذاتيته ودوره. الا ان انعكاس تلك الدوامة من عملية قتل الذات المستمرباسم ” العملية السياسية الطائفية”، اعتبرت من قبيل الحدث العادي او المؤسف وحسب، ولم  توضع على راس هموم العالم العربي،  واختلالات وضعه، وانتكاساته الكبيرة التي ظل يعاني منها منذ الاحتلال الامريكي للعراق والى اليوم.

 ولن ندخل في تعداد تلك القوى الاقليمية او العربية التي اسهمت في اخراج العراق من المعادلة العربية الاقليمية، لان القائمة سوف تطول، هذا اذا ركزنا النظر على الجوار، ولكن اولئك الذين يعمدون الى التهييج المستمر ضد ايران ونفوذها المتزايد في العراق والمنطقة منذ سنوات، يتجاهلون حقيقة لاتقبل الجدال تقول بان التوازن العربي الايراني، من المستحيل تحقيقه من دون العراق، او من دون ان تنبعث الوطنية العراقية وتشمل الكيان، لن تستطيع المملكة العربية السعودية مقاتلة ايران في العراق، الا انها تستطيع ذلك اذا وقفت خلف العراق، ولا ثقل من النواحي الحضارية والثقافية والديناميات الاجتماعية، والقدرات، لاية قوة في العالم العربي، تؤهلها في ظل غياب العراق لمواجهة ايران وهي في حالة ثورة او نهوض او صعود امبراطوري، اما من يظن او يتصور ان ذلك ممكن، فهو لابد ان يكون مغرقا في التصورات السلفية الوهابية التي قد يتخيلها البعض صالحة  لاعادة شكل من اشكال ” الفتح الحديث”، وهذا مسار خرافي، نتائجه تدميرية للركائز والاسس الاستراتيجية للمنطقة ولتوازنها.

 لايمكن ابدا تصور رغبة او نية تؤدي لالغاء العراق واخراجه من التوازنات الاقليمية، وبالذات العربية، من دون ان ننتظر مطابقة مثل هذه الرغبة لماتريده وتتحمس له اسرائيل، كذلك فان قوة مثل تركيا لاتنظر من ناحيتها للعراق وصعوده نظرة تحبيذ، غير ان القوى والكيانات في التاريخ، تعيش ويتجلى حضورها وتحققها من خلال التحدي، والكيان العراقي كما نرى بالملموس، هو كيان مكتوب على مسار صيرورته النفاذ وسط،  وبالتدافع مع دوائر التحدي الذاتي المحلي والخارجي المحيط، مع انه لايمكن الارتياح منه ومن حضوره لا اذا غاب ولا حين يحضر، فاذا كان صعوده يزعج ايران ولاتريده السعودية الوهابية ولاتركيا ولا اسرائيل، كل لاسبابه، الا ان غياب العراق ليس اقل من حضوره مدعاة للاضطراب، ولعدم استقرار المنطقة وتعثرها على طريق السلم والاستقرار.

   لقد احتدم الصراع الطائفي في المنطقة ووصل الى الذروة في العراق  وعلى وقع مجريات مابعد الاحتلال الامريكي، ولايمكن ايجاد حل بين العالم العربي بحالته الراهنة وايران  في ظل غياب الوزن والثقل العراقي، كما لايمكن ابدا حل المسالة السورية، الا من المدخل العراقي الذي حول ثورتها الى حرب اهلية مفتوحة عبر جزئه الغربي، كذلك لن يستطيع الخليج العربي ابدا الحفاظ على انسجامه، وقد القيت على عاتقه مهمات قيادية عربية تفوق قدراته باضعاف، فادخلته وسط متاهات تتعدى طاقاته ومدى قدرته على النظر والفعل والادارة، كما انه لايمكن تصور ساحل الشام خاليا من التوترالاقصى، اذا لم يضبط توازن الفضاء الممتد من ايران الى الساحل بحضور العراق المتعدد، ولن يتوازن الوضع المصري ابدا من دون صعود قوة من شانها ان تكسر حدة التصادم بين الاطراف العربية المتصارعة على الارض المصرية.

 وكل هذا لايعني بالحتم ان مانقوله يدخل في باب التعريض بالآخرين( عدا اسرائيل كعدو طبعا)، بقدر ما يعيّن الاسباب والادوار والحجوم الطبيعية للمواضع ومراكز الفعل والتاثير في منطقتنا المضطربة والحيوية والملتهبة، والمؤثرة ضمن السياقات الكوكبية، ويبقى الناقص في كل هذا هو: هل ثمة من طريق ممكن من شانه ان يتدارك النقص او الخلل الاستراتيجي الحاصل في المنطقة،  ويؤدي لعودة العراق لدوره ومكانه من جديد؟ اذا فكرنا بذلك اليوم فلابد من ننتبه لمسالتين هما: اولا ان العراق لم يعد يقبل غير المزج بين ” الوحدة والتعدد” وثانيا ان المشروع الوحيد القابل للحياة في هذه البلاد، ينبغي ان يكون مشروعا عراقيا، ليس سعوديا، ولا تركيا، ولا ايرانيا، فكل هؤلاء وغيرهم، غير قادرين سوى على رعاية مشاريع جزئية وتدميرية في العراق، تؤدي الى  ضرب مقومات الوحدة الوطنية فيه.

 يبقى مايتعلق بالقاعدة الواجبة الاتباع، وهي هنا” التفاهم بين مكونات المجتمع العراقي” فهذا هو الطريق الذي يمكن ان يفضي لاعادة انتاج الوطنية العراقية والكيان والحضور العراقيين، والوسيلة الفضلى لتحقيق مثل هذه الآلية هي ” المؤتمر التاسيسي الوطني”، حيث تجتمع كافة مكونات العراق، وقواه، وتياراته، وتقرر شكل النظام الذي تريد العيش فيه، ومن هنا نغادر منطق ” الغلبة” والتغلب  والتهميش، فالتغلب في العراق بعد انهيار الدولة الحديثة القسرية،يعني ” لاعراق”، فهل سيدرك اي من القوى ومراكز الفعل والتاثير في المنطقة، هذه القاعدة، ويبداون العمل على نبذ الوسائل الجزئية، وايقاظ الوطنية المرساة على التفاهم.. من دون ذلك سيبقى العراق غائبا، وسيظل العالم العربي والشرق الاوسط يعاني بلا قوقف من ” لعنة غياب العراق”.

كاتب عراقي