معارضة مدنية وطنية صاعدة؟ ..انقلاب لا استمرار (ملحق)

على مستوى المشابهات، ولغرض تقريب الوضع الراهن للاذهان بالمقارنة، يمكن العودة الى الفترة مابين 1917 / 1940 أي مابين الاحتلال الإنكليزي للعراق، حتى تمكن التيارات والأحزاب الايديلوجية من توطيد مواقعها، بعد ان تراجع دور وفاعلية "الحزب الوطني العراقي" بقيادة "جعفر أبو التمن"، (وظهورعجزه هو وحزب الاخاء بزعامة ياسين الهاشمي، برغم لجوئهما للتحالف)، عن مماشاة، او مواكبة زخم الحركة الشعبية، التي وضح وقتها انها تتعدى متجاوزة سقف وقدرات واستعداد القيادة الوطنية المتوفرة، بصيغتها التي افرزها الواقع بظل الترتيب الاستعماري الجديد، وبالأخص قيام الدولة البرانية المركبة ضد المجتمع. لا احد سأل من قبل، ترى مالذي كان سيحدث لو ان الاحتلال الإنكليز للعراق لم يحدث عام 1917 أي نفس عام ثورة أكتوبر الروسية وبدء الانقسام العالمي واحتدامه، وحدث على سبيل المثال في القرن التاسع عشر، على اثر صعود "داود باشا" نظير محمد علي في مصر، كما يشبهه اغلب المؤرخين، وان ماحدث من ازاحته عن سدة الحكم عام 1831 لم يجر على يد العثمانيين الذين اقلقهم احتمال خروج العراق من أيديهم، بل على يد الإنكليز، الذين تصادم داود باشا مع قنصلهم، وضيق عليه وقتها، محاولا اتباع سياسة من نوع تلك التي عرفت ب " التحديثية بملامح وطنية في حينه”، او لنفترض ان الاحتلال حصل كما هو الحال في مصر عام 1882 لافي 1917 أي قبل 38 عاما من تاريخ نزولهم الى الفاو 1914حتى دخولهم بغداد بعد ثلاث سنوات. ترى هل كانت أحزاب الاستقلال والشيوعي والأهالي تظهر وقتها من تحت عباءة " أبو التمن"؟ وهل كانت الشيوعية وقتها لتجد لها موطئا، ويقوم لها ممثلون، بناء للاتصال المباشر باوربا كما هي حالة الماركسيين الروس، الامر الذي لم تعرفه مصر، وظلت هي الأخرى على الرغم من قربها من اوربا، ووجود جاليات يونايية وايطالية ويهودية في الاسكندرية ثاني مدنها، من بين ابنائها ماركسيون عرفوا الماركسية قبل غيرهم، من دون ان تظهر لهم حركات قبل عام 1922 على يد جوزيف روزنتال، وحسني العرابي، وانطون مارون، ولم يتحولوا الى حزب منظم، يعمل سرا قبل عام 1924 وهو العام نفسه الذي تاسس فيه الحزب الشيوعي اللبناني السوري. وليس المجال هنا مخصصا للبحث في العوامل التي جعلت الأحزاب الايديلوجية والماركسية اللينينة تنبت في العالم العربي، وما علاقة ذلك بثورة أكتوبر الروسية، وكونها منتوجا حفزته بالدرجة الأولى اللينينة الستالينية، وواقع الاستقطاب الدولي الناشيء مع بدايات القرن العشرين، أي كونها فعليا وعمليا، ومن حيث البنية والتكوين، ملحقة بنظرية التحول الراسمالي في البلدان الطرفية بوسائل غير راسمالية، كما ابتدعها لنين، وبصفتها منظومة تفكير انقلابي راسمالي، مطبقة على ظروف القسم الراسمالي غير الأوربي، ولاتمت لجوهر الماركسية الأصل، أي لنظرية ماركس كما هي مصممه، بصلة، فلاتعرفها الا بالواسطة، وعبر المحور الروسي، انما من دون جوهره الانقلابي الراسمالي، وباعتبارها تابعا وملحقا بالمركز ( الاممي/ الروسي). أي كقوة اسناد للمركز الروسي في الصراع القطبي الدولي، من دون أي فعالية انقلابية او تغييرية تاريخية وطنية تناسب كينونتها. احتشدت اللوحة الوطنية العراقية، بكل قوة، باثر وحضورعناصر الفعل الخارجي، سواء المتولدة عن السيطرة العسكرية الاستعمارية المباشرة، او عن نقيضها العالمي متمثلا بثورة أكتوبر، وظهور ماعرف بالدولة الاشتراكية، ذلك في حين لم يكن قد أتيح للوطنية العراقية وقتها المجال الضرور ي واللازم، وان بالحدود الأدنى، كي تعي ذاتها، او يتاح لها التعبير عن نفسها، ومع خصوصية الحالة وطبيعة الكيان العراقي وبنيته المركبة المزدوجة، وامتناعها على التجسيد وفقا للمتعارف عليه، والشائع في علوم الاجتماع، وبالأخص على صعيد النموذج المتغلب عالميا، ممثلا بالحالة الاوربية ودولها واممها الحديثة، فلقد اتيحت لابل تكاد تكون الحت تماما، وبقوة، أسباب تمظهر العوامل الخارجية، برغم طابعها الاستشراقي المناقض لطبيعة الوطنية العراقية، والخالي من أي افق تغييري ملموس، مااعطى قوى الحزبية الايديلوجية، الأسباب كي تتصدر المشهد مسجلة في التاريخ العراقي الحديث، هيمنة حقبة من حقباته، هي الثالثة، بعد القبلية، والدينية التجديدية. كل الاسباب والمحفزات المسرّعة لغلبة الوطنية الايديلوجية الحزبية، اختفت اليوم، ولم تعد قائمة، على العكس، انقلبت الأوضاع الى الضد، ليصبح المجال العالمي مدعاة وقوة، تكرس اللاحظور، او الحضور المضاد للوطنية، المشجع للجزئية ولواقع ماقبل الدولة، أي التشرذم على مستوى الأفكار والمشاريع، فلقد تبدلن استراتيجيات الاستعمار من "بناء الأمم" قسرا ومن اعلى، الى " تفتيت القائم ممايشبه الأمم"، بالمقابل، ضعفت الاليات التاريخية العراقية، ولم تعد حاضرة كما كانت ماتزال في العشرينات والثلاثينات ومابعدها، وصولا حتى نهاية الستينات قبل ان يتكرس نظام الريع /الحزب العقائدي الصدامي مع السبعينات، ويصاب النهران بالعلة التركية القاتلة، والتي لاينظر لها من قبل المهتمين العراقيين، الا من زاويتها "المائية" البحتة، واضعين جانبا ماهو اهم من الماء، أي الفعل الحضاري للماء، وحضور النهرين العاتيين المدمرين ودورهما في تشكيل البنية والخاصيات المجتمعية، وكموجدين لسمات فريدة لامثيل لها في الوجود، كما لامثيل لمترتباتها التاريخية، راهنا ولاحقا. اكبر كوارث العراق التاريخية، واخطر مااستجد عليه وعلى وجوده وبنيته،يكمن اليوم في عاملي ( غياب فعل النهرين/ وغلبة الريع النفطي)، وهما عاملان قلبا العراق، وغيرا طبيعته، ويوشكان على نقله نحو عالم ومجال مبهم، بينما ماضيه مازال في رحم الغيب، لم يدركة اهله، ولم تتح لهم الفرصة لتبينه، لعله يكون مدخلا صالحا لمعالجة شؤون الحاضرشديد التشوش والزئبقية والتشظي، فكأ ن العراق الحالي، بلد بلا أي افق ولا رؤية، حالته محكومة للاعتباط، لا الاليات تحكمه كثوابت خارج الوعي، ولاالفكر يسعفه، يعيش على الذي في المتناول بلا اعتبارات نسيج قيمي واخلاقي واشتراطي موضوعي محدد، خاضع بالاجمال لما يحقق مصلحة هذه الفئة او تلك من المعتاشة وسط واقع لامخرج منه، قوى الحزبية الايديلوجية فيه انتهى مفعولها، وفقدت مبررات ومسوغات وجودها، مع ماكان يجعلها مقبولة وقائمة باعتبارها "وعيا زائفا" وهي والتناسل منها والمعترض عليها وهو عادة ادنى منها وعيا على تدني وعيها وتهافته، مع ان البضاعة منتهية الصلاحية لاتختفي عادة من السوق بين ليلة وضحاها، بالأخص في مجال وحياة المجتمعات والأفكار وتجلياتها، وان فاتت مدتها وانتهى مفعولها. اكثر معضلات العراق بعثا للالم اليوم، انه من دون بارقة، او انتفاضة فكر تقفز فوق وسائل وأدوات اللحظة المتوارثة، فاذا ظهرت نزعات من قبيل "وماذا نفعل وهل نقف مكتوفي الايدي ؟"كان ذلك مفهوما كمظهر من مظاهر المحنة الفكرية الوطنية التاريخية قابلة للاستغلال من جانب المتعيشين على الكارثة، ومن كانوا صناعها خلا ل التجربة الحديثة العراقية.. عراق الغد، هو عراق آخر، لايمت بصله لما هو قائم ومتداول حاليا، عراق تبدل كلي على مستوى المعمورة، وعراق دروس للعالم، هو بامس الحاجة اليها. لامعارضة عراقية اليوم ولن تكون اذا ظلت ترفل بثوب، او بملامح الماضي، ولايمكن تصور هياكل وتشكلات وأفكار بين اليوم والغد، فالعراق في حالة تمخض، حياة وموت، اندثار وبزوغ عصر اخر، لم يسبق للبشر ان عرفوه، او عاشوا في رحابه، عصر مابعد الغرب، لا "حداثة" ولا "مابعد حداثة"، العراق بالقياس للمنجز التاريخي، والمقارنة، لايلتحق بالغرب.. يتجاوزه بعد ان يتحمل وزره ويخرج من نفقه، وذلك ماكان قد فات مثقفي العشرينات والثلاثينات العراقية، وضاعوا في غمرته مسلمين قيادهم كليا وحرفيا لما تتعدى كينونة بلادهم، سقفها وممكنها التاريخي. حتى تعبير "معارضة مدنية وطنية صاعده" المثبت أعلاه، هو استعارة ودلالة مصطلحية من عالم ميت، لايجب ان ينطبق على مانتوقعه، او ننتظره من تولدات... انما ماذا يمكن ان نفعل بينما الماضي مات لكنه لم يختف، والمستقبل على الأبواب، ولم يظهر مجسدا بعد.. ادعوكم والحالة هذه لان تمسحوا العنوان، بانتظار القادم الذي ستصنعه ايديكم وعقولكم، بينما انتم تكتبون مرة أخرى ومجددا.في لوح التاريخ الإنساني .. على "ورقة بيضاء