الشخصية العراقية والعنف .... وعيٌ ملتبس ! (4 )

معروف ان العقداء الاربعة قد اعدموا من قبل النظام الملكي وان جثة  صلاح الدين الصباغ قد عُلقت يوما كاملا عند بوابة وزارة الدفاع . وقد شاع ، لدى الناس ، ان الوصّي عبد الاله حضر الى مكان الصلب وشَمتَ بصلاح الدين الصباغ . لقد كانت كراهية المستعمرين الانكليز متأصلة في نفوس العراقيين منذ ايام ثورة العشرين وكانت الوطنية مفخرة والعراقيون كانوا وما زالوا يعجبون بالبطولة والبطل والتحدي وقد رأوا ذلك كله مجسدا في ثورة مايس 1941واقدامها على منازلة ليس الوصي وحكومة كانوا يعتبرونها صنيعة وعميلة بل بريطانيا العظمى بجبروتها ، ولذلك فقد اعجب الكثيرون منهم بتلك الثورة وتحمسوا لها . لقد رأوا في شخصية الوصي عبد الاله شخصية النذل الخسيس ، عكس الملك غازي الذي احبوه باعتباره وطنيا وتألموا لمقتله في حادث سيارة خامرتهم الشكوك بانه مدبر ، وعكس الملك الشاب فيصل الذي تعاطف معه الكثيرون واسفوا لمقتله رغم حماسة الثورة (1958) ، اما نوري السعيد فقد اصبح في عُرف معظم العراقيين ثعلب بريطانيا وامريكا وممثل مصالح الاقطاع ، اي انه لم يكن ، في وعيهم ، هو او عبد الاله ،ممن يمّت الى الوطنية العراقية بصلة . ولذلك فقد " نهب " بعضهم ، جثة عبد الاله من دائرة الطب العدلي لكي يجري سحلها والتمثيل بها . 
 لا شك ان سحل الجثث والتمثيل بها عمل لا انساني وغوغائي لكن علينا قبل ان نطلق الصفات والاحكام ونسم الشخصية العراقية بسمة العنف جراء مثل هذه الممارسات ان ننظر الى الدوافع التي يقف خلفها تاريخٌ من العنف الحكومي البالغ الشدة بل والترويع والمثلة التي يتجنب ذكرها والاشارة الى دلالاتها واثرها الاجتماعي والنفسي ، اليوم ، من يتفجعون على مصير عبد الاله او " الباشا " ويحاولون ادانة العراقيين بعنف يجري منهم مجرى السمة ويرتبط بهم ارتباط الخصلة ، جراء حوادث او في الحقيقة حادث واحد جرى فيه قتل بضعة اشخاص فقط ، وهو ما حصل ويحصل ، سابقا ولاحقا ، عند شعوب اخرى شقيقة ومجاورة ، واخرى قصّية ومختلفة .
 ان تاريخ العنف الحكومي البالغ ، بالنسبة للعهد الملكي ، والذي تمثل في مواجهة العديد من المظاهرات بالرصاص وقتل وجرح المتظاهرين واستخدام التعذيب ضد المعتقلين والسجناء استخداما روتينيا في التحقيقات الجنائية تمثل ايضا في سلسلة من الاعتداءات والمجازر بحق السجناء العزل ، كما حصل في سجني بغداد والكوت عام 1953 حيث قتل في سجن الكوت وحده عشرة سجناء وجرح 94 من مجموع السجناء البالغ 123 سجينا ، بل وبلغت الوحشية حد التعمد بترك احدهم ينزف في ساحة السجن يوما كاملا وحتى الموت ، دون تقديم المساعدة الطبية الممكنه له او السماح للسجناء بتقديمها او نقله الى حيث يمكن ان يتلقى الاسعافات . كما ان اضرابا عماليا ، ذو مطالب اقتصادية في الجوهر ، ضد شركة نفط اجنبية ، هي شركة نفط كركوك، جوبه ، ايضا ، بمجزرة ، مثلما حصل في اضراب عمال شركة النفط المذكورة ، المتجمعين في حديقة كاورباغي وقتل 16 عاملا منهم وجرح 30 آخرين من قبل الشرطة التي استخدمت الرصاص الحي! .
 لقد كان تعليق الجثث في الساحات العامة بهدف الترّويع سياسة عامة بالنسبة لحكومات العهد الملكي ، فقد عُلقت جثة صلاح الدين الصباغ امام وزارة الدفاع وتُركت يوما كاملا هناك ، كما اسلفنا ، وهو احد قادة الجيش المعروفين وشخصية من الشخصيات الرسمية ذات المكانة ، بالنسبة للنظام والحكومة ،عام 1942 . وعُلقت، كذلك ، جثث قادة الحزب الشيوعي يومي 14و15 شباط 1949 في ثلاثة ساحات عامة في بغداد وتُركت معلقة حتى صباح اليوم التالي . وهذه الوقائع ، هي ، من وجهة اجتماعية ونفسية ، تربية للجمهور بأساليب وصيغ المواجهة والتعامل ، انتهجها النظام وانتج بالتالي ردود افعال مشابهة ، وألقى ورسّخ دروسا في السلوك السياسي سيكون بعض رجاله ضحاياها في المستقبل القريب ، كما حصل يوم 14 تموز . ان اسلوب العنف البالغ والشّدة غير المسبوقة كانت منهجا معتمدا ومتعمدا ، خصوصا من قبل نوري السعيد ، الذي كان يردد ، كما قال من عرفه عن قرب ، انه يعرف الشعب العراقي جيدا ويعرف دواءه المناسب ، اي الشدة والعنف . كما ويُنسب له ، ايضا ، تعبيرٌ آخر ينم عن شدة احتقاره ، ليس للعامة من الناس فحسب ،بل وللعراقيين عموما ومهما كانوا ، بتشبيههم ببالوعة الصرف الصحي التي لا ينبغي لاحد ان يفتحها ، كناية عن الحرية والحقوق الديمقراطية !
حينما وقع انقلاب بكر صدقي عام 19366 لجأ نوري السعيد الى السفارة البريطانية ومن هناك هُرّب الى خارج العراق ثم جرت بعد ذلك تصفية وقتل قائد الانقلاب ومساعده قائد القوة الجوية " علي جواد " باغتيال مدبر . اما في 1941 فقد هرب نوري السعيد فيما لجأ الوصي عبد الاله الى السفارة الامريكية ثم هُرّب على ظهر بارجة بريطانية ، وعندما استتبت لهما الامور بمساعدة بريطانيا ، عادا الى السلطة ونكلا بقادة حركة مايس بإعدامهم والتنكيل بهم . لقد ولّدَ ذلك خشية مبررة لدى قادة ثورة 14 تموز وجمهورها من هرب كل من الوصي عبد الاله ونوري السعيد الذي بادر الى الهرب فعلا وكان يروم الوصول الى السفارة البريطانية بغية الاستعانة بالقوة الاجنبية والعودة الى قلب الطاولة على الثورة والثوار ومن ثم تصفيتهم كما تعّود عند كل تهديد جدي لأسس النظام السياسي القائم ، ومن الطبيعي، والحال هذه ، ان تصدر حكومة الثورة في يومها الاول نداءا بهربه وطلب القبض عليه ، ومن المتوقع ، اذن ، ان تخرج الامور عن السيطرة عندما يُلقى القبض عليه من قبل جمهور متحمس رسخ في وعيه ان نوري السعيد هو ممثل للمصالح البريطانية المعادية في العراق وانه يتحمل جلّ وزر ما اقترفه النظام المنهار من عنف مباشر او تفريط بالمصالح الوطنية .
 لقد رأينا ، عبر ما سردناه من وقائع ، ان العنف والانتهاكات الشديدة لكرامة الانسان وحرياته ، كانت ، في معظم الاحيان وربما كلها ، لصيقة بالممارسة الحكومية لا الشعب . وان الشعب كان ضحيتها دائما ، وسواء كان ذلك في العهد الملكي او بعده . بل يمكننا القول ، ان العنف الممارس ضد الشعب العراقي ، سوآء من قبل الانكليز ، او الحكم الهاشمي الذي نصبوه او انقلابيي شباط 3 196او النظام البعثي ثم الصدامي منذ 1968 يثير شكا مبررا فيما اذا كان " وصفة " الزامية او منهج سياسي تواطئت عليه واقرته تلك الحكومات والانظمة ، كوصفة مجربة لابد منها لأذلال وحكم الشعب العراقي ، يخرج موضوع تناول اسبابها او دوافعها المحتملة عن نطاق هذا المقال ويحتاج الى تحر جاد ومسؤول ومدعم بالبراهين الضرورية .غير ان الملفت للنظر ، حقا، والذي ينبغي تثبيته ، هنا ، ان الشعب العراقي ، لم يعرف صورة مشابهة لهذا السلوك والنهج من قبل حتى السلطات العثمانية سابقا ! وجل ما عرفه ، منها ، كان اما قمع التمردات العشائرية التي كانت تهدد السلطة اوالمدن او تمتنع عن اداء الضرائب الحكومية ، او ماكان يجري ، احيانا ، ضد متمردي المدن او الشقاوات او اللصوص . ولكن العراقيين ، لم يشهدوا ، في معظم الاحوال ، خلال ذلك العصر الذي يوصف بالظلامية ، ما شهده لاحقا ، وعبر انظمة الحكم المتعاقبة ، من اعدامات لدواع فكرية او سياسية او ترويع بتعليق الجثث للأسباب ذاتها ، كما انه لم يألف ممارسات تهدده في وجوده وانتماؤه الوطني كمثل اسقاط الجنسية ، الذي عرفه ، لأول مرة ، في العهد الملكي ، او التهجير او التعذيب الممنهج للمخالفين سياسيا ! 
 ان القول بأن سمة العنف سمة من سمات الشخصية العراقية يجب ان ينبع عن تسجيل ملاحظات متواترة في السلوك العام اولا . ويتعّين ان يعتمد على دراسات سايكولوجية تتقصى التربية العائلية ومفرداتها ويبين نتائجها المحتملة وانعكاساتها في تكوين الشخصية ثانيا . كذلك ينبغي له ان يبحث في التقارير السلوكية للمشرفين او الباحثين الاجتماعيين في المدارس او المراكز الاصلاحية بخصوص هذه الظاهرة ، ولا بد ، ايضا ، من مراجعة السجلات الجنائية وتثبيت نسب جرائم العنف واساليبها ومقدار الشدة والانحراف الذي تتسم به ....الخ ، وليس بالقاء الكلام على عواهنه واتباع مايرد في مقالات رأي او سياسة ذات توجه وغرض يجانب المعرفة العلمية والدراسة المحّكمة اساسا .
 لقد وصف الراحل ، علي الوردي ، الشخصية العراقية ، ذات مرة بالادعاء والدونكيشوتيه ، ومثل لها بشخصية بغدادية قد تكون حقيقية او من صنع الخيال الشعبي ، او علقت عليها ونُسجت حولها ، كما يجري عادة في مثل هذا المقام ، الكثير من الاخيلة وبنات افكار العامة ، هي شخصية " خلف بن امين " ، ورغم ان ذلك قد يسوء البعض ، لكنني ارى انه اقرب الى الواقع ، لا بسبب تكوين عرقي او حقيقة بايولوجية ، وانما بسبب نمط التربية الاسرية ذاته ،وبسبب نمط التربية الاجتماعية الذي كان يتلقاه الافراد من خلال المؤسسات الاجتماعية الاخرى ، كالمدرسة وقبلها الكتاتيب والمقهى او غيرها . وملاحظة بسيطة لطبيعة الشجارات التي كانت تحصل بين الشباب والرجال في المناطق الشعبيه ، تريك ضآلة العنف الجسدي الفعلي الذي تنطوي عليه ، وانها في الغالب ،عبارة عن سيل لا ينقطع من الشتائم " الفشار " المتبادلة التي تنال الاشخاص والاعراض كما تنال السماء حصتها الدائمة منها ، ايضا ، وهذا كله تصريف للانفعال وطاقة العنف في مسارب اخرى ، غير عنفية ، كما هو معلوم !
ان من يقارن مثل هذه الشجارات ، او اغلبها ، بمثيلتها لدى شعوب شقيقة ، اتيح لي  ، ملاحظتها ، كما في حالة مصر او سوريا ، يرى انها الأقل اتصافا بالعنف الدامي والجرأة في استعمال الاسلحة الجارحة والمميته . وهذا لا ينفي ، طبعا ، وجود حالات القتل ، خصوصا في المناطق الريفية ، والتي تحصل ، في الغالب ، جراء نزاعات على الارض او الماء او طلبا للثأر او جراء نزاع عشائري ، رغم انها ، هي الاخرى ، لم تكن على شاكلة ما يجري اليوم بسبب المستجدات التي شهدها الوضع العراقي اولا ، كما ان لها مثيلاتها في معظم بلدان المنطقة وهي تخرج بأسبابها ووقائعها ودلالاتها عن ان تشير الى سمة من سمات الشخصية العراقية .
ان الخلاصة التي يمكن الوصول اليها  بصدد موضوعة ان العنف سمة من سمات الشخصية العراقية هو ان هذه الموضوعة غير مدعمة وهي تفتقر الى الاسناد العلمي الضروري وتنتمي ، في الغالب ، الى كتابات الرأي ومقالات الغرض السياسي ، وان معظم من رددها ، دون ان يتفحصها ، كمصادرة وفكرة مسبقة ، يعاني من وعي ملتبس وجهل بالوقائع ودلالاتها في افضل الاحوال ، اوانه يسعى الى غرض يهدف ، كما اسلفنا سابقا ، الى مساواة الضحية بالجلاد بالقاء المعاناة العنفية المريرة والانتهاكات الصارخة غير المسبوقة التي عانى منها العراقيون، طوال عهود ، على كاهلهم انفسهم وابراء الجلادين والجهات التي تقف خلفهم من مسؤوليتها وتبعاتها !