مذكرات منجمي عراقي : أوراق من الذاكرة(11)

مناجم الحديد الحسينات

حرائق ارواحنا مثل حرائق حقول الحنطة، لاتبقي ولا تذر، في وليمة تجار الدم، ومعدي أفخاخ  الفتنة المستلة من بُطُون تاريخنا الملتبس. وهكذا وبسرعة جرى كسر معادلة العقد الاجتماعي التاريخية، ليصبح ابناء الانبار، مكونا ثانويا، وخارج أقواسها ،ليكونوا بعدئذ قيما مضافة، مكانها ان حرنت، بيت الطاعة، وبحراسة من كانوا مقيمين فيه دهرا. كيف يستقيم هذا الامر، وهم في هوية وعصبية قبلية واضحة، ولا يتوانوا كلما سنحت الفرصة من السخرية من بعضهم(الله يبلاكم بلوة البو علوان، العافوا دينهم وصاروا شيعة). ويحل الجزع محل العقل والشجاعة التي توارثوها بالأجيال ،ويسقطوا في ثنائية إلانا-الاخرين، بجدرانها الفاصلة العالية. فأصبحت الحكومات المتشكلةبعد2003هدفا لهم، تطاول ليشمل مؤسسات الدولة الخدمية، والانتاجية، والصناعية، التي تمس حياة مجتمعاتهم ووجودهم، وفيما يخصنا لم ينفع الامر حتى بعد سحب كوادرنا التي قد يتسبب وجودها حرجا طائفيا، وابقاء الكوادر من ذات النسيج الاجتماعي المحلي
 
وعودة لموضوع تجديد التصميم المنجمي بعد تبني بيانات جديدة من فرقة الحفر التي غادرتنا مبكرا/2011ولم تغطي كامل برنامجها. ما اضطرنا تقليص مساحة المنجم ليطابق هذه البيانات. واستعنا بقسم المعلومات، وبرامجه الحديثة في تحليل البيانات ورسم المقاطع الثنائية والثلاثية الأبعاد، وحساب الكميات، حيث ادخلت سجل بيانات الآبار المحفورة بالمنطقة، قديمها وحديثها، وحدد شكل جسم الخام المعدني ضمن العدسة (A)  وبقية العدسات. واختير افضل مكان في العدسةA/اعلى سمك للطبقة الحديدية، وأفضل نوعية، وعلى ضوئه تم رسم الطريق الرابط بين سطح الارض واعمق مستوى في المنطقة المختارة، ومقدار طوله وميله. مع احتساب الكميات الواجب تكسيرها ورفعها من الطبقة الغطائية في جسم المنجم ومصاطب الحماية والطريق، وأماكن رميها بعيدا. واخيرا رسم مخطط المنجم بكافة تفصيلاته(جسم المنجم، الطريق المركزي، ومصاطب الحماية)بحجم كبير مع كافة جداول الكميات، ومواقع الآبار
 
واعدت مناقصة لمقاولة تكسير وقلع ونقل الطبقات الغطائية الصخرية، وحسب ملف المنجم ومخططاته. وقد اهتمت جهتين بالموضوع، وأبدت استعدادها لتنفيذه، واحدة حكومية/احدى شركات وزارة الصناعة، والثانية أهلية من الرمادي، وتحملت مسؤولية عرض التفصيلات والمطالب الواجب تنفيذها، وكانت الشركة الحكومية معنية بالطرق والجسور، وليس لديها سجل في اعمال المناجم، وجل ما يقومون به إحالتها لمقاول ثانوي، لغرض تنفيذها مع ضمان حصتهم الربحية من تنفيذ المشروع. اما الشركة الاهلية/شركة الصفاء والنقاء للتجارة والمقاولات، فكان النقاش مع ممثلهم، وهو مهندس شاب خريج إنكلترا، لمست إيجابية اكبر في تقبل العمل وتنفيذه، وطلبت منهم قبل ان تتطور الامور باتجاه التعاقد ان يجربوا امكانية التكسير للطبقات الصخرية في المنجم المتروك المجاور، ليحددوا بعدها، امكانية تنفيذه، وقاموا بالأمر، وقدموا عرضهم وكان يقل بحوالي500مليون دينار عن العرض الحكومي. واصبح مجمل قيمة المقاولة3.5مليار دينار، على ان يبدأ العمل مع بداية عام2013
استغرقت النقاشات والمفاضلة بين الجهات الراغبة بالتنفيذ اغلب عام 2012والذي تجلت في خاتمتها اعتصامات الانبار، وقطع الطريق السريع في الرمادي، والذي يمثل تطورا مقلقا لاعمال مواقعنا في الصحراء الغربية عموما، ومشروع المنجم خصوصا. الا اني مضيت قدما بالعمل ضمن تصورات أوجزها كمايلي:1-تمظهرات التمرد المتدحرجة من مجاميع صغيرة سرية الى ظهور للعلن في الاعتصامات ومنصات الخطب والهاب الحماس، لجمهور المريدين، لتدريبهم ليكونوا نواة التمرد المسلح العام، وهي جزء من مشروع الفدرلة، يقودها سياسيين محليين مرتبطين بأجندة امريكية، ويحملون مشروع دولة بعد ضم الجزء السوري(وبذلك يكون مشروعا اكثر تهديدا وخطرا من اقليم كردستان، الذي لا يستطيع ان ينفصل في الحاضر والمستقبل بسبب الظروف الجيوسياسية للدول المحيطة به). وتحتاج الى موارد وأعمال لتغطية اجور ونفقات المنضوين لها، وبذلك لا يسعون الى عرقلة مشاريع ربحية، للاستفادة منها مستقبلا. 2-اما على صعيد البنية البشرية لمواقعنا هناك فالتخوف الحقيقي، يأتي من الشغيلة المتدنية الاجور، وكنت اراهن على بقاءهم لجانبنا، مادام الانهيار لازال بعيدا، اما الموظفين، واصحاب الاجور العالية، فهموا اصحاب مواقف مواربة(يتبادلون القبل معنا ومعهم)ويشكلون قوة مجعجعة لا غير
 
لذا كان الجميع في سباق مع الزمن لنيل مراده. ومعها تتسع فجوة التباعد لتمتلئ بجثث ابناءنا.