هزيمة شيوعية ماركس ولنين !!!(2/1)

قبل مايزيد على ربع قرن اعلن انهيار شيوعية ماركس ولنين، المناسبة كانت تفكك الاتحاد السوفياتي، ومعه مايعرف بالمعسكر الاشتراكي، وبما ان الحدث كان تتويجا لاستقطاب دولي طبع قرابة ثلاثة ارباع القرن العشرين، لم يفوت الغرب الراسمالي الامبريالي الفرصة، فاحتفل مبتهجا بالمناسبة واعلن عن "نهاية التاريخ"، أي عن غلق الأفق الوجودي البشري على الراسمالية ونظامها "الديموقراطي". وقتها لم يكن مستغربا ان تظهر في العالم توجهات ليبرالية جديده أصولها ماركسية، وجدت لها تجسيدات مستخذية في البلدان الضعيفة غير النامية، بلغت من الانهيارالمعنوي والأخلاقي درجة التنظير لفقد السيادة وعودة الهيمنة الاستعمارية، لابل ونعتها كما حدث في العراق ب "التحرير". 
لم يمر الكثير من الوقت، او مايعد بالمقاييس التاريخية كافيا لاستيعاب اللحظة المشار اليها، وماتزال المراكز المتبقة المتناثرة والمنطفئة من الماركسيين، محبوسة داخل نفس المفاهيم المنهارة، والتي هي في حالة هزيمة واقعية، ولامخرج امامها، تغوص مبتعدة باطراد، خارج الفعل التاريخي، ماقد منح الراسمالية العالمية، ومجمل أفكار الهيئة الدولوية الراسمالية المازومة، غلبة اضافية تحتاجها بإلحاح، وجعلها طليقة اليدين، برغم علامات موضوعية صارخة على تهالكها التاريخي، غير الموضوع تحت المجهربما ان قوة ومعسكر التغيير والمستقبل بلا حضور، ولم يتمكنان بعد من استعادة المبادرة التي هي استثنائية حتما، وتتطلب انقلابا من نوع غير مالوف، ولم يسبق للعقل ان جابهه من قبل.
وقد يكون الأوان قد آن، حتى تخرج قوى التغيير من اسر مكونها الأساسي، بحيث تتساءل اذا ماكان الذي هزم عند نهايات تسعينات القرن الماضي، هو المشاع وقوة الانتقال الكبرى المتضمنة في الغائية التاريخية، ام ان نموذجا وصيغة منها هي التي انهارت، وهل ان نظرية ماركس ولنين، هي بالفعل وبصورة نهائية ومطلقة، لاتقبل النقاش، المنظومة المتطابقة كليا مع الحقائق الانقلابية والتحولية في العالم بعد الراسمالية، ام انها مجرد لحظة انتقالية، ضمن مسار التحول عند نهايات الانقلاب الراسمالي العالمي؟ قد تكون مفعمه بالوهم وبالاخطاء والتصورات المتوهمة.
اول مايجابهنا هنا، ليس ماركس نفسه، ولا نظريته بذاتها، فماركس الأوربي الراسمالي، قد يكون أحيانا اقوى من ماركس "الاشتراكي"، ان فكرة "النموذج الارقى والنهائي" المكرسة غربيا، تمنح ماركس قوة هيمنة ليس داخل ارضه بالدرجة الأولى خارج منظومته التفكرية الخاصة كمكان، فالراسمالية الغربية، هي في مذهب ماركس النمط والنموذج الأعلى كونيا، واذن فحفار قبره النظري الذي يبرز من داخله، من احشائه، هو قطعا الأعلى والاكمل. ماركس نفسه هو من كرس هذه الخديعة الايديلوجية، حين تعرض لشروط تحقق الاشتراكية في البلدان الأكثر "كمالا ونضجا"، ممتدحا بذلك ظاهرته هو ضمن العقلانية الغربية الحديثة/ علما ان اعتقاده على هذا الصعيد، ثبت فشله كليا وعمليا على يد لنين، في وقت ليس ببعيد/ وليس كل مايتداول ويبدو منتصرا من أفكار ولو لفترات غير قصيرة، صحيح، او منطبق على الحقيقة، او بعيد عن ان يكون منطويا على كذبه لااساس لها، مثل نظرية ماركس التي تقول بماهو غيرممكن اطلاقا، حين يصرح بإلحاح بان الكيان العضوي الواحد قابل للانشطار، ففي تحليليه لتاريخ المجتمع الطبقي الأوربي، يذهب بالصراع الطبقي مبالغا لحد افتراض امكانيةالانفكاك/ الانشطار، بين عنصريه، متجنبا الخوض في كون لا وجود لاحدهما بدون الآخر، او بدلالة الاخر، لاطبقة عاملة "بروليتاريا" من دون برجوازية، والعكس صحيح، حين يزول الاقطاع، تزول معه طبقة الفلاحين كمرحلة وككينونه صافية تاريخية، والمجتمع الطبقي لن يكون مجتمعا، الا من حيث كونه ثنائيا وصراعيا اذن نحن امام " بوليتازية" مجتمعية.
اذا انهارت البرجوازية واختفت، لن يبقى للطبقة العاملة من "وجود مجتمعي"، وماتفعله او تسنه من قوانين ـ على فرض انها استطاعت ان تفعل ـ غير ممكن، لانها اذا تحررت من نقيضها لن تعود هي "ذاتها"، اكثر من هذا، تجلت ماركسية ماركس لاحقا، لنينيا كوسيلة تحول نحو الراسمالية في البلدان الأقل تطورا من بلدان اوربا، او اوراسيا، او اسيا، حدث مثل هذا التحوير في المانيا في وقت لاحق، متخذا شكل التحشيد المقرون بمرض او سرطان العظمة في المانيا المتاخرة قياسا لاوربيا الغربية، وبالأخص مقارنة بفرنسا وبريطانيا، فوجدت الفاشية لنفسها منفذا للسيادة، بينما اتخذت في روسيا والصين شكل استكمال مشروع تحول راسمالي، تتوفر فيه مقومات اختصار المسافة بين هذه البلدان المتاخرة بالقياس للراسماليات الأولى، مع الفارق الطبيعي بين الفاشية والاشتراكية اللينينية الماوية.
واذن فالماركسية ليست من حيث بنيتها وفذلكاتها، مبرأة من "الخديعة" والتزوير، او طغيان قوة تبريرات النموذج الراسمالي الخارج عنها، ماقد شحنها بالاخص عبر مواقف ماركس من الشرق كمثال الهند والجزائر، بروح استشرلقية احتقارية استعمارية، جوهرها الإصرار المتغطرس، على تكريس نمط الاوربية الحداثي والصراعي الطبقي، لمجتمعات الانقسام الافقي الطبقي الاوربية، وبهذا تصبح نزعة التقدم و "التقدمية" المسماة اممية، ليست اقل من اكراهية نموذجية قاعدتها رفض الاعتراف بالخصوصية والذاتية الاوربية.
ويفترض بمن مايزالون يواكبون الفكر التحولي العالمي ان يدققوا في إصرار ماركس على مسالتين، أي تدقيق بهما من شانه ان يضعنا على طريق تخطئة منشأهما، الأولى تتاتي من نكران الغائية الكونية التاريخية، والثانية الميل لاكراه العالم على قبول مايحتمل ان يكون خاصا، على انه عام وملزم، سواء على مستوى التحليل، او في الممارسة والتطبيق، فحين يضع هو أسس "المادية التاريخية"، وينقل التاريخ الى خانة "العلم"/ علمه، المصاغ على مقاس مركزيته المجتمعية الاوربية، مسقطا احتمال ان يكون مايظهر له من قبيل العلم، ليس اكثر من مجرد تخطيط غائي كوني، يقف خلفه مخطط الطبيعة واستراتيجيتها، كما تتبدى في نظرية النشوء الدارونية على سبيل المثال، حيث ماركس يجهل، اومتعذر عليه ان يرى، ولاسباب بمقدمها علمويته وغرقه المرضي بتعبد الملموسات، لاحتمال ان يكون عنصر النشوء الإنساني مستمرا، وانه ربما اتخذ صيغا واشكالا فاتته، كما فاتت دارون والنشوئين من أصحاب العقول الكبيرة، بحيث استبعدوا فرضية النشوء الثاني، المتوقع تركزه على استقلال العقل عن الجسد. ممايغير كليا مآلات التاريخ ويصغر المشروع الماركسي المبالغ بالحلم.
وماركس مصر على ان الانتقال من المشاعية الأولى الى المجتمع الطبقي، امر بديهي، ويصر على عدم تسميته بالانتقال الى "المجتمع" بعد "ماقبل المجتمع"، وهو يتهرب هنا من قضية جوهيرية بفرضه علينا مخططه للمراحل التاريخية من "المشاعة البدائية" من دون ان يذكر حتى من باب الاحتمال، ارتباط ظهور "المجتمعات" بظهور الطبقات، أي ان الامر لاعلاقة له بتوالي المراحل، ف"المشاعية البدائية" ليست مرحلة "مجتمعية"، وهو اقحمها ضمن سياق مخطط مسبقا وارادي. ليس هذا مايدل على تعسفيته فقط، فهو يريد ان يوهمنا ومعه انجلز، ان الانتقال الى الراسمالية من الاقطاع، كان فعلا ذاتيا، ومن نتائج فعل صرف للعملية الصراعية التاريخية الديالكتيكية الاوربية، مع ان اوربا، لم تعرف مثل هذا الانتقال الا في الاطار العالمي، وان مرحلته الأهم التجارية، لم تكن اوربية بحتة لامن حيث المحفزات ولاتراكمات راس المال.
وثمة ظاهرة دالة بغاية البروز،تثبت ان محفزات التغيير في عصرنا "راسمالية"، بدلالة عدم قدرة الأحزاب الشيوعية في اوربا على احداث أي تغيير داخل بلدانها، هذا عدا عن كونها قد اكتسبت طبيعة تنظيمية ليست اوربية، بل شرقية لينينية، ولنين احتل بمنظوره الشامل موقع زعامة الماركسة على انقاض نظرية ماركس في اوربا نفسها، بعد ان حولها لاداة تحول راسمالي في بلد نصف اسيوي طرفي، ظلت غير نافذة المفعول لافي البلدان الراسمالية المتقدمه، ولا في بلدان حركة التحرر في غالبيتها الساحقة، مما يدل على انها أداة تحول محورة لأغراض تناقض ظاهرها الدعائي.
ـ يتبع ـ