مقالة للشهيد ناهض حتر عن كتاب صديقه عبد الأمير الركابي "أرضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ " : نبي من هذا الزمان

قرأت كتاب الصديق عبد الأمير الركابي: «أرضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ»* عدة مرات، قرأته فصولاً تتوالى ومخطوطة ناجزة وكتاباً. ولا أعرف ما إذا كانت هذه ميزة لهذا العرض أم عليه، لكنني أشعر بأنني بقدر ما أعرف الكتاب، بقدر ما يرهقني التعبير عن أهميته الاستثنائية. فـ «كلما اتسعت الرؤيا، ضاقت العبارة»، ورؤيا الركابي اتسعت إلى حد مفرط في جرأته على التفكيك، وعلى اختراق سقف الكتابة العربية السائدة، بل قل إلى حد «النبوة بلا وحي» النبوة المكتسبة بكدح المثقف وحيداً ومجروحاً ومقاتلاً في خضم التاريخ من أجل نيل أطراف الرؤية الكونية.


يتصدى الركابي لمهمة جبارة من دون إسعاف إلهي، هي مهمة تقديم قراءة كونية رابعة، في سياق التوحيدية التاريخية بعد القراءة الإبراهيمية وتكلسها وانكماشها في القراءة اليهودية، وتحررها اللاحق في القراءة المسيحية واكتمالها - بمعنى نضجها الناجز في التاريخ المفضي إلى ضرورة تجاوزها - في القراءة الإسلامية. وهذه القراءة الرابعة، قراءة عصر الهداية يتلمسها مثقف عراقي منخرط في فعالية فكر وسياسة المقاومة ضد الإمبراطورية الأميركية، لكن إنجازها مرهون بالثورة العراقية الكبرى التي ستعيد الإبراهيمية، بما هي طوبى مساواتية وثقافة روحية لمجتمع من الأحرار العائشين في ظلال الشعور الكوني، إلى موطنها العراق في لحظة انقلاب التاريخ وبزوغ شمس العصر الجديد. 
يضع الركابي إذاً، الثورة العراقية في سياق كونيّ لم تعرفه في العصر الحديث سوى ثورتين: الثورة الفرنسية والثورة البلشفية. وكلتاهما أرادتا تغيير العالم جذرياً وطبعه على صورتهما ومثالهما. الثورة الثالثة ستكون الثورة العراقية ونجاحها، بل وقيامها مشروط بامتلاكها رؤية كونية لتغيير العالم. لكن هذه الرؤية لا يمكن أن تكون مستعارة من تينك الثورتين - اللتين منهما تناسل كل الفكر الإنساني والثوري الحديث - بل رؤية مختلفة نوعيا عن رؤيتيهما، تحقق أصالتها وجدارتها التاريخية انطلاقاً من ذاتها، وبالاتساق مع الخط التوحيدي الإبراهيمي العائد إلى منبعه في «عراق يتفكك ظاهريا كي يتوحد تاريخيا وكونيا». 
أهي سلفية جديدة؟ كلا. بل ضد جذري للسلفية، لا يبدأ إلا من نهايتها كتصوّر مَرَضي بل جنوني لاستعادة تاريخ انتهى. فالتاريخ لا يُستعاد بل يُصنع، والتوحيدية ليست مروحة للعودة الأبدية إلى نقطة بدء ثابتة، بل خط تاريخي صاعد لانهائي، يتجسد مرحلياً، يتمرحل في قراءة جديدة مطابقة للحظة صعوده التالية. 
ها نحن إذاً، نصل إلى القراءة الرابعة في خط التوحيدية التاريخية، تلك التي أصبحت ممكنة في لحظة الصدام العنيف بين خلاصة وذروة الغرب الإمبريالي المتمثل في الإمبراطورية الأميركية الكونية، وبين العراق المؤهل وحده، بحكم تاريخه وتكوينه وثقافته وإمكاناته أن يجدد التوحيدية ويفتتح عصر الهداية عصر المساواتية وأفراح الروح، عصر الأرضوتوبيا. 
يرى الركابي أن منطقة التوحيدية التاريخية، العراق والجزيرة ومصر وبلاد الشام محكومة لقانون هو قانون «الأنماط الثلاثة والمجال الوسط»:
والنمط الأول هو نمط «الحيزين» العراقي، حيث اجتمعت دائما، في بلاد واحدة موحدة، دولتان، الدولة المحلية المنفصلة (أو عند الاحتلال الأجنبي، الدولة البرانية) التي تسعى إلى فرض نمط الدولة التقليدية الإمبراطورية على بلاد الرافدين وخارجها (من دولة بابل إلى دولة الأمويين إلى دولة صدام حسين) من جهة، ودولة مضادة، هي دولة اللا - دولة المساواتية القائمة على تعاون الفلاحين الأحرار المقاتلين - كشرط لانتفاء الدولة - كضرورة لا غنى عنها لمجابهة الطبيعة القاسية وإنتاج العيش والحضارة. ويطلق الصراع بين الحيزين دينامية اجتماعية وسياسية وفكرية وتقنية دافقة، لا بد لها أن تتلمس في لحظة نمو ثرية، الأبعاد الكونية للوجود الوطني والإنساني. ولذلك، كانت الوطنية العراقية دائما ذات طبيعة وطن - كونية تجسدت أولاً، في السبق الحضاري لولادة التوحيدية الإبراهيمية، ومنها اليهودية والمسيحية وأخيراً الإسلام الذي عاد بالإبراهيمية ثانية، إلى العراق ليعرف فترة ازدهاره الكبرى في الحقبة العربية - الأموية والعباسية - على أكتاف الدينامية المجتمعية السياسية الفكرية للصراع بين الدولة واللادولة في بلاد الرافدين. 
والنمط الثاني هو نمط الحيز الواحد اللادولتي السائد في الجزيرة العربية حيز البداوة المساواتية التي أمكن فيها انبثاق الإبراهيمية مجدداً في الإسلام - وما هو إلا قراءة/قرآن في الإبراهيمية - خارج أرضها، لكن من دون أن يكون في هذا الحيز الجزيري إمكانيات ازدهار الوعد الإبراهيمي الجديد، فما ازدهر إلا بالعودة إلى موطنه العراق حيث دينامية الحيزين ولذلك، فإن تاريخ الإسلام الكبير ارتبط بأرض الرافدين، بعد لحظة الانبثاق الجزيري لتعود الجزيرة مذ ذاك وحتى اليوم، إلى الهامش في منطقة التوحيد.
والنمط الثالث هو نمط الحيز الواحد الدولتي السائد في مصر حيث التواؤم الوادع مع الطبيعة الملزوزة إلى تنظيم من أعلى يقود إلى نمط تبتلع فيه الدولة المجتمع وتجمده، ويستحيل التغيير إلا من الخارج بفعل الاستعمار أو من أعلى بفعل التغيير في قمة الدولة. لذلك جاءت التوحيدية التاريخية - وهي الإطار الفعّال للحياة والفكر والنشاط المجتمعي السياسي المكتشف في العراق كإمكانية للإبداع التاريخي - إلى مصر من خارجها وهي لم تصبح مركزاً للإسلام إلا في زمن متأخر وجراء دعوة ودولة الفاطميين - ذات المنبت العراقي - التي قدمت إلى مصر من خارجها، ثم تمصرت وفق القانون المصري الذي يعيد إنتاج النظام الغازي كطريقة في المقاومة المديدة السلمية. 
وقد اكتسب النمط الأحادي الدولتي المصري مركزية عربية في ما يسمى «مرحلة النهضة» الحديثة والتي بدأت على المثال المصري من دينامية خارجية أطلقها الغزو الفرنسي، ومن ثم دولة الألباني العثماني محمد علي لتستمر إلى تجربة عبد الناصر في السياق نفسه سياق اللحاق بالغرب ما حكم على تلك «النهضة» في مراحلها المختلفة بانعدام الأصالة والاستعارة الفكرية التوفيقية للسجالات والرؤى الغربية قبل أن ترتدّ إلى سلفية مقفلة الآفاق. 
نبعت شعبية النمط الأحادي الدولتي المصري في العصر الحديث بالنظر إلى هيمنة مفهوم الدولة المركزية الغربي على الوعي العربي في القرن العشرين، وتحوير العروبة كحيوية توحيدية تاريخية تتفجر بالمساواتية اللادولتية إلى دعوة قومية مستعارة من الفكر القومي الأوروبي تتعبد للدولة. 
وأخيراً، هناك المجال الوسط بين الأنماط الثلاثة، العراقي والجزيري والمصري، هو ساحل الشام وهو «فضاء حر بذاته» بلا نمط تتولد على أرضه الديناميات الاجتماعية - السياسية وتتبلور الدعوات الفرعية وتتشكل المشاريع السياسية المحلية الطامحة (من دون أن تتمكن من التمركز والاستمرار - لاحظوا الدولة الأموية القصيرة العمر) وتتلقى التهديدات من جيرانها وضفة المتوسط الأخرى تصدها في مقاومة جزئية لا تستشرف مشروعاً كونياً ولا تستطيع، لكنها نطاق من الحيوية الدؤوبة بامتياز ومجال لا غنى عنه لتحقق التوحيدية التاريخية. 
هذا بالطبع، ليس سوى اللب المخل لأطروحة الركابي المنبثة في سردية تاريخية لولبية ـ من الماضي إلى الحاضر وبالعكس - تظهر معرفة الكاتب الموسوعية التفصيلية بتواريخ العراق والمنطقة والأفكار الكبرى والصغرى في التراث العربي القديم والحديث، والسجالات الفكرية والتجارب السياسية العربية المعاصرة مما يضطر المرء، كيفما يقدم تصوراً ملموساً للكتاب، إلى جرد اللحم اللذيذ عن العظم القاسي لأطروحة لا بد من تحديدها هنا، في لحظة الفعل التاريخية القائمة في ذروة الصراع بين إمبراطورية غربية ورثت الغرب كله بصراعاته وجناحيه واشتبكت في حلف ضروري مع الأصولية الإسلامية ضد الشيوعية، اتخذ بصورة حتمية بالنظر إلى الطبيعة العالمية للصراع ذاك صورة أممية إسلامية سلفية أصبحت بدورها قوة عالمية. وهكذا، ففي لحظة هزيمة الاتحاد السوفياتي، إذ وجدت قوتان، سرعان ما تحولتا، بحكم المنطق الداخلي لإنجاز مهمة التحالف إلى المجابهة، في ما نعيشه خصوصاً منذ مطلع الألفية مع إدارة جورج بوش من تمركز السياسة الأميركية، وتالياً العالمية، على محور الحرب على الإرهاب بوصفها الرد المأزوم على انسداد الأفق الإمبراطوري الأميركي، الملزوزة إلى تأمين حضورها عبر تدمير الدول الوطنية. وهي الحرب التي انتقلت من مقاتلة الأشباح والتبشير «بالديمقراطية» و«التحديث» إلى تجسيد دام في غزو العراق الذي كان وصل أيضاً إلى انسداد أفق تعايش الحيزين الدولتي واللا دولتي، المصطرعين بصورة درامية منذ ثورة تموز/يوليو 1958. وهي كانت ثورة اللادولة - التي حدسها وتطابق معها ولو جزئياً، مؤسس الحزب الشيوعي العراقي «فهد» مطلقاً ديناميات حزب كان الأكبر والأكثر أصالة بين العدد الأكبر من الأحزاب الشيوعية في العالم. وإذا كان البعث خصوصاً بعث صدام حسين، قد حاول المستحيل في فرض النمط الدولتي الأحادي المصري على عراق الحيزين، فإن المحاولة انتهت بفشلها الحتمي في تنظيم مجابهة وطنية ناجعة للغزو الأميركي الآتي بالضرورة لإسقاط الدولة وتحطيمها شظايا تلك الدولة التي لم يعد ممكنا إعادة تركيبها لا في صيغة دولة برانية احتلالية، سواء أميركية أم إقليمية ولا في دولة محلية منفصلة جديدة تحاول أحزاب «العملية السياسية» تركيبها واستنساخ دولة صدام حسين بلا جدوى. فهذه الإمكانية لم تعد واردة، ذلك أن نمط الحيزين نفسه بلغ منتهاه وأصبح مستقبل العراق مرتبطا بسيادة نمط اللادولة المساواتي وتحقق عصر الهداية الذي هو بطبيعته كوني بالضرورة. 
هكذا، في تمفصل الصراع العالمي بين قوتين محوريتين، الإمبراطورية الأميركية والأممية السلفية المقاتلة على الصراع على العراق كمركز إقليمي، وفي داخل العراق بين حيز مات وآخر يتشكل وسط النار نحو الكونية يظهر المشهد العراقي فوضوياً وداميا ومتفككاً وآيلاً إلى الحرب الأهلية والخراب؛ ولذلك تبدو بشرى الثورة التوحيدية المساواتية الآتية عصية على الفهم بالنسبة إلى طرق التفكير القديمة والرؤى المستعارة. ولكن، من منظور الثورة تلك ذاتها فإن ما يمر به العراق الآن، من مقاومة جزئية وغموض وفوضى، ليس سوى مرحلة انتقالية، تتلاشى فيها الأفكار والمشاريع والصيغ الفائتة بما فيها السلفية المجاهدة والمشاريع الدولتية والتشيع والتسنن والقومية والماركسية والليبرالية لصالح منظور الأرضوتوبيا التوحيدي المتمثل في مهدوية من طراز جديد. 
وإذا كانت فكرة الأرضوتوبيا سوف تخرج كما يقول الركابي من «تراث قوى الركام» فإن «من يرد اليوم تطبيق مبادئ الانقلاب التاريخي الحالي بروح ومفاهيم الركام السابق» يبدأ من مدخل خاطئ نظرياً وعملياً. «فاللادولة لها طريق تحقق وحيدة تبدأ من الأسفل من الوحدات المساواتية العشيرية، ومن المضيف (المضافة) والمجالس المنتخبة للمدن والجامع - كجامع للأمة - بصرف النظر عن العقيدة أو الدين أو المذهب وصولاً إلى المجلس العام الوطن - كوني غير الوظيفي ولا الدائم». 
نحن هنا بإزاء بيان انقلابي لن يكون مقبولا من المثقفين الغرباويين والسياسيين الحكماء والسلفيين على مختلف أصنافهم. فالعرب - الذين لا تقوم لهم دولة حسب ابن خلدون إلا بدعوة دينية، أي برؤية كونية لم يعودوا يجرؤون على الاقتحام الفكري على الرؤية أو مطاردة الأشباح. وهو مجد النبي والمثقف، فالنبي محمد رأى قصر كسرى في شرر الفأس في لحظة مقاومة يائسة (معركة الخندق) وكارل ماركس رأى «شبح» الشيوعية يتجول في أوروبا (البيان الشيوعي(. 
القراءة التوحيدية الجديدة - التي تجرأ الركابي على اقتحامها - ترنو إلى «وطن عراقي كوني لا دولتي وصيغة ومفهوم التماثل الشعوري والقيمي والنفسي بين مختلف مكونات ومناطق البلاد» على أساس الاجتماع الحر المساواتي لمواطنين أحرار. ذلك أن «الوطن فكرة» والوحدة الوطنية - الكونية «دعوة» ولا يمكن أن يقتصر تحققها على العراق، بل لا بد أن يتعداه إلى عالم الأنماط الثلاثة والمجال الوسط وكل العالم الإسلامي والعالم. 
وما يعطي لدعوة الأرضوتوبيا التوحيدية، هذا المدى الكوني تزامن إمكانية تحققها في الثورة العراقية مع «انقلاب تاريخي على مستوى المعمورة، فالإنسان يبدأ الانتقال نحو أشكال أخرى من العمل ما بعد صناعية سيكون أهمها على الأرجح تركز الاهتمام الخلّاق داخل الإنسان ذاته. وبهذا، فهو، أي الإنسان يطرق عالما يطل على احتمالات متبدلة في شروط الوجود والكينونة». وهكذا يكون «الكشف عن سبل العيش اللاحق هو طريق حضارة أخرى سيقع على العراق ومحيطه عبء الإجابة عن أسئلتها».
ويتوضع هذا العبء الفكري والنضالي في لحظة مقاومة غزو العراق من قبل إمبراطورية تلخص في ذاتها وفي مشروعها كل تراث القسر والقهر والهيمنة الدولتية والاستغلالية والاستهلاكية. وقد أصبح ذلك المشروع متلازماً بصورة حتمية مع التفاعلات العراقية مما يعطي للأخيرة طابعاً كونياً ويجعل من منظور الأرضوتوبيا - وهو الوحيد الناجع لطرد الاحتلال - وتاليا كسر الهيمنة الأميركية على المستوى العالمي طابعا كونياً. (تتبع حلقة ثانية(.

* عبد الأمير الركابي، «أرضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ من الإبراهيمية إلى ظهور المهدي»: هكذا يرد التاريخ العراقي على التحدي الأميركي، دار الانتشار العربي، بيروت 2008 (460 ص)