مع السيد ارا خاجادور و" حزب العمل العراقي "...الدلالات والمضامين (2)وقـــــائع صــــــادمة !

لم تهتم قيادة الشيوعي ، انذاك ، بترصين قناعات اعضاء الحزب وجمهوره ، التي كانت مزعزعة تماما اتجاه مصداقية وقدرة مفاهيم طريق التطور اللاراسمالي او الجبهة وافق تطورها المزعوم على الاقناع ،وعندما بدأت الحملة الشرسة ضدهم كانت هذه القيادة تؤكد ان الوقائع التي كانت تجري ، بشكل يومي ، هنا وهناك ، مجرد تجاوزات فردية او تصرفات غير مسؤولة لاشخاص موتورين انكرتها قيادة الحزب الحليف ، اما حينما تفاقم الامر ، ولم يعد بإمكان هذه الرقاع المفضوحة ان تستره فقد اسقط في يدها وكان جل ما فعلته ، لإعداد الاعضاء والمؤازرين من الشباب الغض هو استنساخ وتوزيع ، وان على نطاق محدود ، كراس او صفحات مستلة من كتاب " القمع في روسيا القيصرية "، وكيف كان البلاشفة يواجهون التحقيق ! ولا احتاج الى مزيد من الكلمات للتعليق على هذا الواقع البائس .و في الوقت الذي كانت الاعتقالات تجري على قدم وساق وشباب الشيوعيين يتعرضون للتعذيب اكتفت صحيفة الحزب ، طريق الشعب ، بنشر مقالات عن الاضطهاد والتعذيب في بعض بلدان امريكا اللاتينية ، وحينما كان يقال لهم لماذا الاهتمام بأمريكا اللاتينية وما لدينا اتعس واكثر شراسة يجيبون المعترضين ، الا تعرفون ، حقا ، الم تحزروا ما نرمي اليه ؟! اننا نقصد بذلك النظام وممارساته طبعا ، غير اننا نقوم بتورية يفهمها حتى النظام ؟! 
 اما المّرة الوحيدة التي نشرت فيها طريق الشعب ، اشارة ولو خجولة ومبهمة عما يجري فكانت حينما قُتل الشهيد عدنان هادي تحت التعذيب وقد نشرت الخبر في رقعة صغيرة جدا على صفحة داخلية وبهذه الصيغة :
" توفي متأثرا بجراحه ، في احدى مستشفيات بغداد ، الرفيق عدنان هادي ..الخ "
وهو اعلان كما هوواضح  مثير للالتباس ، فهل دهس الرفيق المذكور ، هل سقط من سطح دارهم او بناية ما ، لكي يصاب بالجراح ، ثم أي مستشفى ذاك الذي توفي فيه ؟!... في حين ان ما حصل كان موت الشهيد تحت التعذيب وتسليم جثمانه الى مستشفى الرشيد العسكري على ما اذكر، لاصدار شهادة وفاة !
 يبدو ان شللا ، كان يسيطر على سلوك تلك القيادة واعضاءها ، يشبه شلل الفريسة ، رعبا ، امام مفترس كاسر . واذا فكرنا ان المنظمات والاعضاء يُهاجمون ويُعذبون وتُنتزع اعترافاتهم ويُسقّطون سياسيا على مدار الساعة ويوميا فلن يبقَ امامنا من مبررات الرعب الاّ حفاظ هؤلاء القادة على حياتهم الشخصية وحرصهم على امنهم الذاتي ، لقد كانوا يعيشون رعبا اراهم صدام بعض نماذجه سواء في حملة 1970 -1971او حتى في اوج التحالف الجبهوي ، حينما اعُتقل ، على سبيل المثال ، كاظم حبيب ، مرشح اللجنة المركزية و عضو المجلس الزراعي الاعلى لمجرد ملا حظة بسيطة ابداها ولم تعجب صدام ، ليهان ويعذب وتكسر ذراعه ! لقد انعكس واقع هذا الرعب في صمتهم المطبق ثم حيرتهم وتخبطهم ثم مغادرة معظمهم البلاد ومنهم السيد آرا ، الذي تشتمل صورة مغادرته على ما يؤيد اشدّ النعوت التي قيلت بحق قيادات الشيوعيين ...
يكتب السيد ارا ، بصدد ظروف مغادرته للعراق ، عام 1979 : 
(حين إستلم حزب البعث الجريدة اللبنانية التي نشرت البيان، أرسل نسخة منها الى قيادة حزبنا. ولاحقاً ركز البعثيون المراقبة عليّ ـ آرا خاجادور، كما نقل د. مهدي الحافظ ممثل الحزب في سكرتارية الجبهة الوطنية للحزب إستياء البعثيين مني، وعبر عن ذلك الإستياء القيادي البعثي وعضو سكرتارية الجبهة الوطنية نعيم حداد. وبعدها أخبرني الرفيقان عزيز محمد و زكي خيري بضرورة مغادرتي العراق باسرع وقت ممكن بقرار من المكتب السياسي، وفي اليوم التالي زارني القنصل السوفيتي في البيت، وجلب لي تذكرة سفر الى موسكو، ترددت كثيراً في موضوع السفر، وفي اليوم التالي أرسلت قيادة الحزب سيارة لنقلي الى المطار، ورافقني الى المطار الرفيقان فخري كريم وابو حمدان (محامي الحزب).

دخلت الى المطار وعند نقطة فحص الجوازات أخذوا مني جواز السفر. كان واضحاً بأنهم لا يريدون ختم الجواز، وتأخرت كثيراً حيث دخل كل المسافرين الى داخل الطائرة، وأنا الوحيد بقيت أنتظر، بعدها جاء ممثل السفارة السوفيتية الرفيق كريتشكو، وقال لي: ما الذي يحصل؟ قلت له: لا أعلم. إنتفض من مكانه معلناً بصوت جهوري بأن الطائرة لا تقلع من المطار بدون وجودك بها.

بعد فترة وجيزة جاء ضابط عراقي، وأخذ الجواز من الإستعلامات، وطلب منهم ختم الجواز، وبعد أن سلمني الجواز أخبرني بالذهاب مع ممثل السفارة ، وإنتظر كريتشكو صعودي الى الطائرة ، وانتظر هناك الى حين مغادرة الطائرة الروسية مطار بغداد. كان ذلك عام 1979 )

انها وقائع صادمة حقا ، فهل يدرك العزيز خاجادور مضمون ما يقول ؟
 ففي الوقت الذي كان القنصل السوفيتي يأتيه الى بيته بتذكرة السفر ويحضر ممثل السفارة السوفيتيه الى المطار ليطمئن على مغادرته ، كان العشرات والمئات ، من الشيوعيين العراقيين، الشباب والشابات ، يعانون في مسالخ التعذيب ويموت بعضهم دفاعا عن اوهام واضاليل ، آملين ان يكون الغد افضل والمحنة عابرة وان قيادة الحزب والرفاق السوفييت والتضامن الاممي سيكون له وقع مؤثر ، دون ان يعنى لهم قنصل او يهتم بسلامتهم سفير !.
 اما مجيء ضابط عراقي ، (مرسل من صدام حتما ولغرض واضح)، وختمه للجواز وتسليمه له واخباره ل ارا بان يذهب مع ممثل السفارة السوفيتيه الى الطائرة الروسية ، فتلك ثالثة الاثافي التي اترك لكم تقدير مضامينها ! 
بعد ذلك ، يضعنا السيد خاجادور ، في اطار النهاية المنطقية لذلك الحدث واسبابها " الموضوعية " :
 ( بعد هذه الأحداث إجتمعت اللجنة المركزية في موسكو، وطُرح بذلك الإجتماع موضوع الكفاح المسلح، الأغلبية وافقت على القرار على أساس، الدفاع عن النفس وحماية الحزب من التصفية، ولعدم وجود أي طريق آخر للنضال ضد نظام البعث، ومن أجل أعادة تنظيم الحزب داخل الوطن.

بعد إجتماع موسكو حصل لقاء في بلغاريا، حضره الرفاق عزيز محمد، صالح دكلة، وأنا، واللقاء حصل بسبب تصادف وجودنا في وقت واحد بصوفيا كل بشأنه الخاص. ناقشنا خلال ذلك اللقاء بعض جوانب الوضع السياسي. ووجدت ضرورة لطرح موضوع حزب العمل العراقي على المكشوف مع الرفيق عزيز محمد، وبمناسبة حضور صالح دكلة. وتم الإتفاق على إيقاف العمل في بناء حزب العمل العراقي (حل الحزب) بسبب إرتقاء سياسة الحزب الجديدة الى المواجهة المسلحة. بعد هذا اللقاء أخبرت الرفيق بهاء بالتوصل الى إتفاق بالتوقف عن العمل على إنشاء حزب العمل العراقي. قال الرفيق بهاء: لو كنت حاضراً لإعترضت على قرار الحل.)
ثم ننتهي الى خاتمة مستعارة من الادبيات السوفيتية ، حيث ضرورة تبيان تاريخية الخطوة او الحادثة ، واهميتها بل وضرورتها في تسلسل الاحداث : 
( إن هدف ودور تشكيل حزب العمل العراقي إظهار خطأ سياسة الحزب في التحالف مع حزب البعث؛ "مع البعث لبناء الإشتراكية"، ومن أجل تعجيل إنتقال الحزب الى المعارضة، ولحماية الحزب. وأثبتت التجربة العملية ضرورة وجود تنظيم سري للحزب في كل الظروف والأحوال بما يُشكل ضمانة للحزب لمواصلة دوره حيث لا توجد ضمانة بأن لا يكون الحزب هدفاً للسلطات الحاكمة.)
لقد علمنا ، مما شرحه ارا ، نفسه ، ان تشكيل هذا الحزب لم يتجاوز البيان التاسيسي الذي نُشر ، وان وجوده وحقيقته محل اشتباه ولبس حتى من قبل من يصفهم ارا بانهم مؤسسيه ، فصالح دكله يخلط بينه وبين تنظيم الغد الديمقراطي وبهاء الدين نوري يتذكره بشيء من عدم الدقة ، كما يقول ارا . ولا يقدم لنا الكاتب صورة من ذلك البيان لكي نتمكن من الحكم فيما اذا كان قد اظهر خطأ سياسة الحزب وانتقدها ام لا ، هذا اولا .
ثانيا-كيف عجّل هذا الحزب بانتقال الحزب الشيوعي الى المعارضة ؟ هل من امثلة ملموسة ؟ ثم ان الحزب الشيوعي لم ينتقل الى المعارضة بل انتهى الى وضع قلق بائس اجبر فيه على الهجرة حينما غادرت قيادته واكثر من 6000 شيوعي ليصبح حزب منفى او ليتخذ له ، بعد ذلك ، قاعدة في كردستان كان غرضها توفير ملجأ آمن للحماية ( واية حماية !)اكثر من كونها ستراتيجية كفاح مسلح يستهدف اسقاط النظام . اما اهمية هذا الحزب الوهمي في حماية الحزب الشيوعي فهي وهم محض ، لا يدعمه العزيز آرا بأي مثال ملموس او برهان منطقي او سياسي . واخيرا ، وبالنسبة لضرورة وجود تنظيم سري للحزب في كل الظرف والاحوال ، فهو استنتاج ، يبدو بديهيا في ظروف العراق وتاريخه الحديث ، لكنه كان في متناول ادراك جمهور الحزب وحتى الفتية من اعضاءه ، في حين دُفعت ْاثمان باهضه واهرقت دماء زكية وعانت الوف مؤلفة من خيرة شباب العراق مرارة التشرد والمنفى والاغتراب ، لكي تدركه ، عبقرية القادة !
*******************
تبقى هناك اضافة مهمة لا بد من ذكرها في هذا السياق ، كانت في اساس اهتمامي بالموضوع وتفحصه ، هي اننا ، شكلنا ، انا والشهيد عادل تركي وآخرون ، عام 1979 وفي بغداد ، تنظيما اتخذ في البدء اسم حزب العمل العراقي ثم ابدلنا اسمه الى حزب الشعب الديمقراطي عام 1980 استنادا الى قناعات نظرية تتعلق بتحليل جاد وملموس للواقع التاريخي والاجتماعي للعراق وما يرتبه من حاجات واولويات .
لا شك ان التشابه في الاسم كان وليد الصدفة المحض ، لكن التوقيت المطابق ( 1979) كان يعني الادراك العام والمتنامي لضرورة ايجاد البديل الفعال والمعبر والجاد لحزب كاد يصبح او اصبح بالفعل ، وبحسب تعبير روزا لكسمبورغ ، الدقيق ، فطيسة . واذْ اتخذه السيد ارا وجماعته مجرد اسم لتمرير موقف ، فقد اتخذناه نحن بديلا سياسيا يعبر عن حاجة حقيقية وضرورة لا زبة تمثلت في اقامته لتنظيمات بديلة في ثلاثة محافظات عراقية وتشكيله لتنظيم عسكري كان يدرك مدى اهميته الحقيقية في ان يكون رأس حربة في أي تغيير حقيقي مراد باتجاه قلب الدكتاتورية واصداره جريدة صدرت منها ثلاثة اعداد قبل ان توجه له ضربة من قبل النظام . 
ان ذكري لهذا الامر ، لا يصدر عن مناكفة او ادعاء ، وانما لتبيان ان ادراك حاجة او ضرورة ما ، يستلزم عملا جادا باتجاه تحويلها الى واقع ملموس .وأنه لمن الخير الف مرة ، اتخاذ موقف شجاع ومسؤول ومهما كانت التضحيات بدلا من الهروب الى عالم افتراضي ومنطقة اللاموقف . وان خوض معركة ، ولو يائسة ، كان يمكن ان تكلف دماءا اقل ، وتعطي ثمارا مستقبلية اوفر وتبقى عالقة في ذهن الاجيال دلالة خالدة ومنارة هادية . والتاريخ مزدحم بالامثلة النيّرة على انتصار الضحايا الذين قاتلوا بشجاعة وبطولة ولو بعد اجيال وعلى ايدي القوى الحيّة للشعوب التي اتخذت منهم ومن شجاعتهم واقدامهم مثلا وقدوة .