مذكرات منجمي عراقي : أوراق من الذاكرة "12"

الكاتب  باسم صالح مع المهندس الشاب يونس

أوراق من الذاكرة(12)

قبل توقيع العقد مع الشركة المنفذة لمنجم حديد الحسينيات، قمنا بأشغال ترميم وصيانة بناية موقع الحسينيات المتضررة بسبب احداث2003،وجعلها ملائمة للسكن والإدارة ، وتجهيزها وتأثيثها بكافة اللوازم المطلوبة، وقمنا ايضا بترسيم حدود المنجم على الارض في موقعه المحدد، وفِي مرتسم لا يعدو عن كونه رسما كبير لمضرب ذباب مرمي على الارض. وقد جاء في العقد الموقع مع الشركة بنود تلزمها بالعمل تحت إشراف وتوجيهات دائرة المهندس المقيم المؤلفة من الكادر الهندسي والجيولوجي التابع لقسم المناجم، وتكفلنا بتخصيص قسم من البناية لإسكان عمال الشركة وتخصيص مكان في فناء البناية الخارجي لأجل وقوف ومبيت معداتهم وسيارتهم. بدأ العمل في1/1/2013بحماسة غير معهودة في موقعنا، بالرغم من صعوبة تكسير صخور الطبقة الغطائية، اعتمادا على الاليات والنقارات فحسب.

وكانت دائرة المهندس المقيم ترسل تقارير يوميه مرفقة بفديوهات عن تقدم سير العمل ومتابعة تنفيذ برنامجه. وقد زرتهم ثلاث مرات على مدى ستة أشهر لتحديد. كميات الإنجاز محسوبة بطرق واجهزة المساحة الحديثة، لحجوم الكميات المقلوعة موقعيا وتوثيقها بشهادة إنجاز لإطلاق مبالغها للمقاول، كما نص العقد. وكنت أغطي في زياراتي بالتزامن مواقع العمل في منجم البنتونايت، البوكسايت، وبعض مواقع استخراج خامات الحديد شمال موقع الحسينيات، وكان لها مجريات نابهة للخروج بانطباع ان المنطقة الغربية ذاهبة نحو فوضى الامن والمواجهة المسلحة.

في موقع البنتونايت كنا مكلفين بتجهيز كمية(8000)طن بنتونايت، مادة أولية لمعمل تنشيط البنتونايت في الفلوجة(قيد الإنشاء) وقد اعتمدنا الامكانات المحلية في استخراج وتجهيز ونقل المادة الى المعمل، وصادف دعوتنا وجبة غداء بمناسبة بدء العمل من قبل متعهد النقل(وهو من الوجوه المتنفذة في البوعلوان) حضور اصدقاء له، بعضهم اتى بسيارات تحمل لوحة ارقام سعودية وبعضهم حدثنا عن المدن السعودية المجاورة للحدود، وامكانية ذهابنا اليها،،،الخ. ولايحتاج الامر الى فراسة كبيرة لمعرفة طبيعة أعمالهم. بدأنا احاديثنا ومضيفنا يجلس في صفهم، مقابل لنا، وبعد قطعنا شوطا منه، مع أجوبتي التي تركت انطباع غير مسر لديهم، بادر الى ترك مكانه والجلوس بجانبي في إشارة الى اننا في حمايته. في مضايف البدو عليك ان تنتبه الى هذه الوصلات والتلميحات الخفية والتي بالكاد التقاطها.

بسبب طلبات التجهيز لخام البوكسايت، عملت على تهيأت مخططات الخسفة (5)بعد دراسة كافة أبارها في بغداد، وتحديد خطة العمل اللازمة لاستخراجه وتجهيزه. وذهبت مع كادر الصحراء لمعاينة الموقع وتثبيت سياقات العمل المطلوبة، الا ان الجيولوجي المسؤول عاد في اليوم التالي لتثبيت الامر بصورة نهائية، وعند وصوله لموقع الخسفة لاحظ اثار عجلات حديثة قدمت بعد مغادرتنا البارحة، وايضا ملاحظة حفر وأخاديد ممتدة بداخلها أسلاك تفجير في بعض اجزاء الطريق المبلط، مما اضطرنا لالغاء الامر برمته. وامام إلحاح معامل السمنت في طلب خامات الحديد، دفعني الامر للعمل في مواقع مشجعة شمال الحسينيات، واقعة بين تلال تنفتح على ارض مستوية تشكل ممرا لعدة تقاطعات من الطرق الترابية الواصلة بينH1,H2. وأقضي اغلب وقتي بجوار الحفارة العاملة لإرشادها. ومع اصرار سائق الحفارة عدم الاقتراب من المناطق المفتوحة المستوية والبقاء بين التلال، لاحظت ان سيارات العربان تجفل حالما تلحظنا وتغير من مسارها، عندها ايقنت بأننا قريبين من عِش الدبابير القاتلة. بعدها تعذر الوصول الى مواقعنا في الصحراء الغربية الا عبر كربلاء-وادي الابيض، ومنه شمالا الى الكيلو160،واكتفينا بكادر الصحراء لمراقبة انجاز اعمال المنجم مع المهندس المقيم، وتنفيذ اعمال المواقع الاخرى التي تلكأت بسبب داعش. وكان تقويمي للفترة2013-2014بالفترة الأسوأ التي شكلت تهديدا لأعمالنا ووجودنا، ناهيك عن تهديدها للبيئات والحواضر السكانية المحلية وجعلها جزء من المعركة المحتملة بين الجيش وداعش.

قد يكون هذا الاهتزاز الاقليمي في المشهد السياسي الاجتماعي في منطقتنا العربية الذي ابتدأ في تونس وجر بلدان عربية اخرى، يتحمل جزء منه فشل النخب السياسية المهيمنة في إنجاح خطط التنمية البشرية، لمجتمعاتها والارتقاء الى حد الاكتفاء في سد حاجاتها صناعيا وزراعيا ولكن في جزئه الاكبر تعمد الغرب في استحداث الفوضى لاضعاف توجهها الوطني وتحويلها الى ملحقات مباشرة به،وعودة الروح لسايكس-بيكو. نعم استخدمت هذه الفوضى ايدلوجية تبريرية(حرية، عدل، مساواة، حقوق إنسان ،فرص عمل، حياة كريمة، إنهاء الفساد،،الخ)لجر الشباب للتظاهر والاشتباك، مع قوات حفظ النظام بشكل مدروس وعلى يد مشغلين محترفين صناعة الثورة البرتقالية.

الغرب يتصرف بحرفية عالية للايقاع بنا وبعض مثقفينا يستجيبون برومانسية شديدة لمواضع التضليل، انها رؤيتنا السرابية  ذاتها لالف سنة وسنة، يا للخسارة.... يتبع

الصورة للكاتب مع المهندس الشاب يونس