بيان حل"الحزب الشيوعي العراقي"؟(1/3)

يتركز هذا التعرض على تبيان مسالة الحل التاريخي لحزب او حركة من الحركات، بمقابل الحل الاجرائي الشكلي، وايهما اكثر انطباقا على الحالة المعروضة، وهي التي نحن بصددها، واذا كانت الثانية لها نفس المفعول او القيمة، او انها تزيد اوتنقص من حيث الأثر والفعالية، ان ماقد ذهبنا لاعتماده في معالجة المعطى الذي نحن بصدده، وكمعامل للقياس وحسب طبيعة الحالة الجاري تناولها، يتمثل في: أولا:الحماسة الوطنية ودرجة الانحياز للقضايا التي تهم القطاعات الشعبية، ومسالة الغربة المفهومية الناجمة عن الاستعارة، وشكل تجليها في الحالتين، أي حالة الحماس للقضايا الوطنية بمقابل الحالة الراهنة، حيث انتفت مثل تلك الحماسة، او تراجعت ولم تعد هي المحرك، او المحفز الرئيس للمواقف ثانيا، وصولا الى محاولة استخلاص الحكم على الحالة الأخيرة، واذا كانت كافية لنزع بقايا الصفة التي تميز الحزب المقصود، او الكيان التنظيمي، او لا. وبالأخص اذا كان مثل هذا الوضع يعني حلا، او انحلالا للحزب بالمعنى التاريخي، بغض النظرعما اذا كان مايزال وسيستمرقائما كهيكل تنظيمي فارغ.
وتبقى مسالة أخرى مهمة اذا ما اردنا متابعة مصير، او دور التيار المذكور من حيث ضرورته التاريخية، دائمة كانت او مؤقته، ان اصدار الحكم على "الحزب الشيوعي العراقي" بالقول بانه قد "حل تاريخيا"، ولم يعد قائما في الواقع، يستدعي استحضار هذا المعطى الهام والموجود تاريخيا، ضمن الانشغالات المتصلة بضرورة وجود حزب شيوعي في العراق، وشكل حضوره في الحياة الوطنية، والحوافز والعوامل التي جعلته يقوم ويستمر، حيث نعرج هنا ولزوما على مسالة الإبداعية الوطنية، مقابل ماقد اسميناه "الغربة" و "الاستعارة" المفهومية النظرية.
فالحزب الشيوعي بالاصل نشأ ضمن سياقات وعوامل لاعلاقة لها بالابداعية الوطنية كما كان يفترض، او كما هو الطموح والمتوقع في العصر الحديث، وبمناسبة ماعرف وقتها ومايزال بالدخول الى العصر، أي الاندماج في الفعالية الحداثية الغربية، ومع ان من تصدوا لتأسيس الحزب في الثلاثينات، توهموا انهم بصدد اكتساب، او احراز ادوات علم العصر فيما يخص النظر للواقع والحياة استنادا لمفاهيم صراع الطبقات والمادية التاريخية الماركسية، الا انهم وعلى راسهم "فهد" الذي سجلت له نشاطات ذات طابع شيوعي منذ أواخر العشرينات، كان بالأحرى الأكثر توهما، والابعد عن نطاق "الإبداعية" الوطنية، مع ميل قاطع ل "الاتباعية النقلية"، غير ان ماميز جيله وقتها، وكان الأكثر تبريرا من غيره من العناصر المساعدة، او التي اتاحت وجود الحزب وسعة انتشار افكارة، كون أولئك كانوا ملتزمين بالعنصر الثالث، ممثلا في "الحماسة للقضايا الوطنية والمطالب الشعبية الملحة والسعي لمواكبتها"، وبالإمكان نسبة اغلب جيل الايديلوجيين، حتى من غير الماركسيين مثل القوميين او الليبراليين، الى المناخ والموقف الوطني، حتى قبل انتقالهم للايديلوجيات، ونزوعهم لتأسيس احزابهم المستقلة، بعد منتصف الثلاثينات، بدليل ان اغلبهم كانوا اعضاء في حزب "جعفر أبو التمن" أبو الوطنية العراقية الحديثة، قبل الاستقلال عنه.
اكثر من ذلك، يمثل هؤلاء في الواقع، بدليل حركتهم الانتقالية خارج حزب" أبو التمن"، رغبة في تحسين ادائهم الوطني، وهم في الغالب عبروا عن أسباب نزوعهم نحو نمط اخر من العمل السياسي، فبرروه بالرغبة في إيجاد وسائل اكثر فعالية، تتناسب وحماستهم الزائدة وتجاري الزخم الوطني الشعبي المتعاظم، مصرحين بان التيار الوطني الذي كان يمثل الوطنية وقتها، لم يكن هو، ومن على شاكلته من حلفائه، قادرين على مجاراة الحركة الشعبية والنطق باسمها، ان لم يظهروا بالتجربة عجزهم عن مواكبتها، مايوجه نظرنا لنقطتين أساسيتين برزتا وحددتا اتجاهات الأفكار والاطر السياسية في حينه، أولها : علو وقوة دفق وزخم الحركة الشعبية، وتجاوزها مستوى طاقة وقدرة المتوفر من التيارات والقوى المتصدرة للعمل الوطني، بغض النظر عن نواياها، او درجة صدقها واخلاصها، كما هي الحال بالنسبة لمثال "جعفر أبو التمن" بجانب تعذر الرؤية الوطنية المطابقة للحالة، او الوضع المعاش في حينه، فمن اهم جوانب عجز الأحزاب الوطنية العشرينية، كونها وقفت عاجزة دون بلورة منظور وطني ناشيء عن وعي الذاتية والخصوصية التاريخية، ناهيك عن ترجمته الى اطرعملية.
ولم يكن من تصدوا لتأسيس الأحزاب الايديلوجة ليغفلوا ذكر، والتنويه بالاسباب الدافعة التي بررت وجودهم وانبثاق احزابهم وقتها، ومن بينهم لابل على راسهم، الشيوعيون الذين احالوا الموضوع بحسب مفاهيمهم المستجدة الساذجة وقتها مباشرة وتوهما، الى "الطبقات" فاعتبروا ضعف البرجوازية هو السبب في عجز القوى العشرينية عن تصدر الحركة الشعبية، مااسبغ على نشاطها الوطني طابع الموسمية والقصور، ليبرروا وقتها صعود حزبهم المعبر( اعتباطا واستنسابا) عن الطبقة العاملة مفهوميا وبالاستعارة النظرية المسقطة على الواقع.
وباحتساب قوة دفع وفعل الواقع المادي واحتدامه المتعاظم، والحاجة الماسة موضوعيا لمعبر عن الحركة الجماهيرية المتزايدة الصعود، بفعل السياسات الاستعمارية، ومنها إقامة "الدولة الحديثة"، كاداة وراس حربة هجوم تاريخي على مجتمع "اللادولة المشاعي الجنوبي"، مع نقص فعالية التطابق التصوري، يظهر ان الحاجة الآنية العملية يمكن ان تعوض ولو ايهاما، عن الضرورة التاريخية، بحيث يتسنى للافكار المستعارة والمنقولة، وغير المتلائمة مع الحقيقة التاريخية، ان تلعب دورا في الحياة الوطنية، يجعل منها فاعلا محوريا ومهما، مايعني حصول تاقلمات واشكال تماس واحتواء متبادل، بين الحزب المبني وفق مفاهيم ووسائل وطرق عمل وتنظيم، غير مطابقة واقعيا وتاريخيا،/ ايديلوجية حداثية منقولة/ وبين الواقع، وبالذات جوهر بنيته التاريخية وكينونته.
هنا يتوجب التعرف على العنصر الحيوي الاخر، الذي برروجود المنظور والكيان المستعار الايديلوجي الماركسي اللينيني كما يطلقون عليه ( هذا التناول يستثني بالطبع اشكال التجلي الايديلوجي القومي والليبرالي الشعبوي من البحث ) فليس كل مكان، او كل موضع في العالم او في المنطقة، مرشحا لان يستقبل الأفكار المستعارة، بنفس القبول او الإيجابية، وثمة ظاهرة هنا تتعلق بالعراق، جرى التغافل عنها، او عدم وضعها في الحساب، هي قوة المستحصل عليه من الواقع القائم، من قبل قوى الاستعارة، وهذا جانب دخل رصيد الأحزاب الايديلوجية من دون وعي منها، لم يكن لقوى الاستعارة فيه وفي تحققه الاعتماد على الجانب الحسي المعاش، وبالمقارنة مثلا بين حال الشيوعية في مصر، بالعراق، مع ان مصر اكبرحجما ، وتعداد سكانها اكثر من سكان العراق، وعلاقتها بالحداثة ابكر بكثير، الا ان التيارات الشيوعية المصرية، لم تحظ اطلاقا بما حظيت به الحركة الشيوعية العراقية في بلادها، ومن موقع شديد العمق حياتيا، بالأخص خلال السنوات الثلاثين الأولى من تأسيس الحزب الشيوعي العراقي.
ولايعود هذا الى زيادة في براعه "فهد" ومن معه، او تميزهم عن نظرائهم المصريين على الاطلاق، بقدر مايعود الى كون الواقع العراقي، مشاعي بنيويا أصلا، والمشاعة واللادولة عنصر أساسي في تكوينه الكياني والمجتمعي التاريخي، ولان مجتمع "اللادولة" وقتها وبعد ثورته الكبرى ضد الاحتلال البريطاني عام 1920، واجه بعدها مباشرة هجوما خطرا من نوع فريد ومبتكر( اقام الإنكليز مااسموه وقتها "الحكم من وراء ستار" وهو اول صيغة عرفها التاريخ من صيغ مااصبح يطلق عليه في الستينات "الاستعمار الجديد"، اي صيغة استخدام اهل البلاد في تنفيذ المقاصد والاهداف الاستعمارية، بدل المواجهة المباشرة مع مجتمع يرفضها قطعيا).
على منقلب اخر،عجزت التخبة العراقية عن ان تقيم حزب وطنية كبيرمن نوع "حزب الوفد"، او "حزب المؤتمر الهندي"، مايعكس الاختلافات الجذرية في التكوينين الحضاريين التاريخيين العراقي والمصري، و يذكّربتعاكسهما البنيوي، بين مجتمع احادي صراعه مع الطبيعة ومصدر تحصيل المعاش شبه منعدم، بحكم توافق النيل مع الدورة الزراعية، تتسيده الدولة المركزية المستبدة وهي حال مصر، ومجتمع ازدواجية دولة ومجتمعين متصارعين، مجتمع لادولة في الأسفل، ودولة قاهرة في الأعلى، الصراع بينهما لاحل له، وتاريخه الانسان الإنتاجي تاريخ صراع لايتوقف لحظة مع الطبيعة والنهرين المدمرين المعاكسين فيضا للدورة الزراعية، إضافة للصراع مع الحدود شرقا وغربا وشمالا، الأقرب لتوليد مايعرف بجنون الحدود، ولو كانت الطبقة وتبلورها هو بالفعل من يحدد مكان الحزب في الموضعين العريقين تاريخيا، وليس آليات تاريخهما وبنيتهما الموروثة، لكان الحزب الشيوعي المصري أوسع واعمق واشمل حضورا، وفعلا في الحياة المصرية، بما لايقاس مقارنه بالحزب الشيوعي العراقي، بما ان الطبقة العاملة المصرية اعرق واقدم واوسع حجما، بينما كان الحزب الشيوعي العراق يظل محدود الوجود والفعل مادامت برجوازيته ضعيفة كما يقول منظروه الجهلة متحججين بواقعة نتيجتها المنطقية عكس وتنفي مايريدون اثباتهبرجوازية ضعيفة وطبقة عاملة قوية مبدئيا الا اذا حضرت عوامل أخرى من خارج التبلورات الطبقية وصراع الطبقات.
ـ يتبع ـ