استشـــــــهاديون ام ممغنــــطون ؟ "1"

لاتزال جرائم التفجيرات الانتحارية ، مع انها اصبحت متواترة ومألوفة ، تثير اعمق الاسئلة والشكوك ، لدى البعض ، حتى اليوم .
 لقد قُدمت ومازالت تُقدم ،العديد من التفسيرات للدوافع التي يمكن ان تكمن خلف هذه الممارسات ، اعني : اقدام افراد معينين على تفجير انفسهم ، وسط الجموع ، او عند اماكن معينة منتخبة كأهداف ، لأسباب مختلفة ، بتلغيم انفسهم بأحزمة ناسفة او سيارات مفخخة او اقدامهم على مهاجمة هذه الاهداف بالأسلحة الفردية مع علمهم وتيّقنهم باستحالة النجاة، او استخدامهم للشاحنات التي يقودونها في الدهس العشوائي لجموع من الناس دون تمييز ، كما حصل مؤخرا ، وفي اكثر من حادثة في اوروبا . .
 ان التفسير الشائع والذي اصبح ساريا ومسلما به ، بفعل شغل الاعلام العالمي ، وغاياته الايديولوجية التي يسعى الى تثبيتها واشاعتها كحقائق مسلم بها من جانب ، وبفعل سوابق فعلية معروفة من جانب آخر ، هو ان هذه الاعمال تصدر عن قناعات ايديولوجية راسخة وحماسات دينية مشبوبة ، او تعصب مذهبي شديد او احباط ويأس مطلق . وهذا تفسير قد يكون صحيحا للعديد من الحالات لكنه لا يسع كل الحالات الاخرى ولا يمكنه ان يكون مقنعا لجميعها. كما انه لا ينفي استثمار هذه الحالات في اغراض ومن قبل جهات لا علاقة لها بالجهاد والدين ... اذ ان حوادث انتحارية عديدة ترتكب ، ايضا ، من قبل افراد لم يعرف عنهم قناعات ايديولوجية مكينة ولا حماسات دينية او تعصب مذهبي.. بل ان بعضا منهم ينتمي الى ديانات اخرى . وتقع حوادث مشابهة في بلدان عديدة غير اسلامية . ففي الولايات المتحدة الامريكية ، مثلا ، تكاد حوادث مهاجمة المدارس وقتل الطلاب عشوائيا من قبل شخص مهووس (او هكذا تسميه الصحافة والجهات التحقيقية ، في الغالب ) مألوفة ودورية . .
 ان الفكرة المسّلم بها اليوم والقناعة الشائعة ، بصدد الانتحاريين ، هي انهم ضحايا اعداد ديني منحرف او مشّوه و فتاوى تكفيرية تدفعهم الى ارتكاب هذه الجرائم وهم يأملون ان يرضوا بذلك الله ويفوزوا بلقاء الرسول او دخول الجنة والفوز بملاذها مثل الحور العين اوغير ذلك مما " وعد به الله الشهداء الابرار " .وأن هؤلاء يأتون ، في الغالب ، من اوساط فقيرة او هامشية تجعلهم مهيأين لمثل هذه الادوار، ويرتبطون ، غالبا ،بمنظمات جهادية . 
غير ان الكثير من الجهات التحقيقية ، واستنادا الى شهادات كثيرة ايضا ، وبضمنها تسجيلات صورية رصدت بعض الانتحاريين قبل التفجير ، عبر كاميرات مراقبة مثبته في اماكن التفجير ، وكذلك من خلال القاء القبض على بعضهم احياء وقبل ارتكابهم لجرائمهم ، لاحظت توفر انماط سلوكية معينه و صفات مشتركة في هؤلاء الاشخاص فعممتها على اجهزتها الامنية المختصة بمكافحة هذا النوع من الجرائم بغية رصد الحالات المشتبه بها واجهاض الجرائم المحتملة والوقاية منها .
 فتحت عنوان (كيف تتعرف على الانتحاري ) نشر المكتب الاعلامي لوزارة الصحة الكويتية ، استنادا الى تحقيقاته الخاصة التي اعقبت عمليات تفجير انتحارية ، والى خلاصات استمدها من خبرات عالمية ، فديو توجيهي يستهدف اشاعة وعي عام بالمميزات النفسية الغريبة التي تظهر على الانتحاريين :
وكان اهم ما جاء فيه :
-1 مشية غريبه 
2- تعرّق شديد وتنفس سريع
3- النظر ثابت باتجاه الهدف
4-تحريك الشفتين
-5 تجاهل النداء مهما وجه له
6 -روائح كالمسك تسبق الانفجار 
 وكانت جهات ومراكز بحوث دولية عديدة بضمنها الرابطة الدولية للمتخصصين بمكافحة الإرهاب ( IACSP )
قد خلصت الى تعميم ونشر مؤشرات ، مشابهة ، قد تدل على انتحاريين ، ورد فيها :
1-يسير الانتحاري بطريقة تشبه سير الرجل الالي.
2-يثبت نظره خلال سيره على هدفه دون مبالاة بما يحدث حوله .
3- يحرك شفتيه وكأنه يحدث نفسه .
4-يقدم على تصرفات عنيفة لابعاد من يعترض طريقه
55-قد تظهر عليه العلامات التي تظهر على متعاطي المخدرات مثل اتساع حجم البؤبؤ التنفس السريع ... الخ
6- اعمارهم تتراوح بين 16 و30 سنه 
 انها اوصاف تثير الشكوك بأن هؤلاء الاشخاص قد خضعوا لتأثيرات جسمية ونفسية جعلتهم اشبه بالدمى التي تُحرك عن بعد . وهي اوصافٌ تشابه في بعض جوانبها السرنمة ( سير الاشخاص اثناء النوم ، حيث تكون العيون مفتوحة والادراك مغلق ) . او تشبه في العديد من جوانبها الاخرى الاشخاص الممغنطين ، اي اللذين خضعوا لعملية تنويم وتوجيه مغناطيسي . او المُبَرمَجين ، الذين خضعوا لبرمجة عصبية ونفسية منهجية وطويلة . او الاشخاص الذين وقعوا تحت تأثير نوع من العقاقير ، كما في الاوصاف التي تخص اتساع حدقة العين او اتساع حجم البؤبؤ او التنفس المتسارع والتعرق الشديد ...الخ .
 ان هذه العمليات والوقائع ، بالأوصاف موضوع المعاينة ، تختلف ، عما شهدته المنطقة العربية ، من عمليات اقتحامية او استشهادية من قبل . كما كان الامر مع عمليات الفدائيين الفلسطينيين ضد اسرائيل في السبعينات او العمليات الاستشهادية لحزب الله باستخدام السيارات المفخخة في الثمانينات . او خارج المنطقة العربية ، مكانا وزمانا ، كما في العمليات الانتحارية التي قام بها الطيارون اليابانيون وفق ما عرف بالكاميكازي ، لأسباب عديدة اهمها ادراك المنفذين ، في هذه العمليات لطبيعة مهامهم . مهاجمتهم لأهداف عسكرية عدوة . محدودية هذه العمليات في سياق المواجهة العامة . وكون المنفذين غالبا ما يكونون مقاتلين يؤدون اعمالهم دون كبير امل بنجاتهم وعودتهم ولذلك يسمون الفدائيين وليسوا قنابل بشرية مغلقة الادراك ، تستهدف ، غالبا الجموع العزلاء ، كما في حالة الانتحاريين .

الشيء المشترك الآخر ، والملفت للنظر جدا ، هو ان معظم عائلات واصدقاء ومعارف الانتحاريين ، كانوا يتفاجئون تماما من نشر صور اولئك الاشخاص والاشارة اليهم بصفة انتحاريين والقول انهم ارتكبوا تلك الجرائم وفجروا انفسهم . وكان الاب او الأم او الاخوة او الاصدقاء او الجيران ،غالبا ما يطرون لطف ودماثة اولئك الاشخاص ، ويعبّرون عن صدمتهم من واقع انهم اقدموا على تلك الاعمال ويبدون حيرتهم التامة وعدم تقبلهم للوقائع ! 
 وهناك مقابلات صحفية وتلفزيونية لعوائل سعوديه ولبنانية وكويتية ويمنيه وحتى امريكية ذات اصول غير عربية او اسلامية جرت في هذا المجرى ، وعلاوة على ان بعض منفذي افعال القتل الجماعي تلك ، ليسوا عربا ولا مسلمين ، فأن الكثيرين شهدوا ، حتى بالنسبة لبعض المسلمين ، انهم كانوا ناجحين ومتفائلين ومقبلين على الحياة واشكال لهوها المختلفة ولا تربطهم وشيجة بما يشاع عن خصال واهتمامات " الجهاديين " والانتحاريين . فبحسب ما نقلت وسائل الاعلام ، ومنها القدس العربي بعددها في 2015 . ابدى سليمان القباع والد فهد القباع (22) سنة وهو الانتحاري الذي فجر نفسه في جامع الامام الصادق في الكويت مما ادى الى استشهاد 27 وجرح 202 من المصلين ، استنكاره لهذه الفعلة الشنيعة . لكنه قال ان ابنه الذي وصفه باللطف معه ومع عائلته ومع الجميع لا يمكن ان يكون قد اقدم على هذه الفعلة ، وانحى باللائمة على اياد غريبة اختطفت ابنه وزجته في صراع لا يعرفه ولا يعلم عنه شيئا ، وكان يردد " الله لايوفقهم ، الله لايوفقهم ويكشف امرهم " . وقال ان ابنه استأذنه قبل اربعة ايام في انه يروم الاعتكاف وهو في السعودية ، لكنه فوجيء بنشرات الاخبار التي اوردت تفاصيل جريمة الكويت باتهام ابنه واظهار صوره المسجلة كمنفذ . وانه وكذلك عائلته غير مصدقين لما يرون ! وهو ذات ما ابداه والد زياد سمير الجراح ، اللبناني الموسر من بلدة البقاع ، من ردة فعل ، وهو يرى صور ابنه الذي كان يدرس هندسة الطائرات في المانيا قبل انتقاله لدورة طيران في فلوريدا بالولايات المتحدة ، تتناقلها محطات التلفزيون والتقارير الصحفية على انه احد منفذي هجمات ايلول في الولايات المتحدة، استنادا الى العثور على جواز سفره المحترق بين بقايا الطائرة التي سقطت في بنسلفانيا ، متصورا ان في الامر خطأ مؤكد . لقد وصف جميع من عرف زياد شخصه بالمرح والايجابية والاقبال على الحياة بل ان صديقته الالمانية من اصل تركي ، ايسل سنغون ، ادلت بشهادتها امام محكمة المانية في هامبورغ لمحاكمة الشريك المفترض في احداث ايلول ، المغربي عبد الغني المزودي ، قائلة ان صديقها او خطيبها زياد الجراح : «كان رجلا ودودا ولطيفا. ولم يصبح متدينا بالفعل الا في النهاية». واضافت انها قابلته آخر مرة في تموز 2001( اي قبل اعتداءات ايلول بشهرين ) عندما عاد الى المانيا لفترة قصيرة وكان حينها : «مختلفا جدا، ولا مباليا. كنت مريضة ولم يتعاطف معي كثيرا. كان بعيدا جداً». فلماذا اصبح زياد " بعيدا جدا " كما تقول صديقته ، هل يمكننا ان نفترض ان مظاهر سلوكية عصية على التفسير او الفهم بالنسبة لها قد اعترته ، ولماذا ؟

في اعقاب هجمات ايلول 2001 في الولايات المتحدة ، وبعيدا عن الاعلام الرسمي المسّيس واعلام الشركات الكبرى ، وحتى من خلاله ايضا ، احيانا ، اثيرت العديد من الاسئلة والشكوك حول طبيعة هذه العمليات وشخوصها وفيما اذا كانت جرت وتجري ،حقا ، وفق مايروّجه الاعلام العالمي . وروجعت بعض الوقائع وفق منظور متشكك جديد كما هو الحال مع ما كشف من وثائق المخابرات المركزية الامريكية C.I.A بهذا الخصوص ، تلك الوثائق التي سنواصل ترجمتها ونشرها ، تباعا ، بعد هذه المقدمة او المقال ، لما تنطوي عليه من اشارات بالغة الاهمية وكشف لممارسات وبرامج بعيدة عن كل نزوع او خلق انساني وللاحتمال الكبير في ان تكون ذات صلة وتأسيس لما جرى ويجري في بلادنا ومنطقتنا من وقائع دامية ومريرة تكاد تكون عصّية على التصديق في مدى اجرامها وشذوذها عن السوّية لولا اننا نكتوي بنارها يوميا ونعاني من آثارها المدمرة على كل صعيد !