مذكرات منجمي عراقي :أوراق من الذاكرة(14)

معمل الغربلة hلرمال  في صحراء النجف.

في بداية 2014سقطت مدن الأطراف المجاورة للحدود السورية، والتحقت بها بلدات رئيسة في محافظة الانبار، باستثناء مدينة حديثة التي بقت صامدة، وخارج قبضته، وباءت محاولاته في دخولها بعد حصارها بالفشل.

توقفت مع دخول داعش مظاهر الحياة العامة في المدن التي سيطر عليها، فالمدارس تعطلت بالأشهر ، وأعيدت بعد زيارات ميدانية، من قبل عناصر التنظيم، ولقاءاتهم مع أهالي الطلبة، وايضا المستشفيات والمراكز الصحية عانت من الامر، بسبب تسرب الأطباء والكوادر الصحية. وتم تشغيلها بالموجود، مع الاستعانة بأطباء سوريين، وكانت خدماتها بأكلاف مادية مرهقة للمواطن المحلي، وبعضهم ذهب الى الداخل السوري(البوكمال، دير الزُّور، الميادين،،،الخ)للعلاج. عناصر الدعوة للتنظيم نشطت لكسب المواطن المحلي،مع تركيزهم على طلاب المتوسطة والإعدادية، لسهولة غسل أدمغتهم وتوضيبها لمهام التنظيم.

كنا نرسل لمجموعاتنا العاملة في مواقع الصحراء الغربية مستحقاتهم المالية الشهرية، مع ابقاء العمل بوتائره الدنيا، علما ان سيارة تجهيز محملة(رمل قياسي، رمل زجاج، كاؤولين،،الخ)يتم قطع وصل قبض لها بمبلغ 300دولار كرسم جباية لداعش، وهذا الوصل فعال عند اي سيطرة لداعش، على الطريق، وايضا عند نقطة تفتيش كربلاء الحكومية للاستفادة من تحديد مكان انطلاق الرحلة والحمولة. الطحين، الخضار، الوقود، يتم جلبه من سوريا، وأولوية التجهيز لمن بايع التنظيم،ومن لم يبايع عليه ان يدبر شؤونه ومشترياته.

في منتصف 2014استولت داعش على مدينة الموصل وزحفت نحو تكريت في مشهد صاعق وكاشف عن جغرافية سياسية جديدة لمناطق العراق، وتمدد فيها البرزاني لضم كركوك وسنجار للإقليم. وتموضعت داعش في محافظاتها، ليطفو على السطح حدود وتقسيمات طائفية وعرقية، بما يشبه مقاربة للمشروع الامريكي لتقسيمنا. صحيح ان سقوط الموصل كان مؤلم عراقيا، الا انه كشف لنا هرطقة النخب السياسية المتصدية للمشهد العراقي منذ2003 وتبعيتها،فلا عتب مع مدعي تمثيل الطوائف والاعراق، في بناء مساحات نفوذ وقلاع حكم، وامتيازات لهم. ولكن عتبنا المر مع مدعي تمثيل الأغلبية الذين اظهروا مراهقة وصراع على الفتات، وترك المواجهة مع الاخطار المحدقة بالعراق واهله.

رأيت اثناء تجوالي في بغداد صباح يوم الجمعة(يوم اعلان فتوى الجهاد الكفائي من قبل السيد السيستاني)فزع وهستيريا الناس في التزود بالأرزاق والوقود، ذكرني بمشاهد مماثلة في عام 1991/يوم العدوان الامريكي،و2003/بداية الحرب الامريكية لاحتلال العراق.

سرعان ما عادت الامور الى طبيعتها بعد الفتوى، لتتكرر بعدها مشاهد التسابق في التحاق المتطوعين، بما يشبه النفير، في صورة تجمع أمرين مهمين: الاول ان مواجهة الازمات وانهاض وخلق الارادة الجمعية للتصدي بيد كاريزما صاحب الفتوى، وليس احزاب السلطة. والثاني عنفوان الناس في مواجهة مشاريع التقسيم وحرائقه، في حاضنة وطنية عابرة للمذاهب بالرغم من كل دسائس المحتل للوقيعة بينهم.

انتقلت اهتماماتي العملية نحو هضبة النجف، بعد سقوط الغربية بيد داعش، وكان التركيز منصب على رمال النجف الصناعية، وامكانية استخدامها في انتاج الرمل القياسي، المستخدم في تحديد نوعية السمنت المنتج محليا او المستورد، ومدى صلاحية استخدامه في الإنشاءات

سابقا كنا نستورده من بريطانيا، وبعد الحصار المفروض عام 1991توقفت عن إرساله لنا، وطالبتنا وزارة الصناعة والمعادن في البحث عن امكانية توفيره محليا، وبنفس المواصفات البريطانية، نجحنا بالأمر وامكانية استخراجه من منطقة محيور قرب وادي حوران/الغربية. وقد فتحت اول مقلع له في عام1996واستمر استخراجه طيلة الفترة السابقة، حتى اختراق داعش للمنطقة الغربية، فلجأنا لأماكن بديلة ونجحنا في النجف.

كذلك استثمرنا رمال النجف في انتاج رمل المرشحات، لفلاتر تنقية وتصفية مياه الشرب، المطلوبة من قبل محطات التصفية والتعقيم لمياه الشرب، في محافظة بغداد وبقية المحافظات. علما ان رمال المرشحات خاضعة لمعايير فيزيائية وكيميائية، وتبعا للتكنولوجيا المعملية في المحطات الطالبة. والامر برمته ضمن المواصفات العالمية لرمال المرشحات. وبذلك وفرنا مبالغ شرائها المتجددة، مع كل تغيير للفلاتر الدائم. (اوردت هذا التفصيل بشأن الرمل القياسي ورمل المرشحات للقول بأن الحصار وداعش لهما نصيب باعتمادنا على انفسنا في توفير متطلبات الصناعة العراقية)

وقبيل انتهاء عام 2014تم تحرير ناحية جرف الصخر من قبضة داعش والتي تمتاز بطابعها الزراعي و كثافة قنوات الري والتصريف، لتكون حواجز طبيعية معيقة للقوة المهاجمة، والتي يتعذر عليها استخدام الاليات الثقيلة في القتال، والمواجهة كانت رجل لرجل. اصبحت المنطقة مسرحا لعمليات مد وجزر، من قبل الجيش، استطاع الحشد انتزاعها والحفاظ عليها، ولتخرج نهائيا من احلام داعش في العودة اليها. لتؤسس بداية لانتصارات لاحقة تزداد على وقعها امالنا بتراجع مشروع تفتيت كينونة وهوية العراق.