المشاعة العراقية وشيوعية ماركس ولنين (2/3)

لوحة مشحزنة بمثل هذا الاحتدام الثري، لايمكن ان تكون باية حال غير موحية على الصعد كافة، وبالذات على صعيد الغائية التاريخية الوجودية ومسارات مستقبل الوجود الانساني، بالذات لمفكر بمستوى ماركس، مع اعتبار انه لم يكن في وضع يتيح له الاطلاع على غير المكان الذي هو منه ونشأ فيه، وبالمقياس البشري، فان من حق هذا الرجل وقتها ان يشعر بما يجعله يرى في نفسه "عبقرية فذه"، وهو كذلك بالفعل مقارنة بغيره، وبلحظته التي ظهر ومارس نشاطه ضمنها، فما اكتشفه بناء على قدرات العقل الإنساني، استثنائي فعلا، ومن الاجحاف محاسبته اذا كان التاريخ من الناحية الشاملة الابعد، يتجاوزه على مستوى عناصرالحقيقة العليا، لا التي ضمن المتوفر له من معطياتها، حيث استطاع مع ذلك التوصل لما توصل اليه وسعى لتكريسه، حتى وان كان فعله في الممارسة التفكرية والعملية، لم يخل من قصور، قد يتصادم أحيانا مع رغبته العميقة، ومقصده هو بالذات، من قبيل مثلا اضطلاع نظريته بدور تعزيز المصادرة الاوربية الأحادية للنموذج المجتمعي الحضاري على مستوى المعمورة.
من هنا وحيث يكون ماركس مقتنعا بناء على ما تيقن منه، حيث الغرب هو المستقبل، واللحاق به هو العتبة الحتمية، قبل الذهاب للمرحلة الأخيرة من التاريخ الإنساني، فلقد أجاز بناء عليه، وبالإجمال، كل ماظن انه يفضي لاخراج الأمم والشعوب الأخرى من تاريخها " الساكن"، ومن "توحشها"، بحيث اعتبر الاستعمار عملية تحديثية، كما كان موقفه من الهند والدور الإنكليزي هناك، أومن الجزائر. ولايخلو مذهب ماركس من اطلاقية شديدة ايديلوجية، ومن ايمان بالاليات التطورية التاريخية بناء على دين مستحدث، كتابه المنزل، كون الغرب الأوربي هو نموذج القياس الأرفع، ولو انه وضع امام حالة ارض "مابين النهرين" لاضطر وقتها على الأرجح لان يحكم حكما اجماليا، من نوع ذلك المعروف ب "نمط الإنتاج الاسيوي الاستبدادي الشرقي" و غياب الملكية الخاصة، وصلة غيابها بمفهوم "الله.، ومن الصعب التخيل، بانه هو او رفيقه انجلز، كانا سيجدان الوقت والرغبة، او الحاجة كي يفتشا عن الخاص العراقي، ضمن نمط عام هو منه كمجتمع نهري، اقترحوا تسميته كما صار يعرف به.
واذا احتكمنا لاليات تشكل الفكر وكيفيات تحققه الزمكاني، فسيكون من المستحيل وقتها توقع قدرة ماركس على التعبير عما ينتمي للحقيقة العراقية، والى "الامبراكونيا" كقانون ناظم لتاريخ هذا المكان ومميز له، متعذر حتى اليوم على أبنائه انفسهم قبل غيرهم، ادراكه، فالافكار التي من هذا القبيل لاتستورد، ولايمكن مثلا جلب خبير اوربي في الاجتماع، كي يكتشف حقائقنا التاريخية، التي هي نحن، كما نحن هي، لا تتمظهر الا فينا، ولن يكون وقتها لماركس، وان ترك اثارا مميزه وهو يبحث في بنيتنا، ان يجد مثلا بان البنية الإنتاجية النهرية في ارض "مابين النهرين" لا تنتج دولة مركزية استبدادية كما الحال في مصر، بل على العكس تماما فهي لاتقوم الا بنفي الدولة القاهرة وابعادها والتحرر التام منها، باعتبار ذلك قانونا ليس أخلاقيا او قيميا، بل هو من قبيل اللزوم البنيوي الحتمي المتصل بسلامة عملية الإنتاج.
يمكن لماركس ان يكون موجودا بيننا، وان يحضر بقوة، وان باشكال رثة في ماقد يعتبره البعض بحماس ايماني ديني، تفكير"نا"، ليكون عبئا وقوة تزييف، تلعب دور التصادم مع الاليات التاريخية، بما انه يمثل وقتها كما ظهر على يد النقلة، وحملة المعلبات المدرسية، نموذج رؤي مخالفة لحقيقة وطبيعة المكان الذي حلت فيه ضمن شروط هيمنة فكرية ونموذجية مارسها الغرب ومازال يمارسها على العالم منذ ثورته التاريخية الحديثة، لكن ماركس ولنين لن يستمرا في الهيمنه على التشاركية العراقية الى الابد، وسيتحول وجودهما وغيره يوما، وبعد الاختبار ومسارات الصراع التاريخي، الى مادة ارتكاز دالة على ضرورة تجاوزها كشرط لاستعادة الذات الوطنية والتاريخية.
فهل لمثل عملية التجاوز هذه ان تكون وشيكة واكيدة فعلا؟ يتوقف هذا على مدى قوة عوامل خارجة عنا، مستقلة بذاتها، يفترض بالعقل ان يقاربها، او يفلح في الربط بين عناصرها، اذا كان منها، ومهيئا للتفاعل معها، والنطق بلغتها، كما فعل ماركس خلال فترة النهوض الأوربي القصوى، فاضاف لمنجزات العقل العلمية، والاكتشافية المختلفة على جميع الصعد، منجز التعرف على آليات التاريخ في المجتمع الطبقي، ولو كان هوهنا اليوم، لانتبه حتما لواقعة غريبة وفريدة تعتور تاريخ العراق، هي تلك التي تحوله الى دورات حضارية تفصل بينها انقطاعات طويلة، تتناظر مع أنماط متغيرة من التجلي المفهومي، او مع مايمكن تسميته استحالة مثل هذا التجلي احيانا.
وكما ان اوربا انتقلت حسب نظرية ماركس الى الاقطاع من العبودية، ثم الى المرحلة الراهنة الراسمالية، عرف العراق دروة حضارية أولى، هي السومرية البابلية، وأخرى عربية إسلامية عراقية، وثالثة هي الحالية، فاين وكيف يتجلى عمل الديالكتيك في المسار الانقطاعي والدورات المتعاقبة العراقية، وكيف تتدخل الاليات التاريخية المجتمعية المحركة، ولماذا ياترى لايكون مثل هذا الإيقاع، هو الذي يتضمن مثلا السيرورة الأساس التاريخية على مستوى المعمورة، بدل السيرورة الصراعية الطبقية الاوربية التي يعتمدها ماركس، نحن هنا امام نوع اخر من الصراع وقوة الصيرورة الصاعدة، ليس افقيا طبقيا، بل هو مجتمعي عمودي بين مجتمعين متناحرين، لالقاء بينهما، متعايشان عضويا ومتصارعان داخل كيان واحد موحد، مايعني ان التاريخ والحضارة لاتعرف شكلا او نموذجا واحدا وحيدا من اشكال الصراع والدينامية التاريخية الصاعدة، بغض النظرعن درجات اوتسارعات صعودها.
ثمة فرضية من الطبيعي ان تخطر على البال: ماذا لو ان هذه اللوحة قدمت لماركس، او اكتشفها بنفسه صدفة، او تسنى له الاطلاع عليها، او جاء بدل ذهابه للجزائر الى ارض مابين النهرين، وتحرى تاريخها، وبنباهته وعبقريته، اكتشف روحها وقوانين تاريخها؟ هل كان سيظل وقتها ياترى على نفس قناعاته بخصوص الممكن الوحيد الأوربي، وكونه المخرج الذي لامخرج للمجتمعات الإنسانية غيره نحو مابعده، من الصعب تصور نتائج مثل هذا الافتراض، غير ان ماركس عالم يالدرجة الأولى، دينه الحقيقة، وعليه فانه لن يقبل لو تكشفت له خصوصية حالة العراق التاريخية والكيانية، الثبات على معتقده كما هو، ولأصبحنا على الأقل امام نصيحة، او وصية يتركها لنا، تقول : بان لا نوقف حركة التاريخ ومساراته عند نموذج، او حالة بعينها، حتى ولو بدت لنا كذلك بما يشبه الحقيقة المطلقة.
لنستمر في محاولة استكمال تمظهرات لوحتنا التي نحن بصدد متابعتها والكشف عن ملامحها، ولناخذ بالذات ملمحين جوهريين، الأول هو المدى الذي تتحقق فيه الآليات اللادولوية الإمبراطورية العراقية، وهل هي محدودة بحدود الميدان العراقي الامبراكوني، ام ان مجال فعاليتها يتعداها كمدى ومجال، او دائرة حضارية موحدة. والثانية، هي الكيفيات التي تظهر فيها مختلف التعبيرات المفهومية، بناء لتوالي الدورات التاريخية، وهل هي واحدة، وكيف تتغير، وبناء لاي إيقاع او معنى يمكن استخلاصه اذا امكن، تحديدا بمايتعلق بالغائية المستقبلية ان وجدت.
اهم خاصية يتجلى عبرها الكيان "الامبراكوني"، تحققه المتعدي للوطنية المحدودة بمجال جغرافي محدد، وهو المتعارف عليه، والراسخ في الاذهان على مستوى العالم، فمصر مثلا كبلد تحقق وطني مثالي، تتركز اليات تحققه داخل واديه، واي فعل خارجي يصدر عنه، هو فعل دفاعي تحوطي، لاتحكمه اليات واغراض امبراطورية عضوية، لهذا تفاعل الكيان المصري في العصر الحديث مع مفهوم الغرب عن الوطنية والأمة، بدون تصادم فعلي، وان اقتضى بعض التحورات، في حين اتخذت محاولات وظواهر التحويرفي العراق، شكلا تصادميا مصيريا، استغرق قرنا من الزمن، وانتهى لخراب كارثي شامل.
في "ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ"/ آنف ذكره/ رسمنا حدود منطقة "التوحيدية التاريخية" حيث تجلي البعد الكوني التوحيدي من "الامبراكونيا"، في المدى الممتد بين النيل والفرات، بالضبط كما هو وارد في الكتب السماوية الأولى، يوم لم تكن العلل والأسباب والمحركات المادية المجتمعية متاحة، فعمدنا لسد هذا النقص الجوهري، وعينا مصادر وممكنات فعل اربعة أنماط مجتمعية كيانية في حالة تفاعل طويل الأمد، هي:
1 ـ نمط الدولتين في كيان واحد الامبراكوني المركب / العراق
2 ـ نمط كيان لادولة احادي تمثله حالة الجزيرة العربية، وهو اقرب الى الأول امتدادا جغرافيا.
3 ـ مجتمع الدولة الأحادية، والكيان المجتمعي الملحق بها وبارجحيتها كمديرمركزي/ الحالة المصرية
4 ـ المجال الوسط المفتوح ويشمل ارض الشام.