ذكرى 9 نيسان ستبقى سوداء في تاريخ العراق بما سبقها وما تلاها

سقوط صدام

9 نيسان الأسود لم يسبق لي أن توقفت عنده سلبا أو إيجابا الا في تعليقات وردود في صفحات الأصدقاء وقد كان الكثيرون يرفعون في هذا اليوم الأغبر في التاريخ العراقي صورة جورج بوش ويدبجون له القصائد والأشعار والأغنيات وقد تراجعت هذه الطقوس مع مرور الوقت خاصة وأن العراقيين قد اكتشفوا عاما بعد آخر أي مستنقع قاد بوش ومخططات إدارته البلاد اليها وتبخر حلم اليابان وألمانيا الذي روجه بعض الإعلاميين والصحفيين وبعض هذا البعض مستأجر مدفوع الثمن يمارس دوره الى اليوم والبعض الآخر مأخوذ بمثل تلك القوالب فيهيم مع الهائمين أو على الأقل لا يريد أن يغرد خارج السرب فيصبح نشازا وقد يصير منبوذا فيفقد بذلك ربما فرصة العمل والعيش وقد خلف صدام رعيلا طويلا من المنافقين والمتلونين والمرتزقة ولم تأت الأوضاع الجديد بما يصلح النفوس والأحوال والضمائر ويعيد بناء المنظومة الأخلاقية التي دمرها نظام آل المجيد ولم يبق منها حجر على حجر . 
 قبل هذا اليوم بيومين فقدت عزيزا من عائلتي على يد قوات الإحتلال ورصاصها العشوائي الذي لاحق المدنيين الأبرياء العزل في الطريق الى بغداد وقد إرتكبت من الفظائع ما يندى له جبين الإنسانية التي يلصقها العقل الإنتهازي المنافق بالمحتلين ويضفي عليهم من علامات الرحمة ما لا يستحقون ليرضي بذلك تنازعا في داخله بين أن يرفض إحتلال بلاده وبين أن يجد في المحتلين محررين يجلبون الخير والسعادة والرفاه والإزدهار لبلاده كما حلم الكثيرون من العراقيين وعلى أية حال فضحايا الإحتلال الأميركي يصعب أحصاؤهم وقد تنازلت عن دمائهم وحقوقهم الطبقة السياسية العميلة بكل أفرادها بدون إستثناء وخاصة بعد مسرحية تسليم السيادة بين بريمر وتابعه إياد علاوي الذي سيتحول الى رمز وطني لمن رفعوا شعار المقاومة الزائف والمسرحية ليست مجرد إخراج لتجميل وجه أميركا البشع بل والأهم من ذلك للتنازل عن كل الالتزامات والواجبات التي يرتبها القانون الدولي على المحتلين . 
 لا يمكن تذكر هذا اليوم دون المرور بالموقف الجبان والمتخاذل الذي قام به جرذ الجهاد والحملة الإيمانية وأفرد لها السيف حينما ترك العاصمة هاربا منها يبحث عن جحر يأويه فأثبت حقيقة راسخة ثابتة لم تستطع كل حملات التلميع الدعائية والإعلامية أن تغيرها وهي أنه رعديد خسيس كان يستأسد على النساء والأطفال والشيوخ العزل وبهذا أذل معارضيه وجعلهم يفكرون ألف مرة قبل التفكير بمعارضة نظامه وللحق فكل أعدائه وأيا كان الرأي في مواقفهم السياسية كانوا أكثر شرفا وشهامة منه حيث لم يتعرض لنسائه وأطفاله أحد منهم وإذ هرب القائد العام من العاصمة وسلمها للمحتلين الأميركان فقد شاطره ذلك الموقف الخياني كل رفاقه في القيادة الذين استسلموا لاحقا واحدا بعد آخر للمحتلين ولم يكلف أحد منهم أن يطلق طلقة واحدة في مواجهة المحتلين أو في رأسه فيسجل له أنه قاوم الإحتلال ومن يتذكر وقائع إستسلام أولئك سيجد كيف اشتغلت خطوط الوساطات المحلية والعربية مع قوات الإحتلال لتأمين إستسلام وصمات العار التي كانت تسمي نفسها القيادة السياسية للعراق . 
 ولولا الأغراض المضمرة للمحتلين لمضى أولئك تلاحقهم اللعنات وعار الجبن والتخاذل الذي كانوا يرمون به خيرة شباب العراق فيقتلونهم ويطبعون على جباههم الشريفة وعلى نعوشهم كلمات جبان ومتخاذل ثم أثبتوا أنهم أولى بها وإن أفلت عزة الدوري نزيل أربيل فذلك لأنه سلم شمال العراق الذي كان تحت إمرته الى المحتلين دون طلقة واحدة فتمت مكافأته بحفظ حياته ورعاية صحته ليتحول الى بعبع يهدد به الأميركان العراقيين عند الحاجة ويأججون بخطاباته بعد أن أصبح قائد الجهاد الفتن كلما خمدت . 
 كنت إذا قلت بأن أميركا جاءت الى العراق وفي برنامجها تدميره وتفتيته وأن من حملتهم الى السلطة مجرد عملاء صغار ليس لهم في الوطنية بل وحتى الأخلاق والدين بل وحتى الكرامة الشخصية نصيب تكالبت عليك الردود لأنك لا تفعل شيئا سوى أنك تقطع على الحالمين والواهمين سلسلة أحلامهم مع أن هذه الوجوه التي تعرف عليها الناس من خلال وسائل الإعلام عرفناها وخبرناها في الواقع ونعلم بالملابسات التي حولتهم الى حكاما للعراق وماذا أعطوا وعلى ماذا وقعوا ومن أجل أي مهمة وضعوهم على كراسيهم وأباحوا لهم نهب العراق وسرقته مقابل دورهم المأجور في تحقيق ما تريده أميركا ومشروعها التدميري في المنطقة لها . 
 وإذ يضيق المجال عن المزيد فلا بد في هذه الذكرى التي تبقى سوداء في تاريخ العراق بما سبقها وما تلاها وبمن حكم قبلها ومن جاء الى السلطة بعدها لا بد من ذكر الضحايا وقد قدم العراق منهم قوافل لم يقدمها شعب قياسا الى عديد نفوس العراق وظروفه وتاريخه فلا أقل من مليون مواطن قضوا قبل الإحتلال ولا أقل من مليون مواطن إنتقلوا الى الآخرة بعد الإحتلال سواء في السجون والمعتقلات والحروب والحصار والإرهاب والقتل العشوائي وكلهم ضحايا وشهداء .. رحم الله شهداء العراق والخزي لحكامه المجرمين وأحزابهم العفنة الماضين منهم واللاحقين وبدون إستثاء .