المحاصصة الطائفيةفي سيرلانكا "1":ربع قرن من الحرب الأهلية أكلت الخضر واليابس

مجازر سيريلانكا

: من يقرأ تاريخ سريلانكا و نسيج شعبها المجتمعي يكاد يذهل لأوجه الشبه بينه وبين نظيره العراقي... مقدمة: على عكس مما يروج له المدافعون عن المحاصصة الطائفية عن جهل أو غرضية أو انتهازية أو عن "زلاطة" من هذه الكلمات الثلاث، مستمدين أمثلتهم الكاذبة من بعض الدول الأوروبية أو من إسرائيل، وهي أمثلة لا وجود لها إلا في أذهان وتلفيقات بعض الكتبة المفلسين فكريا وسياسيا وحتى اجتماعيا. على العكس من ذلك نجد أن الحالة الوحيد من حكم المحاصصة الطائفية هو ذاك الذي كان قائما في سيريلانكا، وسيريلانكا فقط على حد علمي حتى الآن وهناك تم ابتكار الاسلوب الانتحاري في القتال أو للدقة في "القتل" سنة 1983.

وقبل ذلك، تؤكد الامثلة والوقائع، في كل دول العالم نجد نوعين من الدول و أنظمة الحكم. الأول نجد مثاله في دول قائمة على أساس المواطنة حتى لو كانت متعددة المكونات الدينية الطائفية والقومية وهذه هي حال أغلب الدول في العالم، والنوع الثاني تمثله دول تمييزية على أساس الطائفة أو القومية أو الدين أو اللون ففي إيران يتم إقصاء وتهميش الأقلية المسلمة السنية وحرمانها حتى من بناء جوامعها ومدارسها الخاصة، و يقصى أفرادها من الإدارات والمناصب المهمة أما العرب في الجنوب والأكراد في الشمال وغيرهم من الأرمن والإذريين ...الخ، فيعانون من اضطهاد وتهميش قومي قديم قدم الدولة الإيرانية. أما في السعودية والبحرين فيتم تهميش واضطهاد الأقلية المسلمة الشيعية في الأولى، والأغلبية من ذات الطائفة في الثانية منذ قيام هاتين الدولتين، بتواطؤ من القوى الكبرى المؤسسة لهذه الكيانات كبريطانيا أو الحامية لها والمحتلة لها فعليا بالقواعد العسكرية كالولايات المتحدة الأميركية. و المثال الآخر والآخر تمثله دولة إسرائيل الصهيونية، فهي من حيث قشرتها الخارجية دولة "علمانية" قائمة على المواطنة ولكنها في مضمونها وحركتها الفعلية دولة طائفية وعرقية يهودية تريد من السكان الأصليين "الفلسطينيين العرب" الذين احتلت أرضهم وطردت نصفهم إلى مخيمات اللجوء ان يعترفوا لها بانها دولة يهودية ويهودية فقط!

أما حالة العراق المقنعة بصندوق الانتخابات، فالحكم قائم على أساس المحاصصة الطائفية فعلا ودستورا، و ليس ثمة مثال واحد على حكم المحاصصة الطائفية يمكن مقارنته به غير المثال السيريلانكي الذي أسست له الدولة المستعمِرة بريطانيا.

حين نقرأ تاريخ هذا البلد "سريلانكا" نعلم التالي: أن القضية الدينية الطائفية فيه بدأت قبل الاستعمار البريطاني حين قام الاستعمار البرتغالي بعملية تنصير قسرية لسكان الجزيرة وهدموا معابد البوذيين وغيرهم ولكن الحملة فشلت ولم تحقق إلا ما نسبته 17% من النجاح. غير أن الاستعمار البريطاني قام بما هو أشنع من التنصير القسري فقد أقام نظاما محاصصة يعطي للأقلية من السلطات والامتيازات أكثر من وزنها السكاني.

1-كانت سياسة البريطانيين تجاه المكونين القوميين والطائفيين الرئيسيين " السنهالي البوذي" الذي يمثل غالبية السكان و "التاميلي الهندوسي" تمييزية بشكل صريح. فقد فضل البريطانيون تطبيقا شعارهم الشهير " فَرِّقْ تَسُدْ " فضلوا التامليين على السنهاليين، و( يعزو كثير من المؤرخين جذور الحرب الأهلية التي دمرت البلد في نهاية القرن العشرين، إلى هذه الفترة).

2-قام البريطانيون بتمييز التاميل إيجابيا، وأدى هذا التمييز إلى حصول الأقلية التاميلية على تمثيل مهم داخل الإدارة والتعليم والمهن المرموقة، يفوق بكثير ثقلهم الديمغرافي (الذي كان 15%)حيث كان لهم 30% من مناصب التدريس، 40% من الوظائف الحكومية، وأكثر من 50% في مهن المحاماة والطب

3-خلق هذا التمييز شعورا قوميا وطائفيا "تحرريا" تمرديا لدى الغالبية السنهالية عماده كراهية شديدة تجاه البريطانيين و حلفائهم التاميل على حد سواء فولدت حركة مقاومة سنهالية الهوية، دفعت الحكومة البريطانية، في 1931، إلى منح سيريلانكا "سيلان" حكما ذاتيا.