نداء للمشاعيين العراقيين خارج الحزب

يجب التوضيح قبلا، بان هذا النداء لاعلاقة له من قريب او بعيد بالنداء الذي وجهه مايعرف بالمؤتمر العاشر للحزب الشيوعي العراقي الى من اعتبرهم رفاقه الموجودين خارج "حزبهم"، فالنداء المذكور عمل دكاكيني وفهلوة مبتذلة خارج الصدد، ولايمت للحظة وروحها وللمقتضيات الوطنية والتاريخية بصلة، صادر عن جهة غير ذات اختصاص، وعليه فاننا لسنا بموضع سجال معها، ولانفكر بمثل هذا السلوك، مع انهم كما هم معتادون، وكما تفرض عليهم بنيتهم "التنظيمية/ اللينينه" بطبعتها الرثة، و " الفكرية المستعارة"، في حال كان لها من وجود ومتبقيات، لن يفهموا الامرالا باعتباره "هجوما على حزب فهد حزب الشهداء والتضحيات"" طن ..ططن.. وان "اغراضا ودوافع ومؤمرات دولية وداخلية، كبرى وصغرى، تكمن وراء التعرض لهم حتما" فالرهاب، ومرض الاضطهاد، ووضع الذات الابدي المتوهم بجانب الحق والحقيقة، والدفاع عنها، أصبحت مكرورة ومفهومة كنوع من الرغبة في إيجاد بعض مبررات تدعم ماتبقى من وجودهم، علما انها من عناصر نظريتهم الاولي، ودينهم الازلي الذي لاياتيه الباطل من بين يدية ولا من خلفه.
نداؤنا الحالي يستمد وجاهته ومبرراته من اللحظة التاريخية الكارثية التي يمر بها العراق، ومن الحاح الضرورة التاريخية، ابان ساعة الانتقال من طور تاريخي عراقي نحو طور اخرمختلف، بعد ان تهاوت وخرجت من التاريخ، قوى الوطنية المستعارة، المنقولة والمقحمه على واقع العراق، هي وحقبتها التي انتهت عمليا ونهائيا عند بدايات القرن الحالي مع الغزو الامريكي، وبينما تحاول القوى المنتهية الصلاحية اليوم، نفي حقيقة كونها صارت مبعدة من الفعل التاريخي، فانها تسعى مستميتة، وبماتملك من قدرات ووسائل متدنية بالية، للقيام بمبادرات واتخاذ مواقف شكلية، تنتمي لعالم ولى، محاولة ان تسبغ على وضع نوعي مغايركليا، تصورات ومفاهيم منقرضة.
من بين تلك المواقف البائسة مثلا، دعوة الشيوعيين المبتعدين عن الهيكل الحزبي البالي للعودة اليه، وكأن وجود هؤلاء خارجه، مسالة شكلية، او قضية حضور وغياب انتسابي عادي، كالتي قد تحدث في حالات الزعل والرضى بين متخاصمين على الفرعيات، متفقين جوهرا، أي ان هؤلاء يريدون تجاهل كون تسرب الشيوعين بالالاف خارج الهيكل التنظيمي على مدى عقود، هو انفصال مبدئي وتصوري بين نمطين وشكلين من اشكال الإنتماء، لاتنفع في إعادة توحيده الفهلوة ومحاولة الخداع المحسوب، هربا من مواجهة حقيقة كون تاريخ الشيوعية العراقية، هو تاريخ ومسار محكوم وطنيا وتكوينيا لمفعول حقبتين : "حقبة الوطنية الايديلوجية المستعارة"، و "حقبة الوطنية التكوينية البنيوية"، وان طغيان ظاهرة الشيوعية المنقولة بعد الثلاثينات من القرن الماضي، وهي تعبير عن هزيمة قوى الحداثة امام الواقع، قد انتهى منذ الستينات، وابتداء من ثورة 14 تموز 1958الى ازاحة التيار المنقول المستعار من دائرة الفعل التشاركي، بناء على التجربة التاريخية، ومجرى الصراع بين الوجهين المشاعيين، ولأن أسباب غلبة هذا التيار لم تعد قائمة، أي كنتيجة طبيعية، قررتها وقائع وفصول صراعية غير عادية، غزيرة، ومشحونة بالدروس والعبر، لابل وبالتحديات الإستثنائية على صعيد تجليات الفكر والممارسة، بما يتعدى المتطلبات الوطنية العراقية الملحة اليوم، الى العربية والعالمية. 
لم يكن العراق يوما جزءا من مشروع، او عملية التغيير الماركسية الاوربية كما هو الحال في روسيا، او الصين، او بلدان أخرى، واذا كانت الشيوعية الماركسية اللينينية بطبعتها العراقية الرثة الببغاوية، قد وجدت، لابل وتغلغلت مكتسبة زخما غير عادي، فلان العراق هو تربة وارض الشيوع المجتمعي، وموضع الانتقال المأمول الفعلي، لا المتخيل، الذي أوحى به ماركس قبل ان ينتهي منجزه لتجارب كتلك التي خلصت اليها روسيا والصين. واما لماذا لم تنتج المشاعية العراقية نظريتها المطابقة لكينونتها في مجرى، وعند احتدام معركتها الوطنية بعد العشرينات، مع الحضور الاستعماري، وقبلت استعارة شيوعية ماركس ولنين، فذلك امر منوط باجمالي حركة التاريخ، خارج اطار وحدانية تجربة الغرب وظواهره وممكناته، وهو ناجم على العكس مما قد يظن للوهلة الأولى،عن طبيعة التحول العالمي المنشود ومقتضياته الموضوعية والتاريخية، بعيدا عن الاختزال الماركسي الغربي.
فالتحول العالمي الكبير متلازم بعكس تصور ماركس، بمقتضيات تتجاوز الغرب، وهي من مفردات عالم اخر، لم يكن ماركس قادرا على افتكاره في حينه، وتجليات هذا المسار بقدر ما يختص الامر بالعراق، ومسارات مشاعته باتجاه الانقلاب الكوني الاعظم، ترسم امامنا بالتوازي، الإيقاع انف الذكر، المفضي الى "مابعد غرب "، حيث تتراجع الشيوعية المستعارة باطراد، مع المزيد من مراكمة حركة المشاعة المجتمعية العراقية لما تحتاجه من الخبرات ومحاولات التحقق خارج حزب الاستعارة، وهي حركة جارية ابتداء من الستينات الى اليوم.
لم تعد مصادرة التاريخ المشاعي الوطني العراقي ممكنة بعد اليوم، ولن يتسنى لتيار الشيوعية المستعارة من هنا وصاعدا، اصدار الاحكام على الظواهر والممارسات، ونشاط الافراد والجماعات، بضوء مايتفق مع مقتضيات وجودة ومصالحه الضيقة، المجافية للقضا يا والحساسيات الوطنية، ان تاريخ التسرب من هذا الهيكل المنتهي الصلاحية بعد جريمة/ هزيمة 1963 وماتبعها من اشكال متوالية من الخروج من هذا الهيكل النقلي الضار بالوطنية العراقية، قاربت أخيرا بداية العتبة التي كانت تنتظرها وتحتاجها، كي تكمل اهم مبررات وجودها، فما ظل ينقص هذه الظاهرة الوطنية المؤجلة، وجعل ملامحها تستمر من دون حضورعملي، وبلا تجسيد ثابت ومعلوم، لم يعد بعيد المنال، والتأسيسات النظرية الوطنية، بدأت ركائزها توضع أخيرا، بعد محاولات واشكال تجل لم تتوقف، اتسمت على مدى نصف قرن من الزمن، بخاصية الصراع مع الحزب الايديلوجي على ارضه، وانطلاقا من منظومته الاعتقادية والعملية، وعلى أساسها، ماقد ظل يمنحه بناء عليه وفي النهاية، القدرة على تصفية المخالفين والمعارضين، او المنشقين الخارجين على نهجه، وجوهر وجوده، اما بتغييب حضورهم، او بشيطنتهم بشن الحملات والفبركات الخسيسة ضدهم.
ان أوان الانفصال التام عن نهج الشيوعية المنقولة في بلد التشاركية هي اصله البنيوي التكويني المجتمعي، وليس الحزبي او الطبقي، وحيث هي "مجتمع لادولة تاريخي"، بعد ان لاح في افقها زمن فك وتجاوز ثنائية تصارعها وتعايشها العضوي، مع غريمها مجتمع الدولة القاهرة، علما بان العراق هو تكوين ( امبراكوني) وليس "وطنا" عاديا نصابه سلطة ومركز حكم / دولة واحدة/ ، تحكمه قوانين تشكل الشعوب والأمم، حسبما هي مبسطة في مايعرف وفق علوم الاجتماع الغربية، وفي النظريات المخصصة لظهور وتشكل الدول الأمم الحديثة. ان من يوافقون على المنظور الغربي للوطن، ويعمدون لتطبيقه على العراق، هم أعضاء في كتيبة الغرب الاستعمارية المعادية المدمرة منفصلون عن كينونتهم وبنية بلادهم، وهو ما ثبت أخيرا بالتحاقهم المخزي بجوقة مؤيدي الغزو والاحتلال الأمريكي عام 2003، ثلة من ( كسلة / جهلة) فكريا، فاقدي الحساسية وطنيا، ومفعمين بالشعور بالدونية إزاء الغرب، ونماذجه وموضوعاته، ناهيك عن ضيق الافق الحضاري التاريخي، ومجافاة الغائية الكونية وافاقها اللامحدودة.
لقد انتهى هؤلاء أخيرا بالعراق الى الكارثة الكبرى الحالة عليه اليوم، بينما هم يبحثون في صناديق قمامة التاريخ عن شعارات خرقاء، تثير الشفقة على مطلقيها بائعي الأوهام، من نوع " الدولة المدنية" التي اكتشفها هؤلاء في المنام، ان عراق اليوم على موعد مع واحدة من اكبر واهم وثباته الكبرى التاريخية، حيث يستعيد ذاته ويتقدم نحو افق، قد يبلغ مستوى يقارب نفس ماقد ارساه مع بدء قيام المجتمعات والحضارة فوق ارضه.
ان مايسمى ب " الشيوعيين الموجودين خارج الحزب الشيوعي العراقي"، هم بالأحرى نبض قوى المشاعية العراقية، ومجتمع اللادولة العراقي التاريخي، هم الكتله الأكبر بمالايقاس مقارنة بثلة المتحزبين مدمري العراق. لاعودة لهم، الا لذاتهم ولكينونتهم السائرة للتكامل، وهم اليوم على موعد مع تبلور ظاهرتهم الحية، فكريا ومجتمعيا وسياسيا ..ان الأوان كي: 
ـ تعاد قراءة تاريخ العراق الحديث، وصولا لعزل ظاهرة الاستعارة المجافية للنبض الوطني التاريخي، وازاحتها نهائيا من الذاكرة الوطنية، بعد تشريحها، ووضع اليد على طبيعتها وقصورها التاريخي وضيق افقها، وكيف تسببت بهزيمة تجربة ومشروع تاريخي، وافضت به للكارثة الوطنية.
ـ يوضع بيان التحول "الامبراكوني" في التداول، بين يدي الشعب العراقي، والمنتمين اصالة لمشاعته الوطنية التاريخية الناهضة.
ـ لأن يطرح مشروع الانتقال الوشيك، بعد الكارثة التي انتهت اليها قوى الايديلوجيا الحزبية بالعراق، بعيدا عن مشاريع الوهم والفبركة الجاهلة، التي تريد اجترار منهج وتجربة تاريخية احتشدت بالحيوية والتضحيات المبددة هباء برغم ديناميتها المميزة، لابد من انقلاب شامل في الأفكار والتصورات، تتناسب وطبيعة العراق، ومكانه، ودوره المكتوب له من هنا فصاعدا في التاريخ الإنساني، ان مقاربة الكونية واستعادتها، والحضور في قلبها من قبل أبناء ارض "مابين النهرين"، اصبحت على جدول الاعمال الوطنية اليوم، والمشاعيون الوطنيون فيها لهم مكان الصدارة، ويجب ان يكونوا في مقدمة حملة راية الانقلاب الكوني القادم.
ـ لأن يعلن بصراحة، وبلا مداورة، ان العالم وحياة البشر تشهد اليوم غلبة سيرورات انتصار مجتمع "اللادولة" التاريخي، المؤجل الظهور منذ قرون مديدة، والحاضر في قلب ورحم العراق، ان مثل هذا الإعلان، يشمل كل الحالمين بتغيير العالم في المنطقة وفي العالم، بالاخص بعد الانتكاسة التي انتهى اليها مشروع التغيير الشيوعي الماركسي اللينيني، ان تجدد هذا الزخم، منوط أيضا بالمشاركة والتفاعل الحيوي الاوسع من لدن المشاعيين على مستوى العالم.
ـ ان كارثة العراق الحالة اليوم، هي مدخل وعتبة انقلاب وطن/ كوني عالمي تاريخي، مديد وطويل، لاينبغي ابدا السماح باطلاق اية تسمية أخرى كاذبه عليه، بهدف تزوير التاريخ، و تحويل الجناة الى "مناضلين"، ومبددي تضحيات الشعب الى ابطال، وخونة مطامحه واحلامه الى وطنيين، العراق يغوص في الكارثة، والمسؤولون عنها هم من اوصلوا العراق اليها، وهؤلاء يجب ان يحاسبوا تاريخيا، كبداية لابد منها على طريق تبين المسار المفضي للخروج من أسوأ ماشهده العراق في تاريخه.
اليوم يبدأ مساركوني آخر، انتم بناته الذين ضرب لهم موعد مع نبض التاريخ، وروحه الوثابة الصاعدة ..