عراق بين منقلبين:حزبي.. ووطني(1/2)

يخضع العراق راهنا لقوة مفعول انتقال بين حقبتين، بالاخص على مستوى التعبير الوطني الفكري والسياسي، الحقبة الأولى المنتهية "الحزبية الايديلوجية"، تضاءلت فعاليتها الى ادنى مستوى، ولم تعد حاضرة حتى بحكم الضرورة الآنية كما ظلت تمارس دورها اصلا، مع ذلك هي ماتزال تتخبط وسط الكارثة التي أوصلت البلاد اليها، تفصح كل يوم عن قصور منظورها وممارستها، بينما الأوضاع بالعموم تتعاظم تدهورا، والكارثة الشاملة تزداد عمقا وتستفحل.
الوطنية الحزبية تصدرت المشهد الوطني أصلا، ضمن ظروف عجز مفهومي مزدوج لحق بالعقل العراقي بعد حضور الغرب العسكري، وبدل الإجابة على التساؤلات المتعلقة بالعراق في الحاضر، سارع الايديلوجيون لتبني الماركسة، والليبرالية، والقومية، هربا وكحل مزيف يماشي متطلبات الحركة الشعبية وزخمها المتصاعد، ويؤمن شعورا وهميا بتبلور موقف، او جبهة وطنية مناهضة للاحتلال، وللدولة التي اضطر لاقامتها من خارج النصاب الاجتماعي، كاحدى وسائله الضرورية لاحكام مشروع الاجهاز على "مجتمع اللادولة" التاريخي، وثورته الكبرى بوجهه عام 1920 . غير ان الايديلوجيا كحزب، لبت على صعيد مناقض ومتفق مع أغراض الغرب الاستعماري، مهمة أساسيا من مهمات الهجوم الغربي، بالإضافة لحضوره العسكري، واقامته "حكم من اهل البلاد". فوجود الغرب الاستعماري لم يكن متيسرا بالحد الذي تهيأ له ـ على ضعفهـ من دون مصادرة مفهومية، تسقط حضور العراق كذاتية تاريخية، لصالح روية عن عراق حديث كليا، موكول الى العملية الراسمالية العالمية، وللالتحاق بالسوق الراسمالية، مع اقصى مايمكن من الغاء للديناميات الوطنية، او لاحتمالات تجليها في الحاضر.
ولن نجد في أي مكان في المنطقة ابدا، مثل هذا القدر من الاستسلام والمصادقة الكلية على للرؤية الغربية البرانية كما الحال في العراق، ومثل هذا المظهر يقاس من حيث شدة غرابته مقارنة بحجم "الخصوصية العراقية" المشطوبة بغيرها، بما في ذلك مواضع صغيره وغير فعالة تاريخيا، مثل لبنان الذي تستحضر نخبته مواضبة، برغم كل الأسباب التي تجعلها اقرب للاقتران بالغرب الحديث، مفهوما عائما مثل "الفينيقية"، بغض النظر عن ثقلها الفعلي، اما في مصر، فالفرعونية وحضارة وادي النيل، وجدت في العصر الحديث انبعاثا رافق وعزز تطلعها المسمى بالنهضوي، اما الجزيرة العربيه فقد مالت لاحياء وطنيتها الكونية التاريخية، باسم اكبر تجلياتها المتمثلة بالإسلام، وليست "الوهابية" السلفية سوى الاستعادة الوطنية الانكفائية لمظهر خصوصية كيانية تاريخية، لم تعد قابلة للتجديد، بعدما كانت تفجرت عبر الرسالة الإسلامية، ضمن معطيات وظروف كونية ملائمة لن تتكرر.
وعلى مايبدو فان المواضع التي سبق لها وتحققت وطنيا في الماضي، وبمستويات ادنى، كان من السهل عليها، او من البديهي، حتى، ان تستعيد بمناسبة التحدي الغربي، ملامح من حضورها التاريخي. في حين تعذر على العراق الموضع الأكثر تعقيدا ودينامية وانفتاحا على الصيرورة التاريخية المستقبلة، استحضار مايؤول لتراثه الغني والضخم، مقارنة باي تراث، او تحقق وجودي عرفته بقية المواضع القريبة، المنتمية لحضارات الشرق الأوسط. وقد يميل المرء الى نسبة ردة الفعل المنتكسه هذه، الى مايمكن اعتباره نوعا من شعور ضمني بالمضاهاة، استبطنها العقل العراقي بمواجهته للغرب، بحيث مال لضعفه وتدني وسائله، للمصادرة الكلية المقلوبة للنموذج الغربي، كردة فعل أولية وساذجه، تتأكد عبرها الاحقية في المساوا ة، الا ان هذا الراي قابل للرفض من زاوية نفس الملمح السابق ذكره بخصوص عدم تجلي الوطنية العراقية في التاريخ، مع تكرار تجلي ملامح منها، يمكن بالعودة اليها، استخلاص حقائق مميزة وبارزة، قد تحيل المدقق الى فكرة كون العراق هو "مركزالفعالية الحضارية ضمن محيطه"(1)، كما يمكن ملاحظة توافقات دالة، من نوع تلازم صعود العراق مع صعود المنطقة، واندحارها مع اندحاره، ودخوله الدوري حقبات "الانقطاع الحضاري " المميزة لتاريخه، فلا منطقة حية بعد سقوط بابل عاصمة العالم، ولانهوض الى اليوم منذ انهارت بغداد على يد المغول عام 1258.
الأقرب الى الاقناع بخصوص موضوعنا، هو استمرار ظاهرة التعذر، أي امتناع التحقق الوطني وغيابه الى اليوم، ماجعل النخبة الحداثية الايديلوجة، تصبح من فورها راغبة في تخطي مهمة هي فوق قدرتها كليا، معتقدة في العمق بلا ادنى شك ان الاستعارة التي يتيحها الغرب ونموذجه، هي الحل. او هي المأل الطبيعي الذي لايخلومن تمييز مضمر كما سبق ونوهنا، ومع ان هذا التفسير لايلغي المسؤولية المترتبه على سلوك من هذا القبيل. وهذا التنوية لايقتصر على قوى الايديلوجيا الحزبية "العلمانية" وحسب، فالحركات والتيارات، واجمالي المنجز الإسلامي الحديث العراقي، قصّرعن منطقتين يفترض انهما حاضرتان خلال الانتقال الحداثي، وظلتا مهملتين وموضوعتين على جدول الاعمال التاريخي.
ولولا جملة الأسباب غير المفهومه التي بررت الاستعارة بقوة في عراق اليوم، لكانت الابراهيمة والمنجز الإسلامي العراق مابعد الجزيري قد احظرا ضمن تفكرية إبداعية من نوع تلك التي تؤسس عادة للانتقالات الكبرى في التاريخ، كما الحال في الغرب ونشوء العقلانية هناك بالتوازي مع الانقلاب الصناعي البنيوي، فالاسلام الجزيري الذي يعامل باعتباره مطلقا، ومستوى اعلى من حيث التحقق التاريخي للمشروع الكوني التوحيدي، لم ينظر اليه على انه ليس الأصل، بقدر ما هو فرع، اقتضته أسباب تتعدى المنطقة وتحولاتها، وان الابراهيمة العراقية الأولى هي الأصل والمنشأ الأساس الأعلى، ولا يرد مثل هذا الانتباه بناء على اقتراح اني وراهن، بقدر مايتلازم مع تجربة انجاز ضخم سابقة، جرت خلال الفترة العباسية، واتسمت بالثراء والتعدد المذهبي والفلسفي، بينما اكتفت الجزيرة العربية، او هي اختصت بالدعوة والفتح، أي العقيدة والدعوة، في حين اضطلع العراق بكل ماخص الإسلام كمشروع حضاري، ان تاريخ الإسلام وعنفوانه التاريخي هو (مكة، والمدينة، والبصرة، وبغداد، والكوفة)، هناك تتعدد المذاهب، ونعرف الإسماعيلية واخوان الصفا، والمعتزلة وقمم التصوف والتشيع بكل تفرعاته، وصولا الى الطبعة العراقية من الاسلام المشاعي "القرمطي". وللاسلام في التاريخ موجتين من الانتشار، الجزيرية الأولى، والعراقية الثانية، التي عمت المدى الإسلامي، والاهم هو مايتعلق بشمولية المنجز الحضاري، في الاداب والفنون والمعارف بصنوفها المختلفة، وصولا الى مائدة زرياب التي وضعت للغرب قواعد واتكيت المائدة المتبعة الى الوقت الحالي، نقلا عن بغداد العباسية. وكل هذا ليس اسلام الجزيرة العربية، بل اسلام المشروع الحضاري الكوني المتحقق في الدورة الأولى السومرية البابلية من قبل، إضافة لمنجز الانطلاق الأول للرؤية الابراهيمة.
وحيثما ينتكس الإسلام العراقي اليوم مرتدا لذلك العباسي او الجزيري، من دون مطمح تجاوز تقتضيه متطلبات الحاضر،هذا ناهيك عن ان يقبل صيغة بغاية التدني من اسلام منغلق، مستعاد في غير زمنه، من قبيل "الوهابية" النفطية، سليلة اسلام عصر الانهيار، مابعد بغداد الإسلام الابن تيمي، فان دائرة الانغلاق دون الذات، تصبح خانقة، ويمكن بناء على درجة ضيقها الاستثنائية ،ان نقدرمستوى المفارقة الحاصلة اليوم، بين الحقيقة الحضارية الكيانية الموكولة للعراق تاريخيا، كما بحكم كونه المنطلق، وقاعدة مسيرة الانسان في التاريخ، وعالم مايعرف بالحضارة الانسانية.
كيف يمكن لورثة الابتداء الحضاري الإنساني المفترضين، ان لايجدوا لديهم الرغبة والتبرير لكي يمارسوا قدرا مهما كان ضئيلا من الامتناع امام مشروع الغرب الحالي، وبالأخص بمواجهة ميله المحموم لالغاء أي حضور فاعل سواه في التاريخ، السبب الوحيد الذي يمكن ان يكون مقبولا او مشجعا على مايقرب من فهم مثل هذه الظاهرة، هو الهزيمة المزدوجة امام الذات والوافد الأوربي، هنا تتجلى حالة النخبة العراقية الحديثة، باعتبارها حالة تاريخية من ممارسة ماساوية خارج التاريخ ومقتضياته، او حقيقية وملموسية التفاعل معه، او الاستجابة السليمة لايقاعه ومقتضياته.
ـ يتبع ـ