مذكرات منجمي عراقي :أوراق من الذاكرة (15)

ممالح عراقية

اوراق من الذاكرة(15)

لم يتبقى لي سوى ستة أشهر ، بيني وبين التقاعد (1/7/2015)استغرقتها في كتابة بحث عن امكانية رفع طاقة الانتاج السنوية، لملاحة السماوة/محافظة المثنى(الواقعة جنوب غرب مدينة السماوة وتبعد عنها 30كم)والمنتجة لأملاح صناعية مغسولة متكونة بصورة أساسية من كلوريد الصوديوم وبنقاوة عالية، من معدلها البالغ180000طن/سنة الى500000طن/سنة اي بزيادة(2.7)مرة عن معدلها الحالي، تلبية لحاجة السوق العراقي لهذه الأملاح المتعددة الأغراض. اول زيارة لملاحة السماوة كانت عام 1992للسكن في دار استراحتها، يومها كنت في فريق عمل مشروع المصب العام وفِي جزئية توفير المواد المناسبة لملء القناة والسداد المحيطة بها. والزيارة الثانية كانت في عام 2013 لدراسة أسباب حيود المنتج في محتواه من الكبريتات ومعالجة الامر. وكانت تلكم الزيارة اضاءة مهمة في الاطلاع على آلية عمل الملاحة وأجزاءها الرئيسة. وشكلت الخلفية المناسبة لإعداد البحث المذكور. ملاحة السماوة تتألف من منخفض ملحي مساحته6كم مربع تقريبا، يحتوي على جسم الملح الصخري، والذي يتم إذابته بالاعتماد على مياه الآبار والأمطار لإنتاج محاليل بتراكيز مناسبة، يتم ضخها الى احواض الترسيب عدد/10مساحتها0.8كم مربع يتم تبخيرها وتجفيفها اعتمادا على الطاقة الشمسية. وجريا على عادتنا في الاستفادة من ال(GIS)قمنا بالتنسيق مع قسم المعلوماتية/وحدة البيانات الرقمية والدراسات، في ادخال بيانات الآبار والخنادق المحفورة في المنخفض الملحي، لتحديد الجسم الملحي والطبقة الغطائية له وجلها من الأطيان الملحية، وحساب الإضافة والفقدان على مدى اكثر من 20عام. بعدها وضعنا خياراتنا في زيادة طاقة الانتاج عن طريق رفع الطبقة الغطائية في أوطأ منطقة من المنخفض ،وحفر آبار ضحلة في منطقة السماكات العالية للجسم الملحي. كما اقترحنا اضافة احواض ترسيب لاستيعاب الزيادة المتوقعة في حجوم المحاليل الملحية بعد تأهيل المنخفض. انجزت الدراسة وسلمتها قبل انفكاكي من الدوام بيومين، فكانت حسن الختام لاعمالي. الذي صادف تزامنها مع ايام رمضان ،فأعفتني من احتفال تكريم المتقاعدين وما يصاحبه من مشاعر توديع صاخبة، لزملاء قضيت معهم سنين العمل في التجاذب والتنافر والتناغم، كانوا بمثابة الشريك الحي في صناعة هويتي العلمية والعملية والحياتية. وليس بالأمر السهل والهين مغادرة قطار العمل، استغرقت رحلتي فيه35سنة،ليتركني وحيدا حائرا في محطتي الجديدة. قضيت الأسابيع الاولى من تقاعدي في مراجعة دائرة التقاعد العامة لإكمال معاملة التقاعد، مع طوابير متدافعة من المتقاعدين، في مشهد مشابه لبستان من اشجار الليمون الذابلة والمحملة بأزهار القداح، وفِي كل مرة عند انقضاء مراجعتي، أقفل راجعا لاقطع جسر الشهداء والبث واقفا قرب تمثال الصافي، وبعدها اكمل المسير نحو شارع الجمهورية، لاستقل المتوفر من النقل نحو باب الشرقي ثم لبيتي. وفِي احدى المرات وكعادتي في الوقوف قرب الرصافي، عبر شاب من الجهة المقابلة واحتك بهدوء وأكمل باتجاه الميدان، وانا اكملت مسيري. وبعد جلوسي بالسيارة عرفت ان الشخص الذي احتك معي سرق كل نقودي، ومن حسن حظي ان مستمسكاتي بالجيب الاخر، لا يهم ما فقدته ولكني تركت عادتي في تأمل التمثال، ولم اترك حبي المزمن للشعر في مواجهته المريرة للحياة.

اشتركت في تظاهرة ساحة التحرير/بغداد في اخر جمعة من تموز2015وفي الجمع اللاحقة بعدها توقفت. كانت المظاهرات محمية من النظام وبمجموعات خاصة مدربة، تضاف لها مجموعة من التيار الصدري، التي تفتش المتظاهرين، سيما عند اشتراك الصدريين في التظاهرة وبحضورهم يكسبوها حركيّة واحتشاد. وقد استجابة الحكومة وبشئ من المرونة لمطاليب المحتجين، ولكن هذا لم يمنع من ازدياد الاحتجاجات وعبور المتظاهرين جسر الجمهورية، ودخول مجلس النواب، وحدوث اعتصام برلماني لإقالة الرئاسات الثلاث وتشكيل حكومة خارج المحاصصة. وسرعان ما عادت التظاهرات الى مكانها الأثير في ساحة التحرير وجمعتها المباركة.

شهدنا بالآونة الاخيرة ولادة مشروعين احدهما حقيقي والاخر زائف. الاول: الحشد الشعبي و ما يمثله من حركة تحرر ورد فعل شجاع لهجوم داعش المعلومة الاصل والفصل(سيما بعد ادلاءات مرشح الرئاسة الامريكية ترامب، وتحميل مسؤولية الامر ل اوباما وكلينتون)و داعش لا تخدم مشروع تفتيت العراق فحسب، بل جعل المنطقة ساحة حروب، وذريعة لعودة امريكا بحجة مكافحة الارهاب، وكسب نفوذ جيو ستراتيجي على حساب(روسيا، الصين وايران). الثاني : ثورة ساحة التحرير، بعد كشف المفسدين، وحجم الفساد وضياع المال العام، وتحميل الامر لمسؤولين كبار، بدون الإشارة الى الاسباب المتعلقة بغياب الدولة المركزية، وتدقيق ديوان الرقابة المالية الصارم على تنفيذ المشاريع من قبل الوزارات، ما أدى الى كشف المال العام للنهابين وسرقة أموال بملايين الدولارات.

وبالرغم من انطلاق الشرارة الاحتجاجية بعد كشف تقرير السفارة الامريكية المسلم الى هيئة النزاهة العراقية والمتعلقة بحجم الثروات التي نهبتها الطبقة السياسية الحاكمة. الا اني اود القول بخصوص تحطيم المجتمع العراقي واقتصاده وتكبيله بالقروض من صندوق النقد الدولي، ودفعه نحو هاوية السقوط والانهيار، هي ضمن مصلحة الإمبريالية. والذي يفكر بنهضة عراقية مشابهة لكوريا واليابان واهم، وعليه الاستعداد لمتوالية مستمرة من الحروب بعد الانتهاء من حرب داعش.

اما رؤيتي لكيفية حسم الصراع الدائر، مع تنامي القدرات الذاتية العراقية في الدفاع عن وجود التنوع والاندماج المجتمعي، ومقاومته للتفتيت والتحطيم الامبريالي، اقول انها لم تبلغ تكافؤ النزال، ولاتزال الإمبريالية قوية وقادرة على المناورة والاحتواء، حتى في ظروف الاستقلال، تبقى مهمة بناء الاقتصاد، بحاجة الى تكامل مع المحيط الجغرافي. وبدون تعديل الميزان الدولي لصالح خلق فرص الاستقرار الدولي ولجم غيلان الإمبريالية، تبقى الامور رمادية قاتمة.