ثورة داخل الابراهيمية ( 1/3)

من التناقضات المرضيّة في الوعي العربي الحديث، تحاشيه او تغاضيه عن البحث في القضية الأهم ضمن التكوين الحضاري التاريخي العربي ممثلا في التوحيدية "الابراهيمية" كمكون أساسي تصوري وحضاري تاريخي. والأمر على هذا الصعيد مدار مقاربات متباينة ان وجدت، مع انها ضمنية عمليا، فالإسلاميون يختلفون في الموقف من هذه المسالة، عن معسكر مايعرف ب "العلمانيين"، اذ الاولون لايصادقون من الابراهيمية الا على آخر تجلياتها النبوية، ويجعلون من الغرب وحضوره، والزمن الأوربي ومقتضياته، دافعا رئيسيا محفزا على التجديد، او مايعرف ب " الإصلاح"ضمن الإسلام، مع الالتزام باصوله وقواعده كامله. ذلك بينما يذهب العلمانيون لعبور الابراهيمية النبوية، من دون التطرق لها مباشرة، فهم يتبنون العقلانية الغربية، بما يشبه التحايل، ولتجنب مواجهة يعتبرون حالة الغرب المؤكدة التعميم على العالم من هنا فصاعدا، هي الكفيلة بحلها، مايمنحهم ايمانا اقرب لتحصيل الحاصل بعمل الحاضر والمستقبل بصفهم. الفروع الأخرى الإسلامية السلفية او العلمانية التي تتخذ مواقف اكثر تطرفا، لاتمثل تيارا مهما ضمن اللوحة العامة، مع ان السلفية وهي من اهم وابرز الخيارات، صارت منتصرة في نهاية المطاف، وتكاد تسود وسط اضطراب غير مسبوق، وتخلخل في الرؤى والمفاهيم، وغلبة للعنف المتوحش باسم احياءماض لم يعد له وجود.
قسمات هذه اللوحة تقول بوضوح ان قضية الحاضر في العقل العربي، لم تصبح راهنه تاريخيا، وان التاثر او الوقوع تحت وطاة عامل كبير براني مستجد، هو القوة الفاعلة في الواقع التفكري العربي بعد العثمانية، التي لم تكن اكثر من صيغة حكم وسيطرة، اضعف من ان تقدم مثالا، او تسهم في إيقاف آليات الحياة والتاريخ في المكان الأصل، منتج الابراهيمة والإسلام الذي باسمه حكمت السلالة العثمانية وإقامت امبراطوريتها، كتجل متأخر للدفع الذي ولدته الموجه النهضوية الإسلامية الجزيرية الأولى، مع ظهور الدعوة النبوية الأخيرة في الجزيرة العربية، وانتشارها بالفتح في الاصقاع الممتدة من اطراف الحضارتين الهندية والصينية، الى الاوربية على ضفة المتوسط الغربية. 
وبمراجعة عمل آليات وسيرورة التفاعل الحضاري الممتد من اوربا الى شرق المتوسط، ومتدادا الى اقصى المجال الابراهيمي الى الشرق، تقع حقبة الحداثية الحالية مابعد العثمانية، عند مشارف، او قبيل عودة التجليات الذاتية لمنطقة التوحيدية التاريخية الابراهيمية (1) وهي ملحقة قطعا بالمسار التراجعي المؤرخ له بعام 1258 مع سقوط عاصمة العباسيين بغداد على يد المغول، ومغادرة العرب من يومها دائرة الفعل الرئيسي، لصالح الاقوام الشرقبة غير العربية المكملة للمدى التوحيدي الابراهيمي، والداخلة في الدعوة الإصل، بالتوازي مع واقعة دخول ارض مابين النهرين، حقبة جديدة من حقبات "الانقطاع الحضاري" بعد الحقبة الانقطاعية الأولى التي أعقبت سقوط بابل.
وبعكس ماقد طرا على الواقع العربي تصورا، بعد الانتباه على الغرب، لم يكن الحال في المنطقة العربية، اصل الدعوة الإسلامية، يوحي بغير حالة التراجع، فلا العثمانية ولااي شكل اخر من اشكال وتجليات الإسلام المتاخرة خارج العالم العربي، بمافيها ارفعها وأكثرها ديمومة، الامبراطورية العثمانية، كان لها أي مدلول يخالف او يعاكس مسار الانحدار الغالب منذ القرن الثالث عشر، فالاسلام بعد عام 1258 تحول الى عقيدة تراجعية بلا مشروع، وهما ( العقيدة/المشروع) مرتكزان اساسيان في التاريخ العربي الإسلامي، لاحضور للمنطقة من دون تلازمهما، والمشروع في اعلى وارقى تجلياته، تمثل في الإمبراطورية العباسية، وببغداد التي تحولت لعاصمة عالمية، تستقي موقعها ورفعتها التي لاتضاهى ضمن محيطها، من آليات الموضع الحضاري الأكثر فعالية في محيطه، وطبعا من ميكانزمات الامبراكونية الكيانية المتجددة في الدورة الثانية، بعد الدورة الأولى الذاتية السومرية البابلية التي انقطعت مع سقوط اول لعاصمة كبرى سابقة هي بابل.
فقط مع الانتباه على الغرب، تجددت نزعة الخروج من وطأة الانحدارالمستمر،مع ان ذلك لم يتم بناء على محركات ذاتية، ماعدا في مكان واحد، بدا بحكم بنيته مفتوحا على الحاضر منذ القرن السابع عشر، حين بدات مفاعيل الانهيار والانقطاع الحضاري الملازمة لتاريخه مابين الدورات الحضارية، تتراجع لصالح تجدد ظهور الملامح الأولى من بداية عودة التشكل الوطني الغائب، مع ظهور الاتحادات القبلية في جنوب العراق واولها واهمها "اتحاد قبائل المنتفك" في نفس ارض نشوء الدورة الحضارية الأولى في سومر، ومن يومها بدات الدورة الحضارية العراقية الثالثة تتقدم صعدا، باعتبارها تحققا حديثا ذاتيا، تحكمه آليات بنيوية تاريخية، وشروط مستجده، الامر الذي لم يكن قد عرفه أي مكان من المنطقة العربية، وبمقدمها مصر وساحل الشام التي ستصبح محفزا ومثالا طاغيا، يحكي قصة طموح حضور حديث، له ملامح ومحركات غالبها براني وفوقي، لاينتمي لاية تبلورات حديثة ذاتية. وهو ماقد ميز بقوة تجربة محمد علي، ابرز الظواهر الافتتاحية في باب الحداثة على مستوى الدولة.
في الموضع المحرك والفعال للعملية الحضارية التاريخية، كان المسار بين الانهيار والصعود يجري خارج الملاحظة، ومن دون حضور بارز لمفاعيل عملية التشكل والحضور المستجد، وبما ان خاصيات تشكل الوطنية العراقية المركبة، تفرض على هذا الكيان "الصعود من اسفل" كقانون، تكرر خلال الدورات الثلاث، فلقد ظلت العملية المذكورة محصورة داخل الجزء الجنوبي من الكيان الامبراكوني/ عند مجال المجتمع الأسفل "مجتمع اللادولة"/، ولم تلاحظ باعتبارها عملية صائرة باتجاه الأفق الكوني من جديد، في حين طغت مفاعيل أخرى في المنطقة، كانت على السطح، وفي الواجهة، وعرف مايسمى "بعصر النهضة" خارج الديناميات النهضوية التاريخية.
هذا ولم تكن الخاصيات التاريخية للمنطقة المشمولة بديناميات التوحيدية التاريخية، أي منطقة الأنماط الثلاثة والمجال المفتوح (2)، غائبة خلال حقبة التفاعل الأولى مع الحضور الغربي سواء بصيغتها التغييرية الفوقية النقلية، كما تمثلها حالة مصر والشام، او الشكل المعاكس الجزيري السلفي، وقد استعاد في الحقب الحديثة نمطا من الإسلام الانحداري الابن تيمي، تحت عامل او محفز الحصار الغربي جنوب الجزيرة العربية المبتديء من القرن السادس عشر تباعا، من البرتغاليين والاسبان ومن ثم الانكليز على طريق الهند، ماولد حالة اقرب الى تلك التي سبقت الإسلام سببها الحضور الخانق للامبراطورية الفارسية وبقدر اقل الرومانية، و كادت تخنق اقتصاد الغزو المتعايش والمتمفصل عضويا مع الوساطة التجارية بين الهند والهلال الخصيب، عبر وسط الجزيرة المديني التجاري الصحراوي، ما اورث حالة تأزم قصوى اقتصادية، انعكست وقتها على حالة القبيلة كوحدة مجتمعية، نتج عنه اختلال عميق في علاقتها بغيرها من نظائرها، بظل حالة من الانسداد شبه الكلي، كادت تفضي لانفجار البنية الأحادية، مما اوجب وقتها وسهل ظهور الدعوة المحمدية وتحققها العملي، انما ضمن ظروف عامة، كانت تمنح الثورة الجزيرية مفعولا كونيا، تجسد لاحقا في سهولة تحقق الفتح، وفي احياء الاليات الحضارية العراقية المعطلة، أي فتح الباب امام " المشروع الحضاري" الذي اعقب الدعوة والفتح.
الحالة الجزيرة المشابهة في بعض الوجوه اليوم، حفزت في كيان اللادولة الأحادي الجزيري، استعارة طابعها المحلي الصرف هذه المرة، غير القابل للانتشار والتمدد موضوعيا وتاريخيا، خاصيته الأساسية، استحضار الماضي بقوة الإرادة، وهو منهج كان غالبا منذ ان سادت العقيدة الأحادية بلا مشروع، او بعد انهياره لتصبح نمط عقيدة اخر تراجعي في حالة نكوص نحو مالايمكن استحضاره موضوعيا وتاريخيا، هكذا، وعلى هذا المنوال ظهرت الوهابية كوطنية لادولة أحادية مختنقة ومحلية، تفتقد للافق الكوني، ومرشحة لاحقا للتحول الى كيان نفطي ريعي، متدامج مع البنية الغربية الراسمالية العالمية، افضى الى قتل الخاصيات التكوينية الجزيرية التاريخية منتجة الطبعة الأخيرة من الابراهيمية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نتحاشى مفهوم العروبة بصيغته المستعارة الشائعة باعتبار ان التوحيدية الابراهيمة هي الأصل والاساس في كينونة هذه المنطقة، وان الابراهيمة اسبق على العروبة، والعروبه بمعنى الإسلام استندت الى الابراهيمية ليصبح لها " كتاب" بعدما كانت "اميّة". 
(2) المقصود :
ـ نمط الدولتين في كيان واحد العراقي.
ـ نمط اللادولة ىالاحادي / الجزيرة العربية.
ـ نمط الدولة الغالبة الأحادي/ مصر
ـ المدى المفتوح / ساحل الشام.
وهي مجال وساحة تجلي الابراهيمية التاريخي.