مذكرات منجمي عراقي : أوراق من الذاكرة(16)

ممالح عراقية 2

منذ بداية عام 2014 توقفت عن مواصلة أعمالي  في الصحراء الغربية،بسبب مستجدات الوضع الأمني الغير مؤاتي للقيام بأعمال المراقبة والتطوير لمواقعنا هناك. تملكني وقتها شعور بالاحباط نظرا للفترة الطويلة التي قضيتها في الدراسة والعمل في مواقع استخراج الخامات المعدنية هناك. وللخروج من هذه المتاهة الإجبارية فقد انشغلت بأعمال اخرى في هضبة النجف وملاحة السماوة لخلق فرص انتاج وإيرادات لمواقعنا، وسد رمق العاملين كحد أدنى، لان قسمنا يعمل بالتمويل الذاتي وليس المركزي. وبعد استكمال اعمال هضبة النجف انتقلت الى ملاحة السماوة، التي أنشئت عام1987في أعقاب تدمير ملاحة الفاو بسبب الحرب العراقية-الايرانية، وتنتج أملاح صناعية مغسولة، وتبلغ احتياطياتهامن الملح الصخري بحدود 50مليون طن. وبإلقاء نظرة سريعة على معدلات بعض اقتصادياتها محسوبة للسنوات الخمس الماضية:إنتاجها 180000طن/سنة،ومبيعاتها170000طن/سنة،وسعر الطن الواحد محمل على ظهر الشاحنة30000دينار. مصاريفها السنوية1.250مليار دينار وربحها السنوي4مليار دينار. نقتطع منه رواتب واجور العاملين في مواقعنا الإنتاجية المتوقفة بسبب الاعمال الارهابية(مواقعنا في الصحراء الغربية،موقعنا في قضاء الدور والموصل) اضافة الى رواتب العاملين في ملاحة البصرة/قيد التأهيل،والموظفين في المقر/بغداد،والجزء الاخر نستخدمه في التنمية البشرية للعاملين وتشمل رهطا واسعا من عمال وفنيين، واصحاب شهادات ومتخصصين، لتطوير مؤهلاتهم وخبراتهم العملية والعلمية،عن طريق زجهم بدورات داخل وخارج العراق،والمتبقي نغطي به مشتريات متفرقة( مواد واجهزة مختبرية،بدلات وأحذية سلامة،اثاث،،الخ). 
 لقد كانت ملاحة السماوة البطة التي تبيض ذهبا،ولكن كانت لي مقاربة اخرى لها،وذلك بجعلها مركزاصناعيا لإنتاج كاربونات الصوديوم (Soda Ash)والمستخدمة في صناعات عديدة(الزجاج،البنتونايت المنشط،عجينة الورق،الصابون،،الخ)وهي سلعة استيرادية باهضة الثمن،والمبررات التي استندت عليها في مقاربتي هو توفرالمواد الأولية والمطابقة في مواصفاتها لإنتاج (SA)فالمحاليل الملحيةالمطلوبة متوفرة ومتألفة من كلوريد الصوديوم،وحجر الكلس متوفر وبملايين الاطنان ومن موقع السلمان القريب من الملاحة،والأمونيا يمكن توفيرها من معمل الاسمدة في البصرة. 
 اضافة الى توفر البنى التحتية المتمثّلة بالموارد البشرية والطاقة والأمور اللوجستية المتعلقة بأمور التصنيع والتسويق. 
 جرت في السابق محاولات لتشييد معمل كاربونات الصوديوم،ليصبح بعد مناقلته ضمن المسؤوليات التنفيذية للشركة العامة للتصاميم وتنفيذ المشاريع/احدى شركات وزارة الصناعة والمعادن. وشيدت اجزاء منه في منطقة شرق الفلوجة، ولم تنجزه،بعدها توقفت في التسعينات،أعددت ملف المشروع وذهبت لهم وبعد اجتماعين مع المسؤولين المباشرين على تنفيذSAتم الاتفاق على محتويات الملف(المكان/ملاحة السماوة،الطاقة التصميمية200000طن/سنةوليس طاقتهم القديمة والبالغة150000طن/سنة،اُسلوب التنفيذ،بالشراكة مع شركة صينية في الأجزاء الحساسة والحاكمة،اما الأجزاء الاخرى فتتم بالاعتماد على السوق العراقية المختصة)،وقد اقترح مديرهم العام،إعداد طلب الى وزارة التخطيط لتخصيص مبلغ من ميزانية2014،ريثما يتم الحصول على تمويل كامل من ميزانية2015. وتم احاطت الادارة العليا بشركتي على حيثيات الاتفاق،وطلبت تنسيقهم مع الوزارة بشأن الموافقات والاجراءات المطلوبة،استلمت اجابة مقتضبة حول شكوكهم بالشركة الصينية مع توصية بأعتماد شركة غربية في تنفيذ معمل كاربونات الصوديوم(تسويف). وطلبو إعداد برنامج تأهيل ملاحة السماوة لرفع طاقتها الإنتاجية الى 500000طن/سنة لرفعه للوزارة. وقد تم انجاز الدراسة وتقديمها قبل يومين من مغادرة العمل. والتي يتطلب تنفيذها مبلغ(4-5)مليار دينار،يمكننا توفيرها من ايرادات الملاحة. 
 يبدو ان النية كانت مبيتة لدى الادارة العليا في الوزارة،لخصخصة ملاحة السماوة وتوقيع العقد مع (شركة السماوة للاستثمار الصناعي واستخراج الملح المحدودة) وتداعيات ذلك بدى جليا في انخفاض الإنتاجية الى 170000طن/سنة،وبدون اي نشاط يذكر لتأهيل الملاحة ورفع الإنتاجية الى المستويات المخطط لها، واكتفوا فقط بتوفير رواتب العاملين في الملاحة. 
الفساد وهدر المال العام في تاريخ الدولة العراقية1920-19800لم يكن نادرا،بل كانت تمارسه بعض فئران الإدارات البيروقراطية وتقتات على فتاته، اما قطط الادارة الحاكمة،فأن بعضها كان يلجأ الى خدمات وامكانات الدولة الناشئة لتمشية مصالحه وتحقيقها،ولكن بعد ثمانينات القرن الماضي وامام سلسلة حروب وعسكرة الاقتصاد،وتوقف التنمية،وتحول كثير من قيادي الدولة العراقية عن الايمان بالاشتراكية،وتحولهم الى مناصرة ايدلوجية حرية السوق والاستثمار التجاري،أضعفت كثيرا من قدرات الطبقة الإنتاجية الصناعية،مع ازدياد نسبة الفقر في القطاعات الشعبية،وانتشار الخراب في ظلال معمار الدولة المركزية،التي ازداد وهنها بعد سنين الحصار الدولي المفروض عليها وعلى المجتمع العراقي. اما بعد الاحتلال،فقد ظهرت حيتان الفساد،تنمو وتتغذى على موارد الدولة العراقية المتداعية،وتجريفها وتفتيت المجتمع وهويته الجامعة ،لتحيله الى هباء من الهويات الثانوية،في بيئة مؤججة للاضطرابات الطائفية والعرقية القابلة للتحول الى حروب داخلية. كل ذلك أدى الى تحطيم مستمر للصناعة وبناها التحتية،وافقار الطبقات الشعبية التي تعيش عليها وتحديد مصيرها بمسلكين،اما الهجرة اوصيرورتها الى مادة للحروب ومفرمته. وتحول نمط الحياة للمجتمع العراقي الى استهلاكي تديره طبقة التجار. يتفاخر ويترقب افراده عدد المولات المتناسلة في حيه ومدينته. هذه هي أعمدة الحكمة من ادارة الامبريالي،في استنزاف مصادر قوة مجتمعنا وثرواته،حتى موته واندثاره،والمنفذة من قبل احزاب الحكم،التي ارتضت تطبيق وصاياه وشجها عميقا نسيجه في تاريخ تعايشه وتنوعه.