الشركات الأمنية ستحول الطرق إلى مصائد لخنق الحشد

الطريق الصحراوي

قبل مئة عام من اليوم، كانت المقاومة الليبية بقيادة الشيخ عمر المختار تدوخ الفاشية الإيطالية المحتلة في حرب عصابات استمرت لعشرين عاماً، وتوقع بها اشد الخسائر، حتى أن موسوليني ذاته قال عنها: "إننا لا نُحارب ذئابًا...، بل نحارب أسودًا يُدافعون بشجاعة عن بلادهم. إنَّ أمد الحرب سيكون طويلًا "
 واخيراً وجد الإيطاليون مصيدة قلبت موازين القوى لصالحهم. ولم تتمكن عبقرية الشيخ القائد، الشديد الانتباه والحذر، من الإفلات هذه المرة، فسقط الشهيد صريعاً.
.
 فلقد نصب الإيطاليون شريطاً من مئات الأميال من الأسلاك الشائكة ليقطع ليبيا كلها عن مصر، ابتداءاً من البحر المتوسط في الشمال وحتى أعماق الرمال إلى الجنوب، وبكلفة 20 مليون فرنك إيطالي، وهو مبلغ ضخم في ذلك الزمن، فقطعوا على المقاومين مجال حركتهم وتموينهم، فكانت نهاية قصة إنسانية باسلة.
.
 وهكذا فحتى مع الحذر والذكاء والخبرة الطويلة، لا تضمن أية قوة، مهما كان الحق معها، النصر. لكن بدونها فإن النهاية السريعة مضمونة بالتأكيد، خاصة عندما يكون الخصم غاية في العبقرية والقسوة، كما كان موسوليني في أوائل القرن الماضي، وكما هي اميركا وإسرائيل اليوم بوجه الشعب العراقي، وبخاصة قوته المستقلة عن تأثيرها: الحشد. فهل لدى قادة الحشد اليوم ما يضمن سلامة الحشد وسلامتهم؟
.
 ما يخطط له الأمريكان للحشد على ما يبدو، هو مصيدة مشابهة لتلك التي وضعها الفاشيون للشيخ المختار، بنسخة حديثة. فمن الطبيعي أنهم لا يستطيعون قطع طريق الحشد بأسلاك شائكة، لذلك اختاروا ان يسيطروا على الطريق الخارجية في المناطق الغربية بقوات شركاتهم الأمنية. 
 وإضافة إلى ذلك الهدف، يمكن لهذه الوسيلة ان تحقق الخطوة التي فشلوا في تنفيذها حتى الآن من الخطة الأمريكية الإسرائيلية التي حملها العبادي حين اختاروه لهذه الوظيفة، وأعني بها خطوة الحرس الوطني، الذي كان يؤمل منه ان يقسم العراق الى مناطق عسكرية منفصلة. 
.
 ولتوضيح أهمية الطرق ومن يسيطر عليها، انقل لكم ما كتبه أحد أصدقائي حول الموضوع في رسالة لي تعليقا على إحدى مقالاتي في الموضوع: 
.
 "ان المبدأ الاولي والهام لأية دولة وخاصة في ظروف الصراعات العسكرية والنشاطات الارهابية هو السيطرة والتحكم بشرايين النقل والاتصال وان الكارثة الكبرى التي تواجهنا هي ان العبادي قد سلم اهم شريان للأمن الوطني للأمريكان، ولا يمكن تخيل النتائج التي ستترتب على ذلك. ان طريق المرور السريع الممتد من الحدود السورية والاردنية حتى الحدود الكويتية يمكّن الجهة التي تسيطر عليه من العزل الكامل للأراضي والحدود والدول التي تقع غرب الطريق، عن مجمل الاراضي العراقية. ويجعل كافة النشاطات والتحركات العسكرية الامريكية والاسرائيلية ومجموعات العملاء في تلك المناطق وبوجود القواعد العسكرية الامريكية المتعددة غرب الفرات، منطقة معزولة بالكامل وخارج سيطرة الاجهزة الامنية العراقية. 
.
 كما ويؤمن هذا، الهدف الامريكي بالسيطرة الكاملة المباشرة على المناطق الحدودية العراقية والسورية والتي تمثل المساحات التي سبق أن رتبت أميركا لداعش أن تحتلها وتديرها بإشرافها، كما يجري الان في الرقة والرمادي. وهذا يحقق استمرار تفتيت المناطق وبقائها في دوامة الحروب والازمات لعشرات السنين القادمة. 
 ومن ناحية أخرى فإن هذا سيعني التحكم بتحركات ونقل وأمن قوات وقادة الحشد الشعبي ومنع تواصلهم مع الجبهة السورية ووضعهم تحت المراقبة وجعلهم عرضة للخطف والاغتيال."
.
 إننا بشكل عام، لا نرى قادة الحشد يتعاملون سياسياً بالمستوى المطلوب من الحذر والانتباه، مع الخطر المتمثل بالمخطط الأمريكي الإسرائيلي الذي يضع الحشد العراقي كهدف أول له، ولا نرى الحزم في ساحة السياسة، مثل الذي نعهده في الحشد في سوح المعارك، بل العكس تماما!
.
 إنهم يقبلون بأشد ذيول الأمريكان خطراً على رأس هيئة الحشد، ويقضون اوقاتهم في تفتيت ثقة الناس بهم بتبييض صفحات الفاسدين المعروفين لدى الشعب العراقي مثل محمود الحسن ووزيرة الصحة عديلة حمود على سبيل المثال، ولا يظهر في أحاديثهم ما يطمئن الناس حول تصورهم لمستقبل الشعب ولا يبدو كذلك بأنهم يدركون حجم الخطر الداهم الذي يتهدد حشدهم كمؤسسة وكأفراد. 
.
 فمن الواضح، من خلال مراقبة المعركة مع داعش، ان رئيس الحكومة وكبار القيادات العسكرية في العراق، تحت سيطرة الاحتلال إلى حد كبير وخطر، وإن لم يكن تاماً. فالعبادي يستجيب للضغوط ويحدد حركة الحشد ومعاركه كما يناسب المحتلين ويرضيهم. وهو لا يفوت فرصة دون ان يتحدث عن حصر السلاح بيد الدولة، وهو يقصد الحشد بالطبع. لكنه يتغاضى تماما عن القوات الأمريكية التي عمل على زيادة تواجدها في العراق بتسارع لا يعلم به أحد، والذي يختتم اليوم بالشركات الأمنية. فهل هذه القوات حقا تحت سيطرة الدولة؟ ولماذا تتطلب الظروف الاستثنائية استقدام هذه الشركات المليئة بأعتى المجرمين وتسليمهم السلاح والسلطة، ولا تستدعي التساهل في موضوع حمل الحشد للسلاح، وهو الذي يأتمر بأمر الدولة؟ 
.
 إن العبادي وحكومته ليسوا جهات مأمونة أبداً، ومن الحماقة التظاهر بعكس ذلك. ومن واجب قادة الحشد ان يفعلوا كل ما يستطيعون لكيلا يسمحوا بالإجراءات والقرارات التي يتخذها العبادي لتوسع سلطات الأمريكان على البلاد. وعليهم اليوم بالذات أن لا يسمحوا لهم بمحاصرتهم ووضعهم في مصيدة من شبكات الطرق الخارجية، وأن لا يعتمدوا على العبادي في أمنهم، خاصة أن ربيبهم العبادي، لم يقل لأميركا "لا" في أي أمر مهما كان صغيراً أو خطيراً أو مهيناً له وللعراق. بل أن الأمريكان يتعمدون توجيه الإهانة الى الشعب العراقي من خلال إهانته مباشرة بالصور وغيرها، او من خلال ذيولهم بالتصريحات العدوانية تجاه العراق او تجاهه شخصياً! 
.
 إنه رجل بلا كرامة، ورجل بلا كرامة، رجل خطر لا يجب أن يؤتمن على مصائر البلدان والشعوب في مثل هذا الزمن المتوحش. أفشلوا مخطط إعادة الشركات الأمنية المجرمة إلى العراق. قولوا "لا" واضحة لا يستطيع عملاؤهم تجاهلها! 
 .


فلم: شيخ المجاهدين عمر المختار
https://drive.google.com/…/0ByKXZ7apxX6_dXljUGt1b29DVEk/view