هيفاء وهبي : اسمهان بلا أسرار.." بوس الواوا "

كتبت هذا المقال قبل بضع سنوات ونشر في مثل هذا اليوم في جريدة " النهار" اللبنانية.. لطرافته، ولمن يحبون ماوراء ظواهر الفن، اعيد نشره هنا:

‏28 أبريل، 2011‏ " انا هيفا " " انا اهوى/قهوة " خلال رمضان الذي انقضى ، اكتشفت الاسطورة الممنوعه ، الشيء الذي يجعل البلابل السماوية تصير من جنس البشر وتموت ليس كمثل البشر ، عاش سيد درويش 31 سنه فقط ، ولم يعش السياب سوى 38عاما ، /لهذا الاخيراقران من نفس العمر بالضبط مازالوا احياء الى الان بينما غادر هو مستعجلا منذ عام 1964 / موزارت عاش 35 عاما ، واسمهان لم تعش سوى 27 سنه من الصخب والجمال ، ورامبو انتهى من عمره الشعري الباهر وهو في العشرينات ، كنت اقرا الايام التي احترقت خلالها اسمهان وهي تتحسس برودة الماءالقاتل ، مجسدة ، لاادري لماذا ، بخيال او بشبح امراة ساراها امامي عيانا بالصدفة المحزنه /جاءت لتعزي بفقيدتنا رنده الشهال وبكت ولطمت / لتبدو لي غريمتها الحاضرة ، التي لاتعرف لماذا يمكن ان تقحم في مثل هذا الاتون الاسمهاني . مع انها تفعل ماكانت اسمهان تفعله ، بعد ان انتهت وابتعدت كثيرا، اسباب المراوحة بين الجموح والحلم الانثوي والموت . لكن اسمهان وهي عاشقة الشام ، لم يتسن لها ان تجعل كل سواق التكسيات ، يقدمون بالفطرة ومن من دون اتفاق ، على ايقاف سياراتهم خلال لحظة من اللحظات ، ليصيحوا معا " بوس الواوا بوس " بينما هم ينحنون ليقبلوا الارض /هل ظنوا ان الارض تعاني من الواوا / اسمهان بصفتها زوجة امير جبل العرب . ومن سلاله امراء ، استطاعت للحظة ان تلعب دورا ، وتجمع سياسيين متباعدين في بيتها /بيت الامير حسن الاطرش في المدينة الاقدم في التاريخ وتؤالف بينهم ، من دون ان تجعلهم يقبلون الارض . فهم كانوا بنظرها اقل من جمهور ، وصفوة مجتمع ، تستحق ان تكون وسيلة لاطفاء جموح ماوراء الحياة العادية بين تضاعيف نفس ملتاعة وماخوذة ، تتلهى بانتظار الموت،حتى لاتقتحمه كما فعلت مرات / يقال انها اقدمت على الانتحار مرتين / يوم كانت المهمة الكبرى في الفن والحياة اعظم من ان تدرك ، والطرق مابين الغناء اوالسلطة ، لايمكن ركوبها بالقلق ، وتناقضات واضاءات النسب والرغبة في الطيران " اتعرف ياحسن لماذا اغمض عيني حين اغني افعل ذلك لانني اكون في دنيا اخرى ارحمني ياحسن لقد كنت كريما معي فطلقني ....طلقني ياحسن "/من مسلسل اسمهان / . أرعبني وانا اشاهد احدى القنوات المصريه وجه ، صلاح عيسى ، المتغضن الكريه ، والذي يشبه وجه " عشماوي " جالسا مع شرطي قدموه كلواء في الامن ، " ولكم ان تتخيلوا مايعنيه هذا المنصب ، مع نكرة من صحفيي التزلف ، جيء بهم لكي يشتموا اسمهان " الفاجرة " ، التي كانت في القدس لاهم لها سوى ان تحصل على المال ، وتفعل ما لايعلم بخفاياه الا الله / هذا ماقاله المثقف اليساري العجوز صلاح عيسى ، بوجه ينضح بالكبت الجنسي ، والصفاقة التي اللائقة بسقط من متاع بن لادن / تصورت وقتها ثلاثة غير هؤلاء الثلاثة يتحدثون بفعل عدالة الاقدار المستحيلة ، وهم من مصرلامن غيرها عن اسمهان ، لانهم يعرفونها بالروح اولهم صلاح جاهين ، الثاني نجيب سرور ، والثالث الشاعرالموغل في الحزن امل دنقل . وقتها كانت الشاشه التي سودها وجه صلاح عيسى ، والشرطي ، والامعه . يشتعل بعالم لايحتمله زمن الموت الذي يخيم علينا اليوم . كان محتما عليهما ان تتمايزا في المشابهة ، ففي الفاصل الزمني الطويل بينهما تقلبات تكمن في طياتها صدمة معاني تاريخ ومآلاته ، تقول هيفاء وهبي الاشياء بوضوح اليوم ، بينما اسمهان تتوارى ، وتترك التباسا ، قد يبدو أقوى لاثارة المزيد من الخيال ، ومن الرغبة الممنوعة ، واشعال الرغبة { اهوى /قهوة }...فاتنتان ...ولاشك ان اسمهان كانت " مثيرة " ومرغوبة ، غير انها لاتصل من هذه الناحيه الى مستوى " هيفاء وهبي " /بالمناسبه كانت هنالك مطربة عراقيه اسمها هيفاء حسين واخرى اسمها احلام وهبي ، غير ان الاولى اجمل ولها قصة سارويها عرضا في السياق /فلقد كلف ضابط امن وسيم بمراقبتها ورصدت له ميزانية وراح يتردد على الملهى التي تغني فيها وقد تمكن من التعرف عليها بالفعل وبعد اللقاء الثاني بينهما كتب مذكرة لرئيسه يطلب اعفاءه من المهمة قال ببساطة

التعرف عليها بالفعل وبعد اللقاء الثاني بينهما كتب مذكرة لرئيسه يطلب اعفاءه من المهمة قال ببساطة انها جميلة لدرجة انني قد اصبح عميلا عندها بلا تردد لااريد خسارة وظيفتي .. اعفوني / . اسمهان تتفوق على هيفاء بمراحل في الصوت وفي الاداء الملائكي الساحر ، بينما الثانيه لايعتبرها الذواقة ولا الموسيقيون ، ولا من يبحثون عن الصوت والاطراب ، في صنف المطربات . وكثرة من الناس نظروا الى هيفاء وهبي على انها مقدمة " عرض" الفتاة الوحيده ، ومنهم من اعتبر ظهورها على المسرح نوعا من " الستربتيز" بقليل من الثياب . وكل هذه مقاربات لحالة لم تكن قد استقرت بعد . ولايوجد في الخيال او الثقافة العربيه سوابق استدلال تقاس عليها ، او يحكم عليها بضوئها، وتلك مشكلة الظواهر الجديده الخارقة ، والصاعده وسط ارض بكر لم تطاهأ قدم من قبل . قد يكون من غير السابق للاوان الحديث مع ترسخ ظاهرة " هيفاء وهبي " والتباساتها ، عن تراجيديا بدايات حداثة الاغنيه العربيه في قلب ماقد عرف بحقبنا الحديثة . فهل يكون من الجارح التحري عن ثمن للتكريس الفني الغنائي في الكلاسيكيات الحديثة ، او عن ماساة لاتخلو من الافتراضات والاسطرة المتعددة الايحاءات . لقد عاشت اسمهان هي وفريد الاطرش تبديدا محزنا بلا نهاية ، والرجل صاحب " نجوم الليل " وبساط الريح " و" ياريتني طير لاطير حواليك " اولى ابداعاته الناجحة عدا " الربيع "/هذه الاغنيه كتبت بالاصل لتغنيها ام كلثوم ، لكنها اصرت على تبديل مقاطع منها ، فذهب الشناوي بها الى فريد الاطرش / الذي حصل على الجنسيه المصرية فقط في عهد عبدالناصر . بعدما استهلك قلبه وروحه . بينما لم يحدث ان تحول مرض قلبه الى قوة او دلالة ، حتى وهو يطلق دويا من الاحزان معتمدا على المادة الخام في الاحزان العربيه ، وكان كما نعرف ، يقامر ، ويبدد ثروته في الكرم غير العادي بلا توقف ، في حين تواصل اخته الباهرة الصوت والحضور انتحارها . واعطت لقلبها الحق في التقلب فكانت لاتهدا ، وفي رحلاتها وقنوطها بين القاهرة والقدس ، استعملت الانقطاعات والحزن كطاقة ماساوية لم تقربها من اديث بياف فحسب ، بل جعلتها تتفوق عليها . فهذه الاميرة الفاتنه لم تات ، لامن الريف والفقر كما ام كلثوم ، ولامن الشوارع الخلفيه ، لقد كانت هابطة من اعلى وغيرها يجاهد للصعود الى اعلى . تبدو الغرابة شبه مطلقة وراء كل مايحيط باسمهان وفريد الاطرش ، وبمقابلهما ام كلثوم وعبدالوهاب . ترى لماذا كان ينبغي للاقداران توجد رباعيا ، امراة ورجل من خارج مصر وامراة ورجل من داخلها ، حتى وان تلاقى هذا البعد شبه المتخيل ، مع سلسلة النزوحات التحديثية الشاميه الى مصر . فالمسرح : قباني مصابني / الصحافة :تقلا/ لم تكن تولف رواية من الصراع التراجيدي ، الذي يؤشر في اعماقه لكل مسارات ومسير الغناء العربي ولموته اللاحق . وبين الفن الذي يتشكل كسلطة . والفن الذي يغرد لذاته كفن . عاشت واحدة من اكثر القصص عنفا وماساوية ، متخفية وراء حجب ركبتها امواج عاتيه من التقلبات وتحولات التاريخ . فاسمهان الآتيه من الشام وام كلثوم الفلاحة بنت البلد الاكبر، وقلب الحداثة الطائر بجناحين ، الشام من الشرق والمغرب في الغرب ، هما قصة تشظي تلك الحداثة وانحباسها وراء اشتراطات المكان ، وضرورة تشكيل مسار ذاكرة . وسيظل الناس يخطئون اذا هم لم يعيدوا قراءة هذا الفصل التاسيسي . فام كلثوم تحولت الى قدر، بصفتها مصرية وصانعه مملكة بقوة التسجيل ، الغراموفون والاذاعه . بينما اسمهان طارئة ، فقط لانها ليست بنت البلاد . هي والاخ الذي يلازمها. وبغض النظر عن احكام القيمة ، فان اسمهان ماكانت تملك الفرصة التي لام كلثوم ، وعاشت هناك وهي " ناقصة درجة" لابل درجات مهما فعلت . وحتى في استخدام الوسائل ، كانت ام كلثوم الفاشلة في " السينما " على عظمتها كمطربة ، بسبب ثقل حضورها وسلكويتها اللاانثويه ، تنتصر بقوة على المسرح كزعيم . على عكس اسمهان التي يستحيل تصورها واقفة امام الجمهور تغني ، دون ان ينهدم سقف المسرح على رؤوس الجالسين . هيفاء وهبي على العكس منها اليوم هي مطربه مسرح /مخدع وحسب ، صوتها الضعيف وادائها المتهافت والاليف ، يجعل منها خيالا ممتلكا يرضي الذكورة ويشعلها ، يحيي في المخيال المحبط رمزية مجسده لخنوع الجمال الباهر . انها ايقونة الجواري ، حاضرة من كل العصور ، وهي بمقابل اسمهان النهاية التي يموت معها الغناء ، يوم يتفجر" دعوة " وحضورا بلامعنى لاللاطراب ولا للغناء " بوس الواوا " . لايمكن لرجل يحضر المسرح مستمعا لهيفاء وهبي ، دون ان يكون قد فتح كل خزائن خيالاته واحلامه الدفينه المكبوته كعربي ، ومن هنا تتلمس هيفاء وهبي طريقها ، نحو سلطة يعترض عليها البرلمانيون في البحرين ، وفي الاردن وسوريا . ويطلبونها في الجزائر، بينما هي تضع فوق راسها تاجا تصنعه من ابتكار " الايروتيكيه " في قلب عالم يبدد الغناء ويتواطا على استخدامة مجرد حجة وذريعة ، لكنه يتطلع حين يسمع الى " لاغناء" هيفاء وهبي ، لقصة حدثت هي تلك التي مرت دون ان نلاحظها بعد اغنيه " عايشه " للشاب خالد الجزائري ، اسطع واول مثال على الاغنيه العربيه المعولمه والمتحققة خارج الراهن العربي . عودة الى ايام الف ليله وليله وهي تعرض عبر ال cnn بينما ينشا بينها وبين قناة " الجزيرة " خصام وتباعد ، لابل حرمانيه . يقف وراءها الشيخ القرضاوي ربما ، الذي يشعل دون ان ينتبه الناس في العالم العربي ، حربا سرية ، ليس بين الشيعة والسنه بل بين " امبراطوريتين " الامبراطورية القطريه العظمى ، وامبراطورية هيفاء الاعظم . فهل كانت هي اصلا طماحة ، الى مكان مثل ذلك الذي صنعته ام كلثوم بصوتها ، حتى سيدة الغناء ودكتاتورته ، تجرعت تلك الكاس في بلادها ، والقصر رفض محاولتها الانتساب الى العائلة المالكه بالزواج من احد الامراء ، وان هي حصلت على لقب اميرة . فماذا كانت اسمهان تستطيع ان تملك ، غير ان تركن في اعماقها ، الى ثقتها بعلو النسب والاصول ، لترفض الفن كوسيله للرقي . يبدو تحرر صوت اسمهان ونفاذه ، اقرب الى قوة الجرح ، والى اللجوء الى مصدر وحيد للقوة ، هو الفن . كانت هي وفريد بلا مستقبل ولامكان . مبددان ، لانهما ليسا متساويين مع آخرين ، ليس من المقطوع به انهما الافضل . فاسمهان من دون شك اعظم براي كثيرين من ام كلثوم ، وفريد الاطرش كان فنانا كبيرا ومنافسا باحتساب الفن البحت وبعد ازاحة التدبيريه العبدالوهابيه الرائعه ، غير ان المقارنه بين الرجلين ليست واردة ، بعكس الحال بين ام كلثوم دكتاتورة الغناء ، او سيدته لافرق ، مقارنه بالايقونة اسمهان . من يتصور ان الناس يغردون مثل البلابل ، لايفرق بين البلبل والانسان ، الاخير يغني محكوما لشروط حياة ووجود وتاريخ . وعبر هذا الوضع ، وليس بين الاغصان يظل الصوت الانساني يتحدث لغة اخرى ، ويسجل معاني ضمن المعنى الاكبر للوجود والتاريخ ، الى ان يتمكن من الخروج من شرطه الحالي او يفشل . بالنسبة لنا في العالم العربي الذي هو من بين الامم واحدا من اكثرها انشادا . التاريخ الماضي وصياغات النغم عريقة للغاية ، وصعبه ومتشعبة بغزارة لامثيل لها في اي مكان . منه الفصل الحديث من مساربدا بانشقاق { هذا التناول لاياخذ بالدقة مسارات النغم الزريابي المرتجع عبر الاندلس ، وموجات طرد اليهود الى المغرب العربي ، واثارالموجة النغمية الساحلية العائدة من هناك الى مصر ، عبر تجمعات المغاربة في الاسكندريه / حارة التوانسة / ، واحتمالات تاثر سيد درويش بتلك النغميه ، بمقابل مسارات المقام العراقي الآتي من الشرق } ونحن نركز هنا على موضع غير بديهي . وليس سوى اعتبارات خاصة وتحوليه ضمن الدورات الحضاريه للمنطقة ، هي التي قررت مركزيته وسيادته النغميه لدرجة طمس حقائقة ، التي هي ايضا اسراره الكبرى . فحضور اسمهان وفريد الاطرش ومصيرهما ، واللغط الفج عن علاقات المطربة الاميرة بالاستخبارات البريطانيه والالمانيه . مؤسس على غرض اخفاء مفعم بالقسوة ، لماهو في اصل تشكل الحداثة الغنائيه في مصر والعالم العربي ، بين الفن كقوة بذاته وكحقيقة عليا ، وبين تجلياته الحديثة ، والشروط التي أخرت طويلا بدء حضور الفن في قلب الحياة العربيه ، منذ انتصرت السلطة والحضور التقليدي ، والرمزيه الدولويه التي تجعل الرئيس حسني مبارك يكتب اليوم مقدمة لكتاب صدر قبل فترة قصيرة عن ام كلثوم ، تضع الرئيس المصري في الركن محتاجا الى " الست " بصفتها اقوى واصفى التعبيرات الباقيه عن الاجماع واللحمة الشعوريه ، بمقابل حضوره المزعزع والمهتز وحيرته في اللحظات الاخيرة ، امام الفراغ والفوضى ، وحتمية التوريث المرعبه/شاركه في التقديم رمز اختراق عالمي مصري هو عمر الشريف / . الحداثة الغنائية العربيه بتاطيرصاغ المجال الابداعي ، وقننه ضمن شروط ، عينت من جهه سمات الفن والفنان ، وحددت من ناحية اخرى ، المصدراو الاطار المفضل او حتى الاجباري ، للممارسة الفنيه ومساراتها ونهايتها { هنا ايضا يتطلب الامران نبحث في التواصلات النغميه الصحراوية ثم العربيه الاسلاميه ايام الامويين والعباسيين وصولا الى الاندلس على امل ان نتعرف على مناحي الاتصال والانفصال ، وقد يشمل هذا حتى النغميه القديمه لحضارات المنطقة مع التواريخ الحضارية التاسيسيه وصلتها بشروط وتدرجات النغميه الحديثة } ومن الواضح اليوم ان تاريخ الفن العربي الحديث ،هو غناء بدأ غناء مصاب بنكسة ، تتسيدها ام كلثوم منفردة . ومنذ فترة اصبحت التلفزيونات العربيه الحريصة على " الفن النظيف " تميل الى نحت تعابير تضعها بمقدمة برامج تحمل اسماء من قبيل ، سباق " الزمن الجميل " . هذا مايفعله التلفزيون المصري على سبيل المثال ، من باب دفاعه عن الفن ضد انحطاط الفن ، الماضي ضد الحاضر. وفي بلاد تقدس الحكام والدوله ، تحول المنجز بظل الانسداد الى " مقدس أعلى " جديد ، وحل الماضي ، كما هو الحال في كل حياتنا ، وشؤون ثقافتنا ، وعيشنا ، محل الحاضر، وارخى عليه حضوره الرومانسي الكئيب المقروء بتحنيط . لكن المعاهد الموسيقيه لاتتوقف عن تخريج المطربين ، والاصوات التي تلفت الانتباه ليست قليله ابدا . والعودة لاغنيات " الزمن الجميل " ، يمارسها مطربون حاليون من باب الوفاء للعهود ، ورغبة في استحضار وتاكيد سطوة القمم ، وكل هذا لم يغير من الوضع شيئا على الاطلاق . مازال الشعور السائد عن حالة الفنون والغناء بالذات ، لم يتبدل . وهنالك ازمة حلت على الذوق العام وهشمته ، اول من يكرسها " الفيديو كليب " الذي يطغى على اي بعد يوائم بين المتلقي المضطرب ، السائر رغما عنه وسط دوامة من الضجيج ، وبين الموضع او الشخص الذي تصدر عنه او بواسطته ومنه الاصوات والاغنيات و/ الحركات . والمفاهيم او التوجهات التي تحكم اولويات المنظور السائد في مكان ما ، تفعل فعلها بقوة على مستوى الذائقة ، وبما ان التاريخ " الحديث" ، او تاريخ " النهضة العربيه " لم يقرا ، الا من زوايا بعينها ، في مقدمها السياسة والافكار والخيارات " الحضاريه " ، فان الفنون يمكن ان تعيش مرات مضاعفة خارج ذاتها ، والنغم مهما ارتقى يبقى محكوما الى العالم المحيط به ، ترى هل آن الاوان لان نقرا تاريخ النهضة او الحداثه النغميه العربيه ؟ ، لقد شبعنا قبلا من ذكر الطهطوي ، ومحمد عبده ، و جمال الدين الافغاني ، ورشيد رضا ، وسلامة موسى ، والسيد . من دون ان يحل مكانهم او الى صفهم ، حسن خيوكه والقندرجي من العراق وصالح عبدالحي والسيد درويش مصر او حتى العنكا من الجزائر . مع ان الملاحظة الهامة تقول ، بان الحداثة النغميه لم تحتج الى " بعثات" ، وان الصوت والنغم جددا من داخلهما وباصالة تلفت الانتباه . والاحكام التي عينت حدود التجديد ، خضعت لاعتبارات اكثر صرامه مما كان عليه الحال في بقية ميادين التحديث ، والمسالة الاخطر في تاريخ الفن النغمي العربي استقرت في وقت مبكر ، متخذة سمات بعينها كانت الاحداث تصر على ان تؤرخها بحدة وانتظام ، فثنائي { ام كلثوم عبدالوهاب } ومقابله ثنائي { اسمهان فريد الاطرش } ، ووجودهم متعاصرين ومتداخلين احيانا ، هو حكم التاريخ ، والمفارقة الفاصلة بين ممكنين واحتمالين ، انتصر احدهما وعاش الآخر كظل وهامش ... غير ان ماتبقى اليوم : " بوس الواوا .