ماركس بمناسبة ميلاده.. 1- ما الذي قدمه للبشرية؟

ماركس بريشة صائب خليل

قبل 199 عاماً بالضبط (5-5-18188) (تاريخ يدعوك لحفظه لشدة تناظره)، ولد كارل ماركس، الشخصية الأكثر شهرة في عالم الاقتصاد، وربما السياسة والفلسفة. 
 وهذه مقالة المكونة من جزئين مخصصة لتلك المناسبة. وسنطرح في هذا الجزء (الأول) نبذة عما قدمه ماركس للبشرية، ونخصص الجزء الثاني لكشف حملة التشهير والتشويه التي يتعرض لها اليوم. 
.
 فما الذي قدمه ماركس للبشرية حقاً؟ بعيدا عن التداعيات السياسية التي نعرفها جميعا، والتي لم تنته بعد بالتأكيد، سنكتفي هنا بالجانب الاقتصادي من ماركس، وهو ليس الجانب الأسهل. 
.
 إن تحديد مساهمة كل من الاقتصاديين الكبار في مفاهيم الاقتصاد، يتميز بالصعوبة، عدا بعض النقاط الواضحة. ومن تلك النقاط التي تعزى إلى ماركس بدون شك، الإسهام الذي قدمه للاقتصاد الرأسمالي بتقسيمه "رأس المال" إلى قسمين: ثابت ومتغير. والثابت هو الأبنية والمكائن والأرض وما شابهها من ممتلكات تتميز بطول العمر، وبأنها "ثابتة الكلفة" بدرجة أو بأخرى، بغض النظر عن مدى استعمالها، او حتى بقائها معطلة. أما الجزء المتغير فهو ما يتمثل بـ "أجور العمال" والكهرباء وما شابهها من الكلف التي تعتمد بدرجة أو بأخرى على نشاط الإنتاج، وتتغير بتغيره. وهذا التمييز ضروري جدا لتحليل الاقتصاد واعداد دراسات الكلفة والجدوى، وقد بقي يستعمل حتى اليوم.
.
 إلا أن معظم المفاهيم الأساسية الأخرى، ليست بهذا الوضوح. فقارئ الاقتصاد سرعان ما يكتشف انه امام سلسلة متصلة من الاكتشافات وتطوير الاكتشافات، لا يكاد يمكن ان نميز لها حدود فاصلة. فسيقع في وهم كبير من يتصور من خلال قراءة "رأس المال" ان ماركس هو من ابتكر مفهوم "فائض القيمة"، الذي يستند إليه التحليل الماركسي للرأسمالية، وتتجسد فيه كل الأرباح في الإنتاج الرأسمالي. ما فعله ماركس هو أنه أكد أن “العمل” هو المنتج لـ "فائض القيمة"، وحتى هنا لم يكن ماركس هو أول من اكتشف العلاقة بين العمل و "فائض القيمة" فنستطيع ان نجد أصول ذلك المفهوم وتلك العلاقة في كتابات آدم سميث وريكاردو وغيرهما، قبل ماركس..
.
 الشيء الذي جاء به ماركس وميزه عمن قبله هو التأكيد بأن "العمل" هو المنتج "الوحيد" لـ "فائض القيمة"، وبذلك فقد استبعد دور "رأس المال" في انتاجها، وهو ما اختلف عنه الآخرون بضم رأس المال إلى منتجي "فائض القيمة" أو تركهم الموضوع غامضاً، أو أنهم قالوه بشكل يمكن التشكيك به وتركوه دون تأكيد أو استمرار في استنتاج تداعيات تلك الحقيقة الخطيرة. فأهم ما فعله ماركس، هو قيامه بالخطوة الجريئة التي وقف دونها من سبقه من الاقتصاديين ممن توصلوا إلى استنتاج مماثل، والمتمثلة بالامتداد المنطقي لذلك الاستنتاج إلى نهايته، والقول بأن “كل” أرباح الإنتاج، يجب ان تعود لمن انتج "فائض القيمة" دون غيره. وبما أن "رأس المال" لا يقوم بأي “عمل” ولا يسهم في انتاج "فائض القيمة" فهو لا يستحق اية حصة من الأرباح. ولقد بين ماركس بأن "رأس المال" ليس سوى أداة من أدوات الإنتاج التي يحق لصاحبها استعادتها كما هي، لا أكثر. فمثلما لا يكون للفأس حصة في أرباح العمل في النظام الرأسمالي، أكثر مما تتطلبه إدامته، لا يجب ان يكون لـ "رأس المال" حصة أكبر مما تتطلبه إدامته. وجدير بالملاحظة هنا ان النظام الاقتصادي الإسلامي كما شرحه السيد محمد باقر الصدر، قد توصل إلى تلك النتيجة (دون المرور بتحليل "فائض القيمة")، وحرم على "رأس المال" ان يحصل على أي جزء من الأرباح!
.
 هذه الحقيقة التي جهر بها ماركس واستنتجها من التحليل العلمي لمسيرة انتاج "السلعة" وبيعها في سوق حرة، بقيت كامنة لزمن طويل تطل من بين سطور جميع المحللين الكبار للاقتصاد في التاريخ حتى جاء من تجرأ على كشفها. فلم تكن الصعوبة الذهنية في استنتاجها هي العائق الأساسي، رغم انها لم تكن واضحة بشكل مباشر، إنما كان العائق الحقيقي امامها هو النتائج المخيفة المتمخضة عن ذلك الاستنتاج! لأنه يعني ضرورة إعادة توزيع الثروة وسلب الأثرياء ارباحهم المسروقة من العمال. 
.
 إن مدى استعداد القراصنة للعنف في الدفاع عن "مكتسباتهم" فوق ما يمكن ان يتخيل الإنسان، وصعوبة انتزاع أي جزء منها يتطلب نضالا شرسا لا هوادة فيه. وللصدفة، وأنا اكتب هذه الاسطر الأخيرة من هذا المقال، تأتيني اخبار إسقاط الأثرياء للتأمين الصحي في اميركا، والذي تمكنوا من الحصول عليه بعد صراع امتد عشرات السنين، رغم ان كل ما يطلبونه هو اقل بكثير مما يحصل عليه المواطن في أي بلد غربي آخر! 
.
 ويمكننا ان نستنتج من ذلك، رد فعل هؤلاء على حقيقة تهدد القراصنة بسلبهم كل غنائمهم دفعة واحدة! إن من يجاهر بتلك الحقيقة سيكون كمن يقول للنمر أن عليه ان يعيد فريسته لصاحبها، ويمكننا ان نتوقع ما يمكن ان يحدث لمن يفعل ذلك! وقد ادرك الاقتصاديون بلا شك مدى الخطر الذي يهددهم إن هم فعلوا. 
.

وبالفعل برهنت حياة كارل ماركس ان ذلك الرعب من هذا الاستنتاج كان في محله. فقد تسبب تلك الجرأة بتحويل حياة صاحبها إلى قصة عذاب إنسانية مريرة. عذاب لم يصبه وحده بل امتد إلى كل من كان قريبا منه. 
.
 فرغم ان ماركس كان من اسرة ميسورة الحال، وأنه حصل على شهادة الدكتوراه وكان علمه وشهرته وعبقريته تؤهله أن يصبح ثريا كما فعل زملاؤه وأكثر، فهذا يكتب في صالح الاقتصاد الحر وذاك في ضرورة الحمائية، كل حسبما تمليه مصالح الشركة التي توظفه، إلا ان ماركس اختار حياة المعاناة التي لم يجد منها مفراً إن أراد أن يكتب ما يراه صحيحاً ويرضي ضميره، واختارت عائلته مساندته، ودفعوا جميعا ثمنا غاليا لذلك. 
.
 لقد أراد ماركس ما عبر عنه في مقولته الشهيرة: "لقد كانت الفلسفة حتى اليوم مشغولة بتفسير العالم كما هو، وقد حان الوقت لأن نغيره"! وصحيح ان هذا التغيير هو في صالح الأغلبية الساحقة من البشرية، إلا انه لن يكون إلا على حساب البعض من مترفيها، ولم يكن في نية هؤلاء أن يتخلوا عن افضلياتهم بأي شكل كان، وبأي ثمن كان. 
.
 وبالمقابل لم يكن في نية ماركس ان يتخلى عن ضميره. لقد رأى أنه اكتشف سر التاريخ الاقتصادي للبشرية وعرف سبب الاستغلال والقهر الذي تعاني منه، وشعر انه يمتلك مفتاح سعادتها وأن بإمكانه ان يوقف معاناتها كما تصور. ومن الصعب على أي انسان له ضمير ان يمتنع عن اية تضحية يتطلبها هذا الهدف النبيل. 
.
 لقد قدم ماركس للبشرية مفتاح السعادة الاقتصادية، لكن استعماله لم يكن سهلا. فما يمنع البشرية من ثرواتها وسعادتها ليس باباً مغلقاً فقط يتطلب المفتاح المناسب، وإنما يقف امامه كل القراصنة المدججين بالسلاح، والذين يرون في ثروة البشرية حقهم دون غيرهم، وهم مستعدين لتحطيم العالم وتعريض الحياة على الأرض إلى الخطر، كما اثبت التاريخ، والتحدي مازال كبيراً وخطير.

بورتريت ماركس: بريشة صائب خليل