عراق - اللادولة- وخرافة -الدولة المدنية- (1/2)

بعدما قرر الغرب الأمريكي انهاء وتدمير صيغة "الدولة المدنية" المقامة من قبل الغرب الاستعماري بوجهه الإنكليزي أولا وفي ظله بين 1921/ 2003، الحت في العراق ضرورة استعادة اليات تشكله الوطني الذاتي وعيا، ولم يكن لمثل هذه الاستعادة ان تظهر من داخل "قوى ماقبل الدولة" التي صعدت سلم السلطة والنفوذ على انقاض الدولة المدنية الصدامية الثانية المنهارة( ينقسم تاريخ الدولة المدنية الغربية كما هي مطبقة في العراق الى طورين كبيرين، الملكي شبه الاقطاعي 1921/1958 والثاني الصدامي الريعي العقائدي العائلي 1968/2003)، كما انها لم يكن مقيضا لها ان تلوح باي شكل من الاشكال، على يد مايسمى بالقوى العلمانية الايديلوجية الحزبية، اليسارية والقومية والليبرالية، فالأخيرة تنتمي عمليا للخطاب الايديلوجي المحايث للدولة المدنية المنهارة، الى ان افصح هؤلاء من جديد عن مجافاتهم لواقعهم التاريخي ولخاصياته، وبعد اكثر من عقد من التخبط واللاموقف والانضواء تحت عباءة العملية السياسية الطائفية ومخطط الاحتلال، وفي حين تلح على العقل والتطلع الوطني التاريخي مهمة إعادة اكتشاف الذات الوطنية، واماطة اللثام عن الاليات التاريخية للكيان والمجتمع العراقيين، يعود هؤلاء لديدنهم الكسول المغرض، فيبادرون كما تعودوا لامتطاء شعار جاهز معلب، يحمل هذه المرة ماركة وخديعة "الدولة المدنية"، مكررين السعي لاشاعة أجواء من الزيف والتضليل، لانتيجة ترجى منها، سوى محاولة عرقلة تطور الوعي الشعبي نحو ماكان قد ابعد وطمس من سماته وحقيقته على مدى يقارب القرن، وصولا الى الكارثة الحالة على عراقنا اليوم. 
على خلاف بقية أجزاء المنطقة المعروفة بالعالم العربي، تتجلى ازمة العلمانية المقحمة والبرانية، ومحاولات فرضها على الواقع العراقي، بصيعة عجز تام مكشوف، بعيد عن جهد او محاولة إعادة اكتشاف الاليات الوطنية، او السعي لوضع مثل هذه الحاجة الحاسمة في الحسبان، او ضمن المهمات الوطنية الملحة. وهذا الوضع كما يبدو اليوم بصيغته المزرية المتأخرة، يذكر بالبدايات التي وجدت مثل هذه الحركات والقوى خلالها وفي غمرتها، حين ذهبت الى استبدال الواقع بالجاهز الغربي المتخيل، فالملتحقون بالغرب ماركسيا او قوميا او ليبراليا، ماكانوا يتمتعون بالحد الأدنى من القدرة والملكات الفكرية او الثقافية بمعناها العام، ولا بالحس الضروري، بحيث يميلون الى معرفة تفصيلات وشروط واقعهم التاريخي والاني، فمالوا الى القطع الاستبدادي الجهول، لصالح النموذج الغربي، لدرجة امحاء السمات الوطنية، لابل ولم يخل ميلهم ذاك من رغبة في استعمال "علمهم" الجديد المنقول، كوسيلة تسلط متعالية ،على المجتمع باعتبارهم حملة علم العلوم، والسحر الشافي وحتمياته التي لايأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
هذا الرضوخ للحضور الغربي مفهوما ونموذجا، اعتاش على الظرف الناشيء في حينه بين حركة شعبيه جماهيرية كاسحة، قاعدتها ومحركها ردة فعل مجتمع اللادولة العراقي التاريخي، على لحضور الغربي الاستعماري، وأوضاع ومتغيرات دولية مؤاتية، وبين استعصاء تاريخي ظل يمتاز به العراق كتكوين وبنية، ناجم عن خصوصية تكوينه وتعقيده الاستثنائي، كانت القوى التقليدية في العشرينات قد افصحت عن عجزهاعن طرق بابه على طريق الذاتيه والهوية الوطنية الغائبه، مانتج عنه حالة من القبول الراغماتي الاضطراري بالوافد الايديلوجي، قررته الضرورة، بالاخص بفعل الهجوم الكاسح الذي شنه الحضور الاستعماري الغربي، باقامته "دولة مدنية" وفق المقاييس الغربية ( علم ودستور ومجلس امة)، مشفوعا بقانون تخريب البنية التاريخية المشاعية، بسنه قانون التسوية لعام 1932 ، وسعية لاختلاق ملكية الأرض والاقطاع المفبرك القسري، المصنوع والمحمي من قبل الدولة المدنية المركبه فوق المجتمع، وبالضد من سيرورته التاريخية الحديثة الذاتية.
أقيمت "الدولة المدنية الاستعمارية" عام 1921 في العراق، بالضد من المجتمع، وبهدف الاجهاز عليه وسحقه، وهو الامر البديهي في كيان مزدوج الدولة، تكوينه الأصل لايعرف "الدولة التمايزية القاهرة" ولم يعرفهاعلى مر تاريخيه، الا ككيان براني، مضاد لمجتمع اللادولة التاريخي الذي اعيد تشكله خلال ثلاث دورات تاريخية وانقطاعين حضاريين، مر بهما العراق منذ بدء المجتمعات، وانتقال الانسان من الصيد واللقاط، الى انتاج الغذاء والتجمع، وهو مادشن أصلا في "ارض الراافدين". ومجتمع اللادولة يقوم في "ارض الرافدين" باعتباره المجتمع الأصل التاسيسي والبديهي، فالمجتمع السومري و "اريدو" مدينة الالهة، اسبق على ظهور الدولة الإمبراطورية التي تقام خارج المجتمع العراقي المشاعي، في أعلاه، داخل مدن محصنة، تمارس الغزو لاستحلاب الريع، ثم تعود لتختبيء في قلاعها وحصونها.
والذي حدث اليوم على يد الإنكليز، هو نفسه الذي ظل يحدث على مدى عشرات القرون، فالدولة العراقية الحديثة الاستعمارية، أقيمت فوق المجتمع ومن خارجه، وحظيت بحماية المحتلين بدل القلاع والمدن المحصنة اشد تحصين، وقواعد ونظام الغرب المستحدث بصيغته المزورة، ذلك في حين لم يكن العراق وقتها مهيئا لقيام دولة من داخله تمثل نصابه الوطني، بما ان تشكله الوطني الامبراكوني مايزال في بداياته، وكان حتى مجيء الاستعمار،مايزال محكوما من دول برانية، تعتاش على ضعف التشكل الوطني في مجال اللادولة الأسفل، ماحررها من ضغطه، والذي بدا عمليا منذ القرن السابع عشر، مع ظهور أولى الاتحادات القبلية في سومر الحديثة، "المنتفك"، وعرف حقبتين و"دولتي مدينة لادولة" على التوالي، هما :"سوق الشيوخ"، دولة اللادولة القبلية، و "النجف" كدولة لادولة "دينية تجديدية".
هذا اذا اتبعنا السردية الوطنية التاريخية الحديثة، لا سردية الأحزاب الايديلوجية والدولة الاستعمارية المنتمية للغرب،
ونموذجه المقحم على واقع مخالف له كليا، فالعراق مازال يعاني على مستوى الذات، من انفصام عميق، مصدره الكبير تسلط سردية استعمارية غربية برانية زائفة، تلغي العراق، وتستبدله بالافتراض والتخيل المنقول والمرسوم تخيلا واعتباطا وفق إيقاع مفروض من الغرب الحديث، ونموذجه في الحياة والدولة.
ان دولة 1921 هي الحصيلة العملية الممكنة بالنسية لممارسة الغرب الاستعماري للغرب الاستعماري، ولخلاصة تصادمة مع مجتمع اللادولة المتشكل حديثا، وقد افصح بقوة عن موقفه من الحضور الاستعماري بثورة لم تدرس كجوهر، وكانتماء لنمط من المجتمعات المنتجة المشاعية المتضاده كليا مع اشكال الهيمنة، والأجنبية منها بالذات، فلا لوحظ مستوى الاستنفار الأقصى الاستثنائي في مجتمع لايعد ضمن نطاق وساحة الثورة، اكثر من ثلاتة ملايين، وصل تعداد جيشها لقرابة مائة الف مقاتل، ولا لابداعيتها إزاء الاختلال في التوازن التسليحي التنظيمي "الطوب احسن لومكواري"، ولا مترافقاتها التعبيرية الأدبية والشعرية الدعاوية ودلالاتها:" جن ماهزيتي ولوليتي ... هزيت ولوليت لهذا"، وغيره من الاشعار الدالة على قوة دفع مشاعي، حقق توازنا عسكريا افضى الى تفكير الإنكليز بالانسحاب، لولا فكرة "الحكم من وراء ستار"، أي ابتكار شكل جديد من الاستعمار، بدل نظرية الاستعمار الهندية التي جاء الإنكليز يحملونها حين احتلالهم للعراق، فاذا هم ينتقلون الى اول شكل من اشكال ماسيعرف لاحقا ب "الاستعمار الجديد"، فكانت دولتهم المركبة من اعلى، ومن خارج النصاب الاجتماع،ومقتضيات التشكل الوطني الحديث، أي الدورة الحضارية العراقية الثالثة الراهنة، بعد الدورة الأولى السومرية البابلية، والثانية العربية الإسلامية العراقية.
اما التجلي او التدبيرالثاني، ممثلا في بدولة 1968 فهو الحصيلة والممكن المتوافق مع استمرار الهيمنه الغربية ( معدلة هذه المرة وفق إيقاع القطبية الدولية في بلد يقف على خزان نفط الخليج، وموقعه غاية في الحساسية الاستراتيجية بين القطبين، وهو حصان جامح، او كما قال تشرشل "ياله من بركان ناكر للجميل" ) بعد ثورة 1958 وكرد فعل عليها، وعلى زخمها كلحظة تجل ثانية كبرى لمجتمع اللادولة، عدا ماكانت تنطوي عليه برغم انتكاستها من احتمالات وتمخضات، كانت تشيرلبدء انفصال قوى الايديلوجيا عن نبض اللادولة، وبدء انتهاء دور "الوطنية الحزبية"، ولايمكن ابدا فصل نظام ودولة البعث النفطية القبلية الصدامية، عن سياقات وممكنات قيام "الدولة المدنية"، الأقرب لدولة الحزب الواحد، وقواعده المتعارف عليها في حينه.
لم بعرف الا عند حالات تاريخية فاصلة ونادرة في العالم، ماعرفه العراق خلال وبعيد 14 تموز 1958، كمثال ماحصل في الثورة الفرنسية 1789، او ثورة أكتوبر الروسية عام 1917 من احتدام الفعل المجتعي، وصعودة الهائل المتحرر من قيود التماثلية اليومية المجتمعية، لقد هرب الاقطاعيون من الريف العراقي مطرودين بفعل هبة الفلاحين العفوية، وصار المجرمون العاديون يقفون في الطرقات، ويطلبون عفويا السماح من الناس، او يتحملون فدية دفع اجرة ركوب الناس في وسائل النقل العامة، او يعتبرون تاريخ الثورة يوم ميلادهم، او ياكلون لحم العائلة الملكية ( البعض يعيبون على الثورة مثل هذا الفعل، قالانسانويون يمكنهم ان يستنكروا الفعل الظالم المنظم والمتراكم للدولة القاهرة، بنفس المستوى الذي يرفضون به وضع الفعل الفوضوي التغييري ضمن الممارسة الإنسانية المفهومه، بحيث يتم تجاهل من اين أتت، ومالذي جعلها تحدث، من قبيل مثلا قتل علاقات اجتماعية مترسخة منذ قرون، وسرقة الأرض المشاع للدير وأهلها واقتلاعهم وتشريدهم، ورميه للعوز والذل والاهانة بعد دهر من الكبرياء المتحرره من أي قيد.. ولن نكمل التعداد) تلك الظواهر وغيرها الكثير، تحولت حسب راي المجتمع الدولي والعربي القوموي، الى فوضى، ومد احمر وووو.. 
ومرة أخرى، وكما في ثورة العشرين، لم تجد ثورة تموز من ينطق باسمها وبلغتها ومصطلحاتها التي تطابق خلفيتها، ومصدر افعالها التي لم يحدث مايشابهها في المحيط والجوار وفي العالم، الا نادرا، وستظل تلك الأيام من الفعل الإنساني الفريد الحي غائبة مادامت السردية الايديلوجية الاستعمارية هي الطاغية، والسردية الوطنية لم تحضر بعد..