فضائح دستور بريمر " العراقي" 1 من 2

-العراق والثنائية القومية الكاذبة: محاولة القيادات القومية الكردية بالتعاون مع حليفتها القيادات الإسلامية الشيعية، ترسيخ مفهوم يفيد (أن العراق بلد ثنائي القومية) من خلال تكرار منطوق عدد من المواد التي تفيد و تؤكد ان العراق مكون من قوميتين رئيستين هما العربية والكردية مع إضافة عبارة " وأقليات قومية أخرى". وهذا كذب ممتزج بالجهل من الناحية الإحصائية والمجتمعية العلمية وباتجاهين: فأولا ،العراق بلد عربي الهوية الحضارية والثقافية بدليل الغالبية العربية التي تفوق 85% من سكانه و فيه أقليات قومية " إثنية" كسائر دول العالم ومنها إيران ( نسبة الفرس أقل من 50% ولكن لا أحد يعترض على هويتها الفارسية، وتركيا ونسبة الاتراك فيها قد لا تزيد على 60% ولكن هويتها الثابتة تركية طورانية).

و ثانيا، إذا أراد البعض ذكر مكونات المجتمع العراقي القومية الرئيسية فينبغي ذكر مكوناته الثلاثة الأكبر وهي العربية والكردية والتركمانية حسب ترتيبها الإحصائي المعتمد، وهو آخر إحصاء تم إجراؤه، أو اعتماد إحصائيات النظام السابق للبطاقة التمونية التي اتفقوا على اعتمادها بعد سنة الاحتلال 2003، ثم رفضتها الزعامات الكردية وفرضت نسبتها التقديرية الخاصة وهي 17% من ميزانية الدولة والعديد السكاني في عهد حكومة علاوي كنوع من "الخاوة"، رغم أن المصادر الكردية تعترف داخليا بأن نسبة السكان الأكراد لا تتجاوز 13% وقد كتب عن هذا الموضوع مفصلا و في عدة مقالات الزميل الكاتب صائب خليل.

#هويمش : بعض الأفندية المتحذلقين من جهة اليسار واللبرالية والإسلامية ( من إسلاميي : العدل أساس الملك .. صدق الله العظيم !) يعتقدون أن عبارة "أقليات قومية أو إثنية" فيها إهانة لهذه الأقليات، بل ويعتبرونها سُبَّة وشتيمة سياسية لهذه الأقليات، وهذا محض هراء ممزوج بالجهل والتضليل، فهذه العبارة - وهي بالفرنسية (Les minorités ethniques ) وبالإنكليزية ( Ethnic minorities ) - موجودة ومتداولة في دساتير وقوانين العالم وفي اللغة السياسية المعاصرة ومنذ الحرب العالمية الأولى دون أن يستاء منها أحد إلا في العراق حيث يُشْتَمُ العراقيون العرب في الصاعدة والنازلة و يُعَيَّرون بكافة الموبقات والصفات بلغة عنصرية فجة وصريحة لا تخلو من رائحة موسادية إسرائيلية، أما استعمال عبارة "الأقليات القومية أو الإثنية" فيعتبر سبة وشتيمة...!

2-الشعائر الحسينية في الدستور : يبدو أن ممثلي الأحزاب الشيعية في لجنة كتابة الدستور كانوا سعداء جدا حين أقنعوا ممثلي الأحزاب القومية الكردية بالموافقة على إدراج الشعائر الحسينية في المادة الدستورية 43 التي تخص حقوق أتباع الأديان والطوائف في العراق، ومقابل ذلك تنازلوا للأحزاب الكردية عن أمور كثيرة منها أن تكون الكلمة الفصل والأخيرة للإقليم وليس للدولة الاتحادية "العراق" إذا نشب خلاف بين الطرفين .. ولكن غاب عن ذهن "عباقرة" التفاوض الشيعة وكان من بينهم في لجنة كتابة الدستور نوري المالكي و همام حمودي وأكرم الحكيم ونديم الجابري أن صيغة تلك الفقرة الدستورية ملتبسة بل هي تكرس، أو توحي بأن الشعائر الحسينية وبالتالي ممارسوها من المسلمين الشيعة في العراق هم أقلية هامشية جدا يجب التنويه بها وإنصافها من خلال الاستدراك بعبارة "بما فيها" وليست غالبية سكانية كما يزعم الزاعمون. هكذا يفهم الأمر، فالفقرة أ من المادة 43 تقول ( اولاً :ـ اتباع كل دينٍ او مذهبٍ احرارٌ في: أ ـ ممارسة الشعائر الدينية، بما فيها الشعائر الحسينية.) المعروف من الناحية البلاغية – التي يبدو أن حامل شهادة الماجستير في الأدب العربي نوري المالكي نسيها- أن التنويه أو الاستدراك بعبارة "بما فيها" يفيد معان عدة في مقدمتها توخي عدم الاجحاف والإهمال لأقلية صغيرة أو شخص مستضعف ...الخ، كأن يقول القائل ( أنا أحترم جميع أمم وشعوب العالم بما فيها الشعوب الصغيرة والبدائية). وأرجح أن الجماعة إنما أرادوا التمييز أو التمايز لطائفتهم وشعائرهم، و تقول العصفورة أنهم اقترحوا صيغة أخرى هي "وفي مقدمتها الشعائر الحسينية" ولكن اقتراحهم هذا رفض، واستبدل بعبارة "بما فيها" التي لا تفيد التمايز بل العكس فوافقوا بسرور.

هكذا كتبت بعض مواد وفقرات الدستور العراقي النافذ، و هذا ما حدث ويحدث دائما حين تتغلب العاطفة الطائفية أو القومية على العقل الوطني والإنساني البناء فيصبح النص الدستوري ملعبا للمناورات والمزايدات والحرتقات الطائفية والفئوية على حساب المغازي الدستورية والوطنية العليا!

3- مقلوبة غالبريث : أخطر مادة في الدستور العراقي هي المادة 115 والتي يمكن اعتبارها مفتاح تفتيت العراق كما نفهم مما كتبه الباحث الوطني فؤاد الأمير قبل عدة سنوات. و هذا نصها ( كل ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، يكون من صلاحية الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، والصلاحيات الاخرى المشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم تكون الاولوية فيها لقانون الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم في حالة الخلاف بينهما ). هذه المادة لم تكن واردة أصلا في أفكار وطموحات الزعامات الكردية بل وضع بذرتها الخبير الأميركي المرتشي والمتصهين بيتر غالبريث، وقد ناقشتُ الموضوع بتفصيل في عدة مقالات تجد روابطها في نهاية هذا النص .

وباختصار، فهذا الخبير أقنع الزعماء الأكراد بأن تكون المعادلة لديهم مقلوبة فليست بغداد الاتحادية هي من تمنحهم الصلاحيات بل هم من يطرحون الصلاحيات على بغداد فإن حدث خلاف كان الحق لهم - لزعامات الإقليم - وليس لبغداد بموجب نص دستوري.

تظهر الملامح الرئيسية لنظرية غالبريث التفتيتية من خلال ما ورد في كتابه " نهاية العراق"، و الذي صدر في 2006 . ففيه يكتب ( بعد أن غادرت العراق في أيار 2003، أدركت أن لدى القادة الكرد مشكلة في المفاهيم ( Conceptual problem)، فيما يتعلق بالتخطيط للعراق الفيدرالي. فهم كانوا يفكرون في تفويض للسلطات، بما يعني أنّ بغداد هي من تعطيهم حقوقهم. مناقشتي معهم كانت بأن المعادلة يجب أن تكون معكوسة ، مقلوبة. وكتبت لهم في مذكرة أرسلتها إلى برهم صالح ونيجرفان بارزاني في آب 2003، و وضحت الفرق بين المقترحات السابقة، وفيما يجب أن تكون عليه، للحكم الذاتي والفيدرالية. إنّ الفيدرالية هي نظام ( الأسفل يصبح الأعلى )، و إنّ الإقليم أو المنطقة تتشكل في البداية ثم تُعطي هي بعض الصلاحيات وحسب رغباتها إلى الدولة الاتحادية والحكومة المركزية. ويضيف غالبريث ( وكتبت في النهاية، بأن أي تناقض في قوانين كردستان وقوانين ودستور العراق، سوف يكون في صالح كردستان.

إن فكرة غالبريث التفتيتية هذه سوف تتحول حرفيا إلى المادة 115 في الدستور العراقي و نصها (كل ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، يكون من صلاحية الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم، والصلاحيات الاخرى المشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، تكون الأولوية فيها لقانون الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، في حالة الخلاف بينهما).

ماذا قدمت الزعامات الكردية لحلفائها في الزعامات الشيعية مقابل هذا المفتاح التفتيتي؟ لا شيء تقريبا، سوى بضعة أسطر من الإنشاء السطحي والعاطفي الذي يدغدغ عاطفتهم الطائفية من قبيل النص على ما يتعلق بما يسمى "مظلومية الشيعية" ومكانة أئمتهم و عتباتهم المقدسة ولا شيء آخر وقد تم لهم ذلك في ديباجة الدستور التي حملها آنذاك – كما تقول العصفورة – زعيم حزب المجلس الأعلى عبد العزيز الحكيم إلى جلال الطالباني شخصيا، فنقحها هذا الأخير ولم يبق منها إلا على بعض الإشارات الضبابية والعامة للهوية الطائفية الشيعية ومرموزاتها، و حصل هو وحلفاؤه البارزانيين على حكم العراق والتحكم بمن يحكمه، فصار الإقليم هو المركز الذي يحكم الدولة الاتحادية وليس العكس وفق معادلة غالبريث المقلوبة. ولو أن الحكومة العراقية احتكمت غدا إلى محكمة العدل الدولية أو إلى أي هيئة قضائية محلية أو دولية تحترم نفسها وحيادها حول خلافه النفطي مع الزعامة الكردية في الإقليم لكان الحكم لمصلحة الإقليم وليس لها بموجب نص هذا الدستور الكارثي.

هذا هو الدستور الذي يريد عمار الحكيم اعتماده أساسا لمبادرته الجديدة لعراق ما بعد داعش، والتي تسمى اختصارا "مبادرة لا غالب ولا مغلوب" التي كتب مسودتها المرشح الأقوى والوحيد الذي قدمته المخابرات المركزية الأميركية سي آي أيه لوزارة النفط العراقية إبراهيم بحر العلوم فكان لها ما أرادت مرتين، الأولى في الحكومة المؤقتة سنة 2003 ، و الثانية في الحكومة الانتقالية سنة 2005