العلمانية بالعينَين الاثنتين ج1:

إن أبسط تعريف ممكن لمصطلح "العلمانية" بكسر العين أو بفتحها يحيلنا الى شبكة من التعقيدات. لكن دعونا أولا نحسم التعريف اللغوي للعلمانية بالعين المفتوحة وبالأخرى المكسورة. العلمانية بالعين المفتوحة اسم نسبة على صيغة عَلمان وهي صيغة خاطئة إذا كان المقصود بها الإحالة الى العالم لأن النسبة الصحيحة الى العالم هي "العالمانية" (اعتمادا على تفسير جزئي للعلمانية يقوم على الفصل بين "الدنيوي" من الدنيا فقلبوها الى العالم وبين "الديني" ) وهذا ما حاول تسويغه وتبريره لغويا الشيخ عبد الله العلايلي قبل أكثر من نصف قرن دون جدوى، ثم زالت الكلمة من قيد الاستعمال وهذا ما يجهله، كما يبدو، بعض الأكاديميين المأجورين المشتغلين بالقطعة هذه الأيام لدى الأحزاب الإسلامية الشيعية العراقية في بعض القنوات الفضائية ومنها #قناة_الحرة الأميركية كما كتبنا يوم أمس. أما العِلمانية بكسر العين فهي اسم نسبة إلى العِلم على زنة " فَعلان – فعلانية " وهي صيغة مبالغة يراد بها التفخيم من قبيل ( طُهْر - طُهران - طهرانية – عنف – عنفوان – عنفوانية ). وهذه الصيغة - العِلمانية بكسر العين- هي السائدة بحكم العرف الاستعمالي رغم عدم دقتها في مقابل ماهيتها في اللغات الأجنبية. ولكن بعض الإسلاميين يتحسسون منها لأنها تضعهم تلقائيا في خانة اللاعلمية أو الخرافية وهذا تحسس نفسي لا قيمة علمية له.

هناك تخريج بائس آخر يعتبر العَلَمانية - بفتح العين واللام - اسم نسبة من " العَلَم-" وهذا التخريج يأخذ به قلة من الباحثين كما انه موجود في موسوعة ويكيبيديا العشوائية والضعيفة المصداقية العلمية وهذا الاشتقاق غير صحيح لغةً، فالنسبة الى العَلَم تكون " العَلَمَانية " بفتح العين واللام وهذا الاشتقاق غير مستعمل أبدا، وهو لا علاقة له بالمعنى الاصطلاحي للكلمة.

في اللغات الأجنبية ومن الناحية الاصطلاحية فأن تعريف العِلمانية لا يقل تعقيدا فهناك أكثر من كلمة ذات علاقة بها من الناحية المضمونية وهي :

1- كلمة سكولاريزم المستقاة من اللاتينية سيكلوم وتعني أصلا: الجيل من الناس ثم صار لها معنى آخر في اللاتينية المستخدمة في الكنائس هو: العالم الزمني " الدنيوي " في مقابل العالم الروحي "الديني" بما يذكرنا بثنائية أو متقابلة "اللاهوتي والناسوتي" .

2- كلمة لايستي الفرنسية المشتقة من كلمة لاوس اليونانية وتعني الناس و كلمة ليكوس وتعني عامة الناس في مقابل رجال الإكليروس الديني. ومن هذه الأخيرة اشتقت التركية كلمة ليكليك. ( هامش لهذه الكلمات بالحروف اللاتينية في نهاية المنشور).

كل الكلمات أعلاه، أصبحت تحتوي ماهية مضمونية عامة واحدة ومتمايزة في تمظهراتها الدستورية في البلدان الكاثوليكية والبروتستانتية و الأرثوذوكسية وغير المسيحية و يمكن تسمية هذه الماهية: عموم معنى العلمانية التي تقر بوجود تمايز - في الدرجة - بين معناها الحاد والمتشنج غالبا في البلدان الكاثوليكية كفرنسا والآخر -الناعم غالبا - في البلدان البروتستانتية وغيرها. و كنت قد كتبت مقالة في هذا الصدد قبل فترة قدمت فيها قراءتي التعريفية بدراسة الباحث المغربي د. خالد يايموت – في الصدد تجد رابطها في خانة أول تعليق. ولكن ما هو هذا المعنى المضموني للعلمانية؟ أعني ما هو المعنى الاصطلاحي الممكن؟

التعريف السائد للعلمانية في بعض الموسوعات الرقمية هو تعريف ناقص و خارج السياقات الاجتماعية والتاريخية ويقول ( العلمانية هي فصلُ الحكومة والسّلطة السّياسيّة عن السّلطة الدّينيّة أو الشّخصيّات الدّينيّة. وعدم قيام الحكومة أو الدّولة بإجبار أيّ أحدٍ على اعتناق وتبنّي معتقدٍ أو دينٍ أو تقليدٍ معيّنٍ لأسباب ذاتيّة غير موضوعيّة،. كما تكفل الحقّ في عدم اعتناق دينٍ معيّنٍ وعدم تبنّي دينٍ معيّنٍ كدينٍ رسميٍّ للدّولة). قلنا هو تعريف ناقص لأنه يصطدم بان العلمانية في بعض البلدان البروتستاندية مثلا، لا تعني عدم وجود دين أو كنيسة رسمية تعترف بها الدولة أو أن رئيس الدولة هو أحيانا رئيس السلطة الدينية كما في بريطانيا، علما بأن منصب الملكة إليزابث هو منصب فخري تشريفي لأنها لا تحكم ولا سلطة لها إلا على كلابها في قصر باكنغهام! سأتعرض في منشور لاحق قريبا بالتعريف النقدي لهذا التعريف للعلمانية ولتعريفها في دائرة المعارف البريطانية وتعريف الرئيس الأميركي الثالث جيفرسون والفيلسوف الإنكليزي جون لوك وإلى بعض التعريفات -التخريفات - لمفردة المدنية التي يراد لها أن تكون بديلا للعلمانية كتعريف فالح عبد الجبار الفارغ مضمونيا لها.

*المفردات الأجنبية الواردة أعلاه بحروفها اللاتينية حسب ورودها: (Secularism)

( Saeculum)

( Laicté )

( Laos )

( Laikos )

( Laiklik)

 

رابط المقالة المشار إليها أعلاه حول مقالة الباحث د.خالد يايموت

http://www.albadeeliraq.com/node/194