حول أكذوبة " الانتحاريون الفلسطيون هم الأكثر في العراق"

إحصائية تكذي خرافة الانتحاريين الفلسطينيين

هناك لوبي صهيوني في العراق .. هذه حقيقة قد لا ينتبه اليها كثيرون فينساقون ببساطة وبدون حذر لدعوات هذا اللوبي وألاعيبه الخبيثة وإستغلاله العاطفي .. 
الطريف أن الأيدي التي تروج لهذه الأغراض المشبوهة في الغالب يسارية المنشأ تقف وراءها نفس الجهات التي تسوق تقسيم العراق وتفتيته بحجة تقرير المصير وإحقاق الحقوق المشروعة للأكراد .. 
وأهم ما تطلقه هذه الأوساط بمناسبة وبدونها أن فلسطين صدرت الى العراق أكثر من ألف فلسطيني فجروا أجسادهم في الأبرياء العراقيين ولا ينسى أن يضاف اليها بعض البهارات التي تستغل العواطف والمآسي بذكر الأحقاد والضغائن الطائفية والمذهبية .. 
وفي الأثناء فإن ما يتم تجاوزه وتناسيه أن السعودية مثلا هي أكبر مصدر للإرهاب في العالم كله بالرجال والسلاح والتمويل والأخطر من ذلك بدعوات التكفير وشحن النفوس بالكراهية والبغضاء والحقد .. خاصة وأن أجهزة الدعاية والإعلام في معظمها سعودية وهي تدخل كل بيت في مشارق الأرض ومغاربها وتصنع ثقافة المسلم اليوم بحيث تجعله يتجاوز حتى إنتماءه المذهبي لصالح ثقافة وهابية تكفيرية لا تبقي ولا تذر .. 
ومعظم الإحصاءات الموثوقة في الغرب اليوم تشير الى أن السعودية وتونس التي كانت حتى الأمس القريب بالمناسبة دولة علمانية لا تقيم للدين وشؤونه وزنا تتنافسان على المركز الأول في مصدر رفد تنظيم داعش بالمقاتلين .. 
لماذا لا يجري تعميم الاستهداف مثلا الى الشعبين التونسي والسعودي .. فتش عن الأغراض " الإسرائيلية " .. 
في الإعلام هناك تركيز على العنصر الفلسطيني في الإرهاب حتى داعش نفسها تشارك في هذا الأمر ناهيكم عن الجهات التي تخدم مخططات الصهاينة وأهدافهم في المنطقة والعالم .. ما هو الغرض في أن يكون فرع داعش في مصر اسمه " بيت المقدس " وهو الذي يدير ظهره الى بيت المقدس ومن يحتلها ويوجه سلاحه نحو مصر . 
نعم الإرهابي الفلسطيني يدير ظهره الى القدس وقدسيتها ليوزع القتل يمينا وشمالا .. ولكنه ليس وحده في هذه الجريمة .. وإن كان وجود ألف فلسطيني فجروا أنفسهم في العراق على أن الإحصائية نفسها ليس هناك مصدر موثوق لتأكيدها وهي ظهرت فجأة من دون معرفة أصلها وفصلها .. يستدعي كراهية شعب فمن باب أولى أن يكره العالم كله العراق وأهله لأن قيادة داعش ومراكز القرار فيها ومن يوجه ويخطط ويقتل هم عراقيون في المقام الأول ضحكوا على العالم كله بمفاهيم الإسلام والجهاد والخلافة لزجهم في مشروع سلطوي طائفي جرت في جداوله مياه من روافد مختلفة وصار أخطر مشروع يهدد مصير المنطقة برمتها .. 
أكثر من ذلك فإن لدى الحكومة العراقية معلومات وأدلة ومعتقلين تفيد بأن بعض قيادات داعش ومجرميها شيعة في الأصل انتقلوا الى الوهابية كما هو حال مفجري ثلاثة تفجيرات في مدينة البطحاء بمحافظة ذي قار وبعض منفذي جريمة سبايكر والأخطر من ذلك أن شخصا يدعى مشتاق الحسيني نجفي الأصل وقد تحول الى الوهابية وهو من أعتى مجرمي داعش وأشدهم تنكيلا بالشيعة .. فضلا عن ضباط ومسؤولين شيعة اشترت ذممهم داعش وأخواتها فساهموا في تمرير مفخخات الموت الى مدن ومناطق شيعية عراقية كثيرة .. 
ولو كشف الغطاء اليوم عن أسرار ملف الإرهاب في العراق لتبين للناس أن داعش وأخواتها السنيات ليست هي المسؤول الوحيد عن هذا الملف بل أن أيدي مجرمة من جهات مختلفة محلية وإقليمية ودولية استخدمت هذا السلاح الإجرامي الخطير في أوقات مختلفة لتحقيق مآرب سياسية .
وبدون شك فإن البعد المذهبي حاضر في التحريض والتجنيد وحشد التأييد خاصة وأن بعض الشيعة يقدمون مادة دسمة تساعد عدوهم عليهم في هذا الصدد ولكن الأمور لا يمكن تفسيرها بهذا العامل منفردا خاصة الآن وقد تبين خيط المخططات الغربية والصهيونية الأسود من الأبيض ولم يعد الإرهاب يقتصر على العراق ثم سوريا بل تعداه الآن الى بلدان عربية أخرى كمصر وليبيا وتونس ومؤخرا الجزائر بل وحتى دول أفريقية كما هو حال نيجيريا أي أن بلدان سنية مطلقة أو ذات أغلبية سنية باتت تعاني اليوم ما عاناه العراقيون قبلها ..
ثم حتى لو تركنا المؤامرة وتفسيراتها جانبا .. أليست " إسرائيل " صاحبة مصلحة حقيقية وعميقة بهذا الذي يجري الآن حيث ينتشر الإرهاب حولها في كل مكان ولا يصيبها حتى شئ من رذاذه إن لم يكن شظاياه .. 
في بداية شهر رمضان المنصرم قدمت داعش شريطا مصورا من إصداراتها اسمه " الى أهلنا في غزة " تسخف فيه مسألة الأرض الى أبعد حد وتتوعد أهل فلسطين بأيام دموية والسبب كما تقول تهاونهم في صد انتشار التشيع في غزة وتطرح مفهوما جديدا يستحق التضحيات وهو ليس تحرير الأوطان ولا رد العدوان بل إقامة شرع الله على الأرض وشرعه عندهم هو قطع وبتر الأيدي والأرجل والرؤوس ..
لماذا يصار الى تضخيم دور الإرهابي الفلسطيني في المنطقة على حساب الأدوار الضخمة الحقيقية لغيره في المنطقة .. لماذا يتباكى اللوبي الصهيوني في العراق على التضحيات الضائعة في فلسطين ؟ .. كي تطرح في مقابل هذا قضية الصداقة مع الصهاينة وإقامة جسور العلاقات معهم بعد لف هذه السم الزعاف بما يجعله حلوا في أعين البسطاء والمستغفلين بالإثارات العاطفية .. 
ومع أن الموضوع يحتاج الى تناول منفرد لتجنب هذه الإطالة ولكن نختصرها بالقول بأن ما من بلد عربي استطاع أبدا أن يتجاوز أي مشكلة من مشاكله السياسية والاقتصادية والاجتماعية بمثل هذه العلاقة والأردن البلد الوظيفي الذي أقيم أصلا لغرض حماية حدود الكيان الصهيوني لم يحقق قيد أنملة من تقدم أو ازدهار أو تجاوز لمشاكله المستعصية بالعلاقة مع " إسرائيل " .. 
مشروع الصهاينة في المنطقة الذي أطلقه المفكر الصهيوني الكبير برنارد لويس قبل أكثر من ثلاثين عاما هو تفكيك الدول وتفتيت المجتمعات وتحويلها الى ملل ونحل وطوائف وقبائل وأعراق لتبقى " إسرائيل " هي الدولة الوحيدة التي تملك جيشا وقوة واستقرارا بينما تغرق المنطقة من حولها في صراعاتها وحروبها .. والنار كما نرى تسري من مكان الى آخر ولم تستطع دولة من دول المعاهدات والاتفاقات مع " إسرائيل " أن تحمي نفسها من هذا المصير . 
وإن كانت الأمور تقاس بجرائم ألف فلسطيني فإن الفلسطينين ذوو أياد بيضاء على العراقيين وبعضهم اليوم من رموز اللوبي الصهيوني حينما لم يبخلوا بأقصى المساعدات سواء بإنقاذ مئات إن لم يكن آلاف العراقيين من براثن الملاحقات التي كانت تطارد بالموت أفواج العراقيين المعارضين لنظام آل المجيد أو في تأمين العيش الكريم لهم ولعوائلهم في سوريا ولبنان عندما ضاقت كل السبل بالعراقيين وصارت الكرة الأرضية أضيق حتى من زنزانة .. فلماذا لا يذكر هذا الفضل لأهله لتعادل هذه تلك .. 
وعلى أية حال فلو أذنب كل الشعب الفلسطيني وهو ليس كذلك بحق العراقيين فلن يتغير من واقع حقوقه شيئا ولن يتغير من طبيعة المشروع الصهيوني وجها أو وجهة .. هذا هو الجوهر أما ما عداه فإستغلال خبيث وإستجابة ساذجة .
يضيق المجال بتفاصيل كثيرة حتى لا يرهق القارئ الكريم .. إنما لا ينبغي أن نكون مجرد طبول فارغة تقرعها هذه الأيدي المشبوهة متى ما أرادت لنملأ الكون ضجيجا ونصير صدى لأجندات يقبضون ثمنها ونقبض مقابلها ريح الأحقاد التي تعمي أبصارنا عن رؤية الحقائق خالصة دون تزييف .