العقيدة العراقية

تَتَحَكّم العلاقات الاجتماعية في أي بلد، وترسم الخطوط العريضة لسلوكه الثقافي. ومن هذه العلاقات تنشأ ظاهرة اجتماعية معينة. في المجتمعات المتطوّرة تميل العلاقات إلى روابط عقلانية يحكمها القانون والقوة الاقتصادية، فضلا عن العلاقات الدينية المحدودة، التي تكتمل بمفهوم المجتمع المدنيّ. يتلاشى في هذه المجتمعات مفهوم الجماعة القائم على علاقات أبوية أو حميميات قبلية. لقد استبدلوا هذه المفاهيم بأخرى تتناسب وتقدمهم الاجتماعي والاقتصادي، ومن ثم السياسي. وبعبارة أخرى، لقد أفرزت لهم هذه التحولات عقيدة مدنية قائمة على السلوك العقلاني.

تبرز الظاهرة العشائرية كعلامة بارزة في العراق. وتشكّل قوّة مؤثرة تنعكس ظواهرها على مجمل علاقاتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وبكلمة أخرى، تشكّل الخطوط العريضة للعقيدة العراقية. يعتز العراقيون بألقابهم العشائرية سواء كانوا في السلّم الأعلى للرتب الاجتماعية، أو في أسفل القاع للفئات المسحوقة. من هذه الناحية يتساوى رجل العلم والفرد البسيط باعتزازهما باللقب العشائريّ.

لا ينحصر الأمر بالفئات التي تقع خارج التصنيف المذهبي، بل حتى عند الجماعات المذهبية. فمن هذه الناحية تقع الجماعات العراقية في الغالب تحت سطوة العشيرة. حتى الفرد المتدين، لايمكنه عبور علاقاته الحميمة في النزاعات العشائرية ؛ فهو ينتصر لذاكرة العشيرة، وتنتصر له العشيرة في النزاعات التي تحدث بمعزل عن رأي الفقيه الذي يقلده!.

 

يصل الأمر لمستويات خطيرة للغاية فيما يتعلّق بجرائم القتل، لان أطراف النزاع يستندون إلى بنود الديّة العشائرية بدلاً من الديّة الفقهيّة. حينما يتعلّق الأمر بالجماعة العشائرية يضعف الولاء للمذهب، وفي حالة النفير العسكريّ، المقرون بفتوى الفقيه، تشتد العزيمة، لكنها تضعف في الجوانب الاجتماعية الأخرى. بمعنى، لو كانت الفتوى تتعلّق بنشاط اجتماعي آخر سنلاحظ فتور الهمّة وضعف العزيمة.

وكذلك لو أفتى الفقيه مستقبلاً بحرمة الالتجاء (لشريعة) العشيرة، سيجابه تعثّر بتطبيق الفتوى وبرود اجتماعي،وتهكّم من قبل هذه الجماعات.إن العشيرة والمذهب يشكّلان الخطوط العريضة للعقيدة العراقية. ومن الخطأ غض الطرف عن هذه الظاهرة، لأنها تتحكم بمجمل علاقاتنا الاجتماعية، وتقاوم أي عملية تغيير تحدث في المستقبل.

عند التدقيق في الظاهرة العشائرية في العراق، سنلاحظ أن هذه الظاهرة تشكّل سلسلة مترابطة من العلاقات الحميمية بين أفراد المجتمع، وهذه العلاقات تشكّل بالتدريج العقيدة البارزة للفرد العراقي. مؤَكَد أن العلاقات المذهبية تنفرد بحصّة كبيرة، لكن من العسير جداً فصل السلوك المذهبي عن العشائريّ. إنها علاقة مترابطة بإحكام ويصعب تمييزها في سلوك الفرد العراقيّ، ابتداءً من المواطن العادي، ونهاية بأعلى رتبة في المنظومة السياسية.

لذا لا نستغرب من المناوشات التي تحدث بين البرلمانيين واحتكام بعضهم للعرف العشائريّ داخل أكبر سلطة تشريعية في النظام السياسيّ !. لكي نفهم الهيكلية الاجتماعية أو التكوين الاجتماعي للمجتمع العراقي، لايمكننا عبور ظاهرة العشيرة إذا ما أردنا فهم أسباب التخلّف الاجتماعي والسياسي في العراق. والخطة الأولى للحد من هذه الظاهرة ليس إصدار القوانين فقط على الرغم من أهميتها. وإنما تغيير العلاقات الاجتماعية من خلال بنية تحتية اقتصادية، وإعادة بناء المؤسسات التعليمية والقضائية، إنها ببساطة شديدة إعادة بناء الدولة على أسس عقلانية.

العالم الجديد