خرافة "جاموس السند" ومحاولات "تهنيد" عرب الجنوب العراقي

الصورة التي ورد ذكرها في المقالة المشار إليها والتي تظهر فيها صورة الجاموس القديم في الختم الاسطواني بالأسود والجاموس المعاصر بالألوان والمضيافة السومرية القديمة والحديثة

نستعيد قراءة هذا الموضوع الحساس بمناسبة المهاترة التلفزيونية بين النائبين طه اللهبيبي وحنان الفتلاوي والتي علقنا عليها في مقالة سابقة نشرت يوم الخميس الماضي، نستعيده من وجهة نظر علمية لتبيان الفارق بين التشائم الطائفي المتبادل والقراءة التاريخية والاجتماعية النقدية لواقع مجتمعنا العراقي.

ظهرت هذه الرواية المشككة بعراقية وعروبة العراقيين الجنوبيين لآخر مرة في عدة مقالات نشرت في صحيفة "الجمهورية"، ونسبت حينها إلى الرئيس السابق صدام حسين أو أحد مساعديه ثم تلاشت ولم يعد أحد يشير إليها. إنّ التشكيك بعراقية قبائل الجنوب وعروبتها سلعة قديمة وبائرة في دكاكين القوى الطائفية والعنصرية في العراق طوال القرن الماضي وما يزال بعض أنصار النظام السابق يستخدمونها بين الحين والآخر ضد خصومهم السياسيين، وآخر مناسبة برزت فيها هذه الشِنْشِنَة كانت حين تشاجر سياسيان عراقيان قبل شهرين تقريبا، الأول من أنصار البعث الصدامي والآخر من أنصار أحد الأحزاب الإسلامية الشيعية المشاركة في الحكم القائم على شاشة إحدى الفضائيات العربية وكرر فيها الأول شتائمه "المألوفة" والمشككة بمواطنة وعروبة خصمه!

نشر السيد جميل الزبيدي مقالة في صحيفة "المشرق" البغدادية 16/8/2011، مقالة بعنوان "تاريخ دخول الجاموس إلى العراق" كرر فيها معلومة ليست قديمة تماما، ولكنها خاطئة ومضللة إلى حد بعيد، وخلاصتها هي أن حيوان الجاموس الذي يُربى بكثرة في أهوار جنوب العراق لم يكن أصيلا في هذه البلاد بل هو مستورد من السند وأن الحجاج الثقفي هو الذي استورده من هناك.

ظهرت هذه الخرافة بشكلها الصريح والواسع بُعيد إغراق انتفاضة ربيع 1991 بالدماء، و في سياق تشكيك إعلام النظام البعثي الصدامي بعروبة وعراقية سكان الجنوب الذين كانوا مادة تلك الانتفاضة الشهيدة وطلائعها. الرواية الحكومية لهذه الخرافة تختلف جزئيا عما ورد في مقالة الزبيدي فهي تقول بأن الجاموس ورعاته استورِدوا من السند ولكن بأمر القائد الشاب محمد بن القاسم الثقفي وليس بأمر ابن عمه الحجاج بن يوسف الثقفي. ظهرت هذه الرواية لآخر مرة في عدة مقالات نشرت في صحيفة "الجمهورية"، ونسبت حينها إلى الرئيس السابق صدام حسين أو أحد مساعديه ثم تلاشت ولم يعد أحد يشير إليها. إنّ التشكيك بعراقية قبائل الجنوب وعروبتها سلعة قديمة وبائرة في دكاكين القوى الطائفية والعنصرية في العراق طوال القرن الماضي وما يزال بعض أنصار النظام السابق يستخدمونها بين الحين والآخر ضد خصومهم السياسيين، وآخر مناسبة برزت فيها هذه الشِنْشِنَة كانت حين تشاجر سياسيان عراقيان قبل شهرين تقريبا، الأول من أنصار البعث الصدامي والآخر من أنصار أحد الأحزاب الإسلامية الشيعية المشاركة في الحكم القائم على شاشة إحدى الفضائيات العربية وكرر فيها الأول شتائمه "المألوفة" والمشككة بمواطنة وعروبة خصمه!

لا يمكننا الربط بين الصيغتين السالفتين لهذه الخرافة، نقصد بين صيغتها السياسية العنصرية في إعلام النظام الشمولي المطاح به وصيغتها التي وردت في مقالة الزبيدي، ولكننا نعتقد بأمل أنْ يكون الأخير قد طرحها من باب البحث عن حقائق العلم في التراث الرافديني العريق ولا علاقة لها ببواعث واستهدافات ذات طابع سياسي معين بل ببواعث واستهدافات محض علمية وعلى هذا الأساس سنناقشها مع وافر الاحترام لحق كاتبها في الدفاع عن وجهة نظره :

بدأ الكاتب مقالته بعبارة ملتبسة مضمونا ولغة، يُفْهَمُ منها أن العراق كان خاليا من الجاموس قبل الفتح العربسلامي وأن ( ما تم العثور عليه من قبل الآثاريين على ألواح من الطين أو بعض الأختام التي خلفتها لنا الحضارات العراقية القديمة وعليها أحيانا صور واضحةً للثيران وهي تجر آلات الحرث، فهذا لا يعني بالضرورة إنها كانت من الأبقار أو من فصيلة الثيران التي تشمل أيضاً ما يسمى بالجواميس) ويختم تلك الفقرة بالخطأ الشائع والذي يعتبر كلمة "جاموس" أعجمية ولكنه يطرح تخريجا كاريكاتوريا لا يخلو من الطرافة ويقول ( وكلمة جاموس التي على وزن فاعول، عربية دخيلة، فهي في الأصل تتكون من الكلمتين الآريتين (كاو kow ) وتعني البقرة وماوش أو ماوس وتعني الفأرة وكانت تلفظ كاوميش أي البقرة ذات الشبه بالفأرة ) وكنا قد أثّلنا كلمة جاموس وأرجعناها إلى أصلها الأكدي والآرامي "كاميش" في كتابنا " الحضور الأكدي والآرامي والعربي الفصيح في لهجات العراق والشام/ دار المامون- بغداد2012"  وقلنا فيها إن ( كلمة جاموسة تلفظ في الآرامية جموشا، وفي الأكدية كاميش. والمفردة موجودة في العربية بذات المعنى ولكن ابن منظور يعتبرها أعجمية من كلام الفرس، وهذا مثال آخر على سفر المفردات السامية العراقية إلى خارج بلاد الرافدين ثم عودتها إلى العربية كـ"أعجمية" حيث نقرأ "جاموسة : ومن كلام الفُرْس ما لا يُحْصى مما قد أَعْرَبَتْه العربُ نحو جاموس ودِيباج،فلا أُنْكِر أَن يكون هذا مما أُعْرِب /لسان العرب")

في الواقع، نحن لا ننفي تماما واقعة استجلاب قطعان جاموس من بلاد السند في عهد محمد أبي القاسم الثقفي أو بعده، ولكنه ليس الجاموس العراقي القديم بل هو من فصيلة مختلفة عنه تماما، فهذا الأخير -كما سنوثق بشكل قاطع وملموس - وجد في جنوب العراق منذ عصور سحيقة، وأن ما سنعرضه من أدلة ملموسة من الحضارات القديمة يؤكد وجوده منذ العصر السومري على الأقل. و  الزبيدي نفسه يؤيد ما نقوله هنا حين يكتب (إن الجاموس الموجود بالعراق الآن لا يشابه الجاموس الهندي في معظم صفاته الشكلية أو الاقتصادية، هذا وتضيف بعض المصادر أن الجاموس وجد في وادي الرافدين منذ 2500 ق.م عندما استؤنس هذا الحيوان في جنوب آسيا في تلك الفترة، لكن هذا الكلام بحاجة إلى توثيق ) إذا كان الأمر معلقا على التوثيق فسنحسم الأمر بعد قليل بتوثيق مادي ملموس، مع ذلك فنحن نلاحظ أن الجزء الأخير من هذه الفقرة يتناقض مع قناعة الكاتب التي أعلن عنها في مطرح آخر من مقالته حين جزم بأن الجاموس لا أثر له في السردية الثقافية العربية والعراقية، وأضاف بأن الألواح الطينية أو الأختام الأسطوانية القديمة التي حملت صورا لأبقار وثيران تجر المحاريث فهي لا تشير إلى وجود جاموس. إن الدليل المادي الذي نوَّثق به كلامنا هو عبارة عن ختم أسطواني نادر من العصر السومري نشره العلامة المتخصص في السومريات "صاموئيل نوح كرامر" في كتابه المهم والتأسيسي "مهد الحضارات". ولدى كاتب هذه السطور نسخة من الطبعة الأولى لترجمة الكتاب إلى الفرنسية التي أنجزها "سيرج أوفاروف" وصدرت قبل أربعين عاما . إنها نسخة من كتاب رائع شكلا ومضمونا وحافل بالمعطيات والخرائط والصور الملونة وغير الملونة بل هو أقرب إلى التحفة الفنية حتى من حيث الإخراج والتصوير مع أنه اعتمد تقنيات السبعينات من القرن الماضي لكنه يضاهي التقنيات الرقمية الحديثة من بعض الزوايا والحيثيات. نشر كريمر على الصفحة 89 من كتابه صورة واضحة للوحة بارزة تركها الختم الاسطواني الحجري بعد سحبه على الطين. في هذه الصورة نشاهد بوضوح قطيعا من أربعة عشرة جاموسة تحيط بما يبدو أنه مَضافة "مُضيف" من القصب من تلك المشهورة في الجنوب ومازالت تبنى حتى يومنا هذا. وقد استعمل كريمر في شرحه لمحتوى الصورة كلمة جاموس في صيغة الجمع ( بوفل BUFFLES )، أما شكل الحيوان فهو شكل الجاموس العراقي المألوف بشكل لا تخطئه العين. ثم، وكأني بكريمر بات على يقين من أن هذا الحيوان الذي يظهر في الختم لسومري هو الجاموس العراقي، زاد فنشر أعلى صورة الختم صورة ملونة حديثة أخرى لعدد من حيوانات الجاموس وهي تقيل في مياه الأهوار مقابل عدد من الأكواخ القصبية. غير أنَّ كريمر أخطأ حين اعتبر المضافة القصبية البادية في الختم الأسطواني بعرفها المتفرع والشهير المنتصب فوق واجهتها مجرد إسطبل لتلك الحيوانات. يتكرر ظهور المضافة في منحوتة – وليس على ختم أسطواني هذه المرة- من العهد السومري أيضا على الصفحة 91. في هذه المنحوتة نرى المضيف بواجهته المزينة بالعرف المتفرع، وإلى يسار ويمين واجهته ظهر حيوانان لا يمكننا الجزم بنوعهما نتيجة التلف الذي أصاب المنحوتة. في شرحه لمحتويات المنحوتة، يخبرنا كريمر أن الواجهة تبين لنا مسكنا من القصب من النوع الذي نجده في المنحوتات السومرية و تسمح لنا برؤية السقف المقوس والعرف الذي تنتهي به كل ركيزة من ركائز البناء. في الصفحة ذاتها نشر المؤلف صورة ملونة حديثة لرجلين من عرب الأهوار منهمكين في بناء الهيكل الداخلي للمضافة وكأنه أراد الربط بين الخلفية السومرية لهذه الهندسة وبين حاضرها العراقي العربي و أسماها "الهندسة القصبية " و خصص لها فصلا من كتابه عنوانه (إرث الهندسة المعمارية القصبية) .

بعد هذا التوثيق المادي الحاسم تكون خرافة "جاموس الحجاج" قد تبددت هباء منثورا، وتحقق لنا الآن أنّ حيوان الجاموس -وبالتالي رعاته- قد وجد في العراق القديم وعلى أدنى تقدير سمح به التوثيق من العهد السومري إذْ لا يمكننا المجازفة بالقول بأنه كان موجودا قبل هذا العهد أي في ما سمي عهد "الفراتيين الأوائل" الذي سبقه فهذا العهد لم يخلف أثارا مادية يمكن الركون إليها بقصد التوثيق كونه لم يعرف الكتابة. فأية قيمة تبقى لخرافة "جاموس الحجاج" سواء صدقت واقعة استجلاب قطعان من الجاموس الهندي أو الباكستاني في عصره أم لا، خصوصا وأنه – كما يخبرنا الزبيدي - مختلف نوعيا عن الجاموس السومري العراقي!

*كتاب عراقي

نشرت في موقع ينابيع بتاريخ 09 تشرين الثاني 2014