حرامي البيت

أصعب أنواع اللصوص وأشدّهم غموضاً هو "حرامي البيت". إنه لصّ غامض يعيش بيننا يأكل ويشرب ويشاطرنا همومنا، لكنّه يتمتّع بيدٍ خفيفة ومباركة! لأنها تسرق بدون جهد إضافي وعادةً مايكون فوق الشبهات.

تتوجّه الأنظار في حالات السرقة نحو الخارج، هنالك حرامي سطا على بيتنا وسرق بعضاً من مقتنياته. وهذا الأمر لا ينطبق على البيت الصغير فحسب، وإنما ينطبق على بيتنا الكبير (الوطن)، فقد تعوّدنا أن نوّجه أنظارنا للحرامي الأجنبي الذي يسرق خيراتنا وثرواتنا لأنه حرامي خارجي. أما الحرامي الداخلي فيساهم معنا في التفتيش عن المسروقات ويبكي ويلطم ويصرخ على ثرواتنا المسروقة.

لقد ساهم حرامينا السابق بتأميم النفط وخلصّنا من سرقات الأجانب. وبعد أن تخلّصنا منهم ومن نَهبِهم، تفرغّ صاحب البيت للنهب الوطني والقتل الوطني و "النكـَر" الوطني . بهذه الطريقة أصبحت المهمّة صعبة وخطيرة لفن السرقة، لأنها تحوّلت من الأجنبي إلى صاحب الدار، وبذلك تحول بطلنا القوميّ إلى "حرامي البيت" ليتمتّع بحرية عالية للسرقة، ومثلما يقول المثل الدارج "ظل البيت لمطيرة وطارت بيه فرد طيرة".

بمرور الوقت انتشرت عملية تأميم وطنية واسعة النطاق، لكن هذه المرّة لا علاقة لها بتأميم النفط من الغاصب الأجنبي، وإنما تأميم ثرواتنا بيد علي بابا الوطني التكريتي، وتحول هذا السلك إلى تقليدٍ عريق ومتفق عليه بين الوطنيين: اسرق بلدك بدلاً من أن يسرقه الأجنبي.

وإذا كان علي بابا الأجنبي يسرق حسب الأصول المعمول بها، يعطينا أجورنا والقيمة النقدية لما يشتريه، فعلي بابا الوطني يسرق مال الله وعباده ولا يعطينا سوى الامبريالية والصهيونية والاستعمار، نفطر بوجبة استعمار، ونتناول حساءً وطنياً خالي الدسم. وبين هذه الشعارات يٌسرق بلد بأكمله في وضح النهار.

عندنا تقليد عشائريّ عزيز على قلوبنا جداً : لابد أن يكون الفرد "أبن ليل"  و"سبع"  "وأخو خيتة"، وهذه المقدمات تقودنا إلى نتيجة ، وهي أن يكون حرامياً خط ونخلة وفسفورة. وهذا التقليد يلقي ظِلاله على الممارسة السياسية التي تحدث منذ سقوط حزب البعث التكريتي حتّى هذه اللحظة، وهو أن الصعود إلى كرسي الحكم يعني أن نكون حرامية وطنيين.

وبالطبع يسري هذا التقليد على أصغر موظف، المدراء حرامية والموظفون الصغار حرامية، ومن يريد التأكيد من ذلك فليسأل موظفاً عراقياً عن طبيعة وظيفته، لن يتردد هذا الموظف بوصف الحالة القريبة على قلبه وهي "الشغل كله تسخيت".

يتفاضل الحرامية فيما بينهم : حرامي طائفي يعمل تحت غطاء "الطائفة الحق" يلفط  مال الله لفطاً من دون وجع قلب، وحرامي قومي يشفط خزينة الدولة شفطاً بسبب مخاوفه العرقية ليؤمّن مستقبله الانفصالي!، وحرامي " لاحوكَ " يعمل بموضوعية كاملة ولا يفرق بين طائفة وأخرى، أو بين قومية وأخرى مادام الدولار شغّال على قدم وساق.

ربما نحتاج في السنين القادمة إلى مؤسسة تعنى بالتعداد العام لحجم الحرامية في البلد، لكن المشكلة التي ستواجهنا حتماً ، من يقوم بهذا التعداد الوطني؟! ، أخشى أن يكون اسم هذه المؤسسة الرائدة مستقبلاً: مؤسسة علي بابا الوطنية.