ج1/صلاح الدين الأيوبي بين الهجاء الطائفي والتقييم الموضوعي

 نشطت في الآونة الأخيرة حملة تشنيع وهجاء ضد بعض الشخصيات التاريخية العربية الإسلامية من فترة العصر الإسلامي المنتهي رسميا بسقوط بغداد بعد الغزو المغولي بقيادة هولاكو في شهر شباط سنة 1258 / صفر سنة 656 هـ. وقد جاءت هذه الحملة الراهنة والمستمرة محايثة لواقع وعوامل الاستقطاب والصراع الطائفي الشيعي السني البالغ حد الاقتتال الفعلي والقتل على الهوية الطائفية في العراق بعد احتلاله من قبل القوات الأميركية والغربية الحليفة لها سنة 2003 ومتواقتة مع تفاقم جرائم وانتهاكات تنظيم داعش التكفيري ضد جميع الطوائف والمذاهب الدينية المسلمة وغير المسلمة. وضمن هذا السياق تصاعدت في الآونة الأخيرة حملة شرسة في وسائل الإعلام ذات التوجهات الطائفية من صحف وقنوات فضائية - سنتوقف تفصيلا عند نماذج معينة منها مسجلة على الفيديو من برنامج تلفزيونية وكتابات متفرقة - ضد شخصية تاريخية مهمة في تاريخنا العربي الإسلامي هو صلاح الدين الأيوبي قاهر جيوش الفرنجة ومحرر بيت المقدس. وقد وجدتُ أن أفضل وأجدى منهج تاريخي يمكن الرد بواسطته على هذه الحملة الظالمة وغير الموضوعية هو المنهج التاريخي الاجتماعي السياقي والذي اعتمده المعلم الراحل هادي العلوي. وكان الراحل قد كتب دراسة مطولة وموثقة - تقع في عشرين صفحة - يقرأ فيها هذه الشخصية التاريخية المهمة وفق منهجه التاريخي المتميز، أي أنه يقرأها ويحايثها كما هي في حقيقتها وداخل سياقها التاريخي وفق ما تراكم حولها من وثائق ونثر تاريخي مكتوب و روايات شفاهية في الفولكلور الشعبي ...الخ. وبهذه المنهجية أفلت العلوي من القراءات الذاتية المضلِّلة ذات النزوع السلفي الطائفي والتي تنظر إلى صلاح الدين الأيوبي كـ "مجرم مماثل لطاغية كصدام حسين" كما تفعل البروبوغاندا الطائفية السلفية الشيعية على ألسنة إعلاميين و أساتذة جامعيين ومحرضين سياسيين عاديين سنتوقف نقديا عند نموذج محدد منهم، أو النظر إليه كزعيم معصوم من الخطأ والزلل ومدافع عن "صحيح الإيمان بوجه المنحرفين الروافض" كما تفعل البروبوغاندا الطائفية السلفية السنية و دحض كلا القراءتين المذهبيتين وكشف جوهرهما الرجعي اللاتاريخي. ولذلك جاءت دراسة العلوي أكثر توازنا وقربا من حقيقة هذه الشخصية ولهذا السبب سأفرد لهذه الدراسة مكانة خاصة ضمن هذه الدراسة.
إننا لو أخذنا شخصية القائد صلاح الدين الأيوبي كمثال على الكيفية التي يقرأ بها هذان الخطابان الطائفيان المذهبيان هذه الشخصية لوجدنا أن الخطاب الأول ينظر إليه كبطل الإسلام – الإسلام السني طبعا- وقاهر الصليبيين و يضيف إليهم التكفيريون في عصرنا الروافض الشيعة وأمثالهم، كما في كتاب "الدولة الزنكية ونجاح المشروع الإسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والصليبي" للكاتب الليبي د. علي محمد الصلابي، لا يجوز نقد بعض ممارسات صلاح الدين أو أفكاره ومواقفه بل و لا يجوز حتى التعريف بنقاط ضعفه وهناته فهو شبه معصوم وفوق أية قراءة تاريخية موضوعية إنما يجوز التمجيد والتوقير والتقديس وحسب. و اللافت أن هذه القراءة التحريمية لا نظير لها حتى لدى أغلب أجدادنا المؤرخين القدامى في عهد صلاح الدين ذاته الأمر الذي يدل على عقلانية أغلب أجدادنا من المؤرخين ونزاهتهم اللتين لم يحدّ منها انتماؤهم المذهبي آنذاك. 
 أما الخطاب المقابل فينظر إليه كحاكم ظالم انقلب على الدولة الفاطمية الشيعية التي استعانت به ضد الصليبيين وأنهى وجودها بالتآمر مع الخليفة العباسي وأغلق الجامع الأزهر وساوم الصليبيين وتنازل لهم عن مدن وأراض كثيرة مقابل صرر من القطع الذهبية، وارتكب أفظع المجازر بحق المسلمين وغير المسلمين من الطوائف الأخرى. إنَّ كلا القراءتين مضللة و لا تاريخية ومشبوهة لأنها: أولا، ذاتية تحتكم الى الفكرة المذهبية المسبقة، و ثانيا، لأنها تهدر السياق التاريخي الحقيقي للشخصية و وظروفها فتسقط ما تشاء من أحداث وتفسيرات ووقائع وتلغيها وتثبت وتكبر وتبالغ في أهمية أحداث وقائع وتفسيرات أخرى. 
و  بين هاتين القراءتين ثمة قراءة ثالثة تحاول أن تقارب الحقيقة وهي القراءة التاريخية الموضوعية السياقية و التي تحتكم الى الوقائع التاريخية في سياقها المجتمعي الحقيقي فترصد إيجابيات وسلبيات الشخصية أو الحدث التاريخي داخل ظروفه الاجتماعية. ولكن هذه القراءة التي تريد أن تكون محايدة قد تسقط في هنات ومتاهات أخرى بدعوى الحياد العلمي المطلق وغير الممكن عمليا، ولذلك أسجل منذ البداية أن قراءتي لشخصية صلاح الدين الأيوبي لا تعني عدم الانحياز البدئي له كرمز لمقاومة الغزو الأجنبي الإفرنجي فلست مستشرقاً أو مأخوذا بالمنهج العلموي الاستشراقي الذي يدس السم بالعسل كبعض اللبراليين واليساريين المزيفين، ولا متسامحا مع القراءات الطائفية السلفية سواء كانت وفق المنهج التمجيدي العصموي السني أو الآخر الهاجي و الشتائمي الشيعي ضد الأيوبي في الوقت عينه... يتبع قريبا.
#صفحات_تراثية_مُعتَّم_عليها.