فضائح دستور بريمر " العراقي" 2 من 2

-فيتو المحافظات الثلاث على جميع محافظات العراق: إذا كان الساسة الأكراد بدعم من مستشاريهم الأجانب والصهاينة قد وضعوا أسس تفتيت العراق دستوريا، و إذا كان الساسة الشيعة قد تحالفوا معهم ودعموهم لتحقيق هدفهم مقابل بعض الفتات العاطفي والشعاراتي الطائفي ( مثالها الأبرز مادة "بما فيها الشعائر الحسينية") فإن الساسة السنة و تحديدا الإخوان المسلمين " الحزب الإسلامي العراقي" هم الذين تكفلوا بإنقاذ هذا المخطط المدمر من ضربة قاضية كادت تطيح به من داخله  ومثلتها الفقرة رابعا من المادة 142 . فما قصة هذه المادة؟

نُقِلَت هذه الفقرة نصا إلى مسودة الدستور  من المادة 61 من " قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية" الذي كتبته وسنته سلطات الاحتلال في عهد بول بريمر. تقول الفقرة (ج) من هذه المادة (  يكون الاستفتاء العام ناجحا، ومسودة الدستور مصادقا عليها، عند موافقة أكثرية الناخبين في العراق، واذا لم يرفضها ثلثي الناخبين في ثلاث محافظات أو أكثر.) أما صيغتها في الفقرة رابعا من المادة 142 من الدستور فهي (رابعاً: يكون الاستفتاء على المواد المعدلة، ناجحاً بموافقة اغلبية المصوتين، واذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر).

  واضح إذن أن "إدارة بريمر المؤقتة" هي التي سنت هذه المادة أصلا، ثم أقرتها لجنة كتابة الدستور لاحقا. ولكن هذه الفقرة التي تمنح الحق لثلاث محافظات من مجموع محافظات العراق التسعة عشرة بمنطوقها المباشر تعني كل ثلاث محافظات عراقية بغض النظر عن اسمها وموقعها، ولكن منطوقها المؤول عنى تحديدا وعمليا المحافظات الثلاث ذات الأغلبية السكانية الكردية أربيل والسليمانية و دهوك التي خرجت من سيادة العراق وصارت تحت الحماية الأميركية منذ عام 1991، وكان يمكن بسهولة الإطاحة بهذا الدستور وإسقاطه لو صوت ضده ثلثا الكتلة الناخبة في المحافظات ذات الأغلبية السكانية العربية السنية صلاح الدين و الأنبار ونينوى، إذ لم يكن محتملا أن تصوت ضده محافظات الجنوب والوسط بعد فتوى السيستاني المؤيدة للدستور، وهذا ما كاد يحدث فعلا ويسقط الدستور الاحتلالي لولا أن الإخوان المسلمين "الحزب الإسلامي" الذي كان يقوده طارق الهاشمي هرعوا في الأيام القليلة التي سبقت الدستور و أيدوا مسودة دستور بريمر وأصدروا توجيهاتهم لأنصارهم وجمهورهم في المحافظات المذكورة بالتصويت بنعم على الدستور. ورغم التزوير والضغوط الكبيرة التي مورست فقد رفض الناخبون في صلاح الدين والأنبار وبنسب ساحقة اعترفت بها سلطات الاحتلال مشروع الدستور ولكن المحتلين قالوا إن الدستور لم يرفض بنسبة الثلثين في محافظة نينوى بفعل الوجود الحزبي القوي للحزب الإسلامي وهكذا اعتبر الدستور ناجحا ومصادقا عليه شعبيا.

إن مشكلة الفقرة ج من المادة 142 ما تزال قائمة، وتشكل فيتو دائم بيد الزعامات الكردية خصوصا، يمكنها بواسطته إسقاط أي محاولة لتعديل الدستور العراقي أو إعادة كتابته لأن جمهورها الحزبي والناخب في محافظات أربيل والسليمانية ودهوك سيصوت ضد التعديلات ويسقطها، وإذا أصر مجلس النواب الاتحادي على إجراء الاستفتاء بعد تعديل هذه المادة سيهدد الزعماء الأكراد بالانفصال عن العراق ويبدو ان لديهم ضمانات اميركية وأوروبية غربية بتأييدهم إذا حدث ذلك!

 كل هذا يعني بوضوح أن الزعامة الكردية تمارس ما يمكن ان نسميه  "الدكتاتورية  الدستورية" والابتزاز السياسي المفضوح ضد محافظات العراق الستة عشر الأخرى باسم محافظاتها الثلاث، وكل هذا بسبب غباء وتآمر الزعامة الإسلامية الشيعية و بفعل الموقف الغادر الذي اتخذته  قيادة الإخوان المسلمين حين ساهموا وبشكل فعال بإمرار الدستور خلال الاستفتاء.

إن إعادة كتابة الدستور جذريا وتعديل المواد الاستعبادية التي ناقشناها في هذه المنشورات تتطلب الوعي بخطورة الوضع، و اقتراب العراق حثيثا من التقسيم والتفتيت، ولذلك سيكون أي سكوت أو قفز على معضلة  الدستور أو سكوت عليها مساهمة فعالة في مفاقمة الخطر و لا يمكن أن ننتظر حلا لهذه المعضلة و تعديلا جذريا للدستور من داخل برلمان المحاصصة نفسه ومن القيادات ذاتها التي مررته وصادقت عليه، ولنا في محاولة إمرار المادة "23 كركوك" التي أقرها البرلمان في عهد رئيسه محمود المشهداني حين اتفق نواب من العرب العراقيين عليها في جلسة عاصفة  فأصيبت الزعامة الكردية بالذعر والهستيريا لأن هذه المادة اشترطت تقاسم السلطات بالتساوي بين مكونات كركوك قبل إجراء الانتخابات المحلية  وطعنت فيها أمام المحكمة الاتحادية فوافقت الأخيرة على الطعن و ألغت المادة 23  والبعض يعتقد أنها جمدتها.

عمليا يمكن التفكير بعدة طرق و أساليب ممكنة لتعديل الدستور ولكنها ستصطدم جميعا بالفيتو الكردي ولهذا يجب التفكير بحل جذري يطيح بهذا الفيتو ضمن إعادة كتابة الدستور كله من جديد من قبل خبراء متخصصين في الدسترة  والقانون العام والدستوري  ومستقلين حزبيا، وسيكون تحرير الموصل والقضاء على عصابات داعش مناسبة رائعة وفرصة ربما لن يجود بمثلها التاريخ  لتطبيق هذا الخيار السلمي والديموقراطي لإنقاذ العراق فهل سيجرؤ نواب البرلمان العراقي على اجتراح هذه المأثرة وينقذون أنفسهم و شرفهم الشخصي و وطنهم؟ شخصيا، لستُ متفائلا بحدوث ذلك ولكنه يبقى احتمالا قائما!